أخبار مجلة همسة

وفاة الفنان أحمد راتب إثر أزمة قلبية مفاجئةوداعا زبيدة ثروت قطة السينما ورحلت صاحبة أجمل عيونمجلة همسة تطلق شعارها لمهرجان العام القادم ويحمل اسم سمراء النيل مديحة يسرىبالصور السفراء والفنانون فى احتفالات الإمارات بعيدها القومى بالقاهرةهام لكل الصحفيين الشباب والصحفياتاللمة الحلوة ” يحتفل بميلاد جارة القمر الـ 81الإمام الأكبر د. أحمد الطيب الأول عالميا فى قائمة أكثر المسلمين تأثيراألبوم صور مهرجان همسة الرابع كاملاخمس حلقان من مسلسل الزعيم على النت فى واحدة من أعنف عمليات القرصنةعاجل ..ننفرد .تصدعات بالجهة اليمنى لسد النهضةوفاء الفنان ممدوح عبد العليم إثر أزمة قلبيةبالصور” مـادلـين طـبـر”  تـحصد الجـائزة الثامنه لعام 2015 بــــ مهرجان اوستراكا الدولىالحلقات المفقودة فى مقتل الصحفى تامر بدير ” مادلين طبر ”  لـــــ همسه   فريق عمل  ” ابله فاهيتا ”  موهبون” امير الغناء العربى ”  يدعو لتنظيم حفلات ”  بشرم الشيخ  “

الخلاص ( جزء ) مسابقة الرواية بقلم / أحمد حسن محمود من مصر

Share Button

الاسم: أحمد حسن محمود
البلد: مصر_القاهرة
طريقة الاتصال:
الهاتف المحمول: 01129622672 أو 01140888477
البريد الألكتروني: al.shaer.1986@gmail.com

*جزء من رواية «الخلاص»*

فمتى؟ متى يطفي الفنى الموعودُ عمري الأحمقا؟!
كيف الخلاص ولم يزل روحي بجسمي موثقا؟!
لا الموت يختصر الحياة .. ولا انتهى طول البقا!

– الشاعر عبد الله البردوني –

-1-
يخرج من بيته الواقع في منطقة الزاوية الحمراء كعادته مبكرًا .. يغلق الباب خلفه ببطأ؛ خشية أن يشعر به والده .. يهرول على السلالم بسرعة شديدة، ثم يجري في الشوارع كالمجنون حتى يصل إلى باب الورشة الواقعة في حي الظاهر، يسأل أحد المارة:
– كم الساعة؟
يجيبه:
– الثامنة إلا خمس دقائق.
يطمئن .. يلتقط أنفاسه .. ثم يُخرج المفاتيح من جيبه ويفتح الورشة، يخرج صندوق العدة، يفتحه ويبدأ برصها وتجهيزها؛ استعدادًا لعمل شاق طوال اليوم.
بالرغم من أنه ابن صاحب الورشة إلا أن ذلك الأمر لا يمنحه أي امتياز؛ بل على العكس ربما كان ذلك هو السبب الأكبر في شقائه، فلربما كانت لهؤلاء التعساء العاملين عند أبيه فرصة للفرار منه والخروج من تحت سطوته، وكم من صبي فر من تحت عباءة أبيه فصار اليوم أسطى كبيرًا، أما هو فما زال ولا أمل له إلا أن يستمر في هذا الجحيم الأبدي وهذا الحصار الذي ضربته عليه الأقدار؛ والسبب الوحيد أن ذلك الشخص هو أبوه.
الساعة الواحدة ظهرًا يأتي أبوه .. رجل ضخم الجثة، طويل القامة، كبير الرأس، يرتدي جلبابًا أسود يتلفح فوقه عباءة صفراء يجرها جرًّا .. عليه أحجبة من الهيبة والوقار .. يتقدم ابنه نحوه .. يقبل يده .. ينفضها كأنما لدغه عقرب!
– وضبت العدة؟
– كله تمام يا حاج.
– اشتغلت في العربية المرسيدس؟
– لا يا حاج، أصل انا …
– أصل انت ابن كلب، غور من وشي، جاتك البلا عيل نحس، روح جيبلي الجوزة أوام.
يمتثل لأمر أبيه؛ الذي يجلس على كرسيه كالأسد؛ يتفرس العمال وكأنه يتربص بأي منهم أن يخطئ حتى ينهال عليه بالضرب والسباب.
بضع دقائق ويأتي إليه المعلم صبحي، رجل أبيض الشعر، قصير القامة، كأنه بالون منتفخ .. يعدو في مشيته كالبطريق .. يتقدم نحوه.
– ازيك يا حاج؟ يحييه.
– زي الزفت! بتذمر.
– ليه كده بس؟ بإشفاق مصطنع.
– الواد عزت ده هايجنني؛ مش فالح في أي حاجة، طب وِدِيني ما انا سايبله حاجه من الميراث، بالك انت أول ما احس اني انا هاموت، هبيع اللي ورايا واللي قدامي وهاشتري بيه حشيش، وهاسيبه ابن الكلب ده هو وامه يشحتو في الموالد.
– ياحاج ما تقولش الكلام ده؛ عزت ما شاء الله عليه راجل وكتفه بكتفك.
يغير مسار الحديث بعد أن اعتدل في جلسته وشد ظهره إلى الوراء:
– المهم، عملتلي إيه في المعرض؟
– الراجل مش عايز ينزل في تمنه، راسه وألف سيف ما ينزلش عن عشر تلاف.
يحك ذقنه في دهاء، ثم يقول:
– طب خليني اقابله.
– بكره ان شاء الله بعد صلاة الجمعة نروحله، وربنا يقدم اللي في الخير.
-2-
في فترة الغداء، يذهب عزت إلى عم إبراهيم بائع الكشري ليشتري منه طبقًا يطمئن به بطنه التي لا تنتظر يومًا قريبًا تمتلئ فيه .. فتظل صابرة على وجبة الكشري هذه طوال اليوم، بينما يأكل أبوه مما لذ وطاب .. العجيب أنه كان لا يغضب من أبيه، وكان راضيًا بحاله تمامًا، رغم كل هذا الظلم الواقع عليه.
بينما هو يأكل إذ يمر عليه صديقه محمد سند؛ لكي يخبره أن جدول امتحانات الثانوية العامة قد عُلِّق وأن الامتحان بعد شهر؛ فيستعد عزت لمضاعفة الجهد للحصول على نجاح يسعده في ظل هذه الحياة المظلمة.
لم يكن أبوه يعرف شيئًا عن أمر تعليمه، كل ما في الأمر أنه اكتفى بحصول ابنه على دبلوم التجارة ولم يطمح بعد ذلك في شيء سوى أن يكون مقيمًا بجواره في الورشة، ولكن عزت كان شابًّا طموحًا لم يكتف بالدبلوم، فعزم على مواصلة تعليمه وأن يذاكر الثانوية العامة؛ للالتحاق بكلية الأداب قسم اللغة العربية حيث إنه كان يكتب الشعر، ويأمل أن ينمي موهبته بالدراسة؛ لتوسد إليه يومًا ما إمارة الشعر؛ إذ لا سبيل إلى مُلْك أبيه!
في منتصف الليل، يعود من عمله منهكًا إلا أنه لا يملك إلا أن يسحب أوراقه وكتبه بقوة وإصرار على إنهاء هذا الوضع المأساوي، يبدأ في المذاكرة .. يجاهد التعب .. يحفظ الدروس ويستوعبها جيدًا .. يعكف عليها كأنه راهب يتعبد في صومعته:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
يغمض عينيه وينصهر في معاني الأبيات .. تتوغل في سائر جسده فتمنحه شحنة من الحماس كان لا بد منها .. تقطع عليه خشوعه طرقات أبيه على باب غرفته التي تنذر بليلة تموج بالكربات.
بصوت مرتفع:
– انت لسه ما اتخمدتش؟
– هنام دلوقتي أهو يابا حاضر.
– انت بتعمل ايه؟
يتوجه صوب الأوراق والكتب في عدم اتزان نظرًا لما يتعاطاه من الحشيش، ثم ينتزعها بقوة ويقطعها بعنف ويصيح فيه بقوة:
– انت جبلة؟! قراية إيه اللي انت بتتنيلها دي يا بأف، يا اخي ركز في شغلك أولى! يمين بالله ما شوفك بتقرا مرة تانية لكون مولع فيك وفي الكتب دي .. كلب!
ينصرف وهو يهمهم بكلام غير مسموع ولا مفهوم مخلفًا وراءه قلب ابنه محطمًا .. ينظر عزت من نافذة البيت إلى القمر وهو يذرف العبرات، ويقول: إلى متى هذا الشقاء؟!
-3-
اليوم هو الجمعة الموافق 15/ 5/ 1968، يتوجه المعلم صبحي مصطحبًا الحاج الغرباوي – أبو عزت – إلى الأستاذ/ إبراهيم النوبي صاحب معرض قطع غيار السيارات الذي تتطلع عين الحاج الغرباوي إلى شرائه.
يدخل الحاج الغرباوي على الرجل بهيبته المعهودة ونظراته الثاقبة الكفيلة بإسقاط خطة الخصم في المراوغة قبل أن تبدأ.
يتقدم الرجل نحوهما .. يستقبلهما بتحية تقليدية وقلب تدق نبضاته ناقوس الحذر .. يبادره:
– خير يا حاج؟
– لو ما كانش خير ما كناش جينا .. أنا عايز المعرض ده. بنبرة فيها إصرار على تحقيق الطلب وإنذار للخصم بحتمية الرضوخ.
– أنا عارضه على 15 ألف. بطريقة مباشرة.
يضحك الحاج الغرباوي:
– ست الاف.
بتعجب وغضب:
– ست الاف ايه يا حاج؟! المعرض الطويل العريض ده عايز تاخده مني بست الاف بس؟ ده أنا والله لولا الظروف ما كنت بعته بالتمن ده خالص!
بهدوء الواثق وبصوت خفيض يرد الحاج الغرباوي بعد أن اعتدل في جلسته:
– شوف يا أستاذ .. انسى ان حد يشتري منك المعرض ده طول ما هو عارف ان الحاج الغرباوي عايزه..
ثم يسترسل في حديثه وبنبرة تهديد وسخرية:
– وبعدين انا عندي صبيان بيحبوني زي امهم واكتر .. وانا ما اضمنش عيل منهم يتهور يولعلك في المعرض ولا يدبك سكينة في كرشك من غير ما اعرف طبعًا .. وساعتها الورثة ان شاء الله برده هايبعولي المعرض بنفس التمن.
يرتجف الرجل ويتصبب عرقًا:
– طب اديني مهلة أفكر.
يرد صارخًا بحسم وهو يضرب بعصاه الأرض:
– ما فيش وقت.
وبطريقة الترغيب والترهيب:
– انت محتاج فلوس بسرعة عشان تخلص وتلحق تسافر .. وبعدين انا ما يرضنيش زعلك .. انت باين عليك راجل أمير وابن أصول .. سبعة ونص اهم ع المكتب .. ونكتب العقد دلوقتي.
يوافق تحت حصار نفسي برع فيه الحاج الغرباوي بعد خبرة طويلة جناها من البيع والشراء والتعامل مع الناس وهيئة دعمت ذلك كله.
استطاع الحاج الغرباوي أن ينتزع المعرض من الرجل بأبخس الأثمان، لا سيما وأن الأستاذ النوبي كان يستعد للسفر سريعًا بعد أحداث الحرب المروعة وهذه الهزيمة الكارثية التي أتت على أحلام المصريين فحطمتها؛ وخشية أن يلتحق ابنه الأكبر بالجيش في هذه الظروف؛ فيفقده إلى الأبد.
يمشي مشية المنتصر الظافر .. يبارك له المعلم صبحي .. ويبادره مطالبًا بحقه في “السمسرة” .. “يبقى لك” .. هكذا كان رده دائمًا عندما يطالبه أحد بحق وكأنها رسالة مسجلة!
يعود إلى بيته مبكرًا ويترك ابنه الوحيد يشقى حتى يقتله الجهد .. يدلل بناته اللواتي يحسِنَّ ترغيبه فيهن وترغبيه عن أخيهن الذي يستكثرون عليه أن يظفر بسهم الأسد في ميراث أبيهم، والأم تشجع بناتها وتحرض الأب دائمًا على ابنها!
-4-
على مائدة العشاء تجلس الأم وبناتها الأربع حول الحاج الغرباوي في جو يملئونه ضحكًا ومداعبة وإطراءً للحاج .. تلك المائدة التي لا يجد عزت له مكانًا فيها – ودائمًا ما كان عزت لا يجد له مكانًا بينهم – ..
الأم: العيد الكبير قرب يا حاج، ابقى خلي عزت ينزل يشتري لنا الخروف عشان نلحق نسمنه.
البنات: آه والنبي يا بابا .. عاوزين نلعب مع الخروف ..
الحاج وهو يقلب عينيه في الطعام ويعتدل طاقيته: ماشي .. ماشي .. سيبوني اطفح بقى يا ولاد الكلب.
الأم: ههههههه .. عسل يا حاج .. ربنا ما يحرمنا منك.

وعلى الجانب الآخر وفي زاوية من البيت يقبع عزت وحده وسط الكتب يمني نفسه: “غدًا أضع قدمي على بداية الطريق .. غدًا أول امتحان لي في الثانوية العامة وهو في مادة اللغة العربية التي أتقنها أكثر من أي شيء .. سنوات من العمل والشقاء وهذه السنة بالذات كان الجهد مضاعفًا .. كنت أجمع بين المذاكرة والعمل مع أبي .. لم أذق طعم النوم .. لكن لا بأس .. غدًا يوم آخر .. سوف أكون وأكون ..”
هكذا قضى ليلته وهو يتمتم بتعاويذه ونبوءاته الحالمة، لكن القدر لم يكن غافلاً عنه .. وكان قد أحكم خطة مضادة يضرب بها كل ما رتب له طوال السنوات الماضية لتسير خطة القدر كما رُسم لها ..
صرخات متتالية .. عويل في منتصف الليل ..
– ما لك يا حاج؟ الأم.
– بابا بابا .. سلامتك يا بابا. تصرخ البنات في فزع.
يهرول عزت مسرعًا .. يسند أباه .. يضع يده على كتفه .. ينفضها الأب في مكابرة وترفع عن أن يساعده أحد .. يكاد أن يسقط .. فيسنده عزت .. يشعر بالعار أنه مريض ولا يقوى على التحرك بنفسه .. يصل إلى السيارة متوكأ على كتف ابنه .. يتركه قليلاً ليفتح الباب .. يستند إلى السيارة ويطالع النوافذ هل يراه أحد من جيرانه في هذا الموقف؛ فلا يرى أحدًا .. ستره الليل .. يعود إليه عزت فيضعه في الأريكة الخلفية ليريحه .. يقود هو السيارة بسرعة شديدة متوجهًا إلى مستشفى السيد جلال بباب الشعرية .. الأب يتأوه .. هذه المرة الأولى التي يسمع فيها صوت تأوهه أو يراه في موقف ضعف ..
– لا تخش يا أبي .. سلامتك. يطمئنه.
– ………………………..
– لقد وصلنا.
يوقف السيارة ويترك أباه داخلها، ويتوجه إلى المستشفى لإحضار سرير متحرك.
– أين الاستقبال؟ يسأل الموظف.
– من هنا. يجيبه.
يتوجه بسرعة ليخبرهم أن ثمة حالة طارئة بالخارج .. يهرولون .. يخرجونه من السيارة ويضعونه على السرير المتحرك .. يسرعون به إلى الداخل .. يدخلون أباه غرفة الكشف ويمنعونه هو من الدخول .. ينتظر في الخارج.
يسند عزت ظهره إلى الحائط ويقف لساعات كأنه صنم لا يتحرك .. تدور في رأسه الذكريات .. كلها ذكريات بائسة .. يتذكر يوم أن طلب من أبيه أن يشتري له حذاء جديدًا بدلًا من حذائه الضيق الذي لبسه لسنوات حتى مزقه نمو رجله فيه؛ فيصفعه على وجهه ويصرخ فيه: – عاوز تلبس وتتعايق يا روح امك .. ما تطوِّل شعرك وامك تضفرهولك مع البنات أحسن .. والله ما انت فالح !! .. يتذكر يوم أن استدعته أمه – وقد زارهم أحد أقارب أبيه – وقد أغلق أبوه عليهما الحجرة، وطلبت منه أن يدخل فيجلس بينهما ويخبرها فيما تحدثا وقد كانت تشك في أن وراء هذه الضيافة سرًّا أو صفقة بيع وشراء؛ حيث إن الحاج لا يعرف أهله إلا إن كان وراء معرفتهم غنيمة ويرى أن في البعد عنهم بعد ذلك غنيمة، والحاج لا يفعل شيئًا لله! .. ويتذكر أيضًا أنه رفض مخافة أن يغضب أبوه فيصب عليه لعناته وركلاته؛ فبصقت على وجهه ولعنته بكل ما يستوجب اللعن .. ولكنه لا يذكر من لعنها الآن شيئًا سوى كلمة واحدة: «عيل ابن حرام!» .. يسأل نفسه: هل صدقت أمي فيما قالت؟ لماذا يعاملونني بهذه القسوة؟ لا أحد في هذا البيت يشعرني بالانتماء لهذا البيت ولا حتى جدرانه وسرائره .. مهما توددت إلى أمي تلعنني .. مهما راضيت أبي لا يبتسم لي .. أخواتي يرونني عائدًا من العمل منهكًا ولا تتطوع إحداهن بتحضير الطعام لي .. لا يبسمون في وجهي .. يتحدثون بعضهن إلى بعض وأنا لا أحد يكلمني .. أبي يزجرني أن أجلس مع البنات حتى لا يلين طبعي .. كنت أتمنى أن يكون لي أخ ذكر أبث إليه همي وشكاتي .. لماذا أنام على الأرض وكأنني خادم في هذا البيت أو بعض متاعه .. ربما لأنني ولد والبيت به حجرتان حجرة للبنات وحجرة لأبي وأمي .. ولكن كان بوسع أبي أن يشتري لي أريكة أنام عليها .. بل كان بوسعه أن يشتري لنا شقة بثلاث حجرات وتكون لي حجرتي الخاصة بي .. ولكن هو يظن أنه لو فعل ذلك فإنه يمعن في تدليلي وربما فسدت .. ربما أبي يعرف أكثر مني هو أكبر مني سنًّا وأكثر حكمة .. أنا متأكد أنه يحبني وأن قسوته هذه مصطنعة .. أذكر يوم أن وجدني يومًا أبكي وأنا ألعب مع الصبية في الشارع وأخذني إلى الكشك وأحضر لي بعض الحلوى وقال لي: تقاسمها مع أختك ثريا! .. نعم؛ وأول يوم عملت معه فيه عندما أمرني أن أحضر له المفك فأحضرت له مفتاح 10، وكان ساعتها (يأخذ اصطباحته) فضحك بصوت مرتفع وقال لي: ضحكتني يا ابن الكلب! .. نعم لقد ضحك لي .. وأمي كانت تلح على أبي دائمًا أن لا يأخذني معه إلى الورشة وكانت تتوسل إليه ألا أعمل هناك خوفًا علي من الشقاء ومن أن يصيبني مكروه! .. نعم إن أمي تشفق عليَّ .. ولكن أبي أصرَّ على ذلك ولا سيما بعد أن غدر به بعض الصبية وسرقوا الإيراد وهربوا؛ فكان لابد له من عين متيقظة هناك وشخص يثق به .. نعم إن أبي يثق بي ..
على الجانب الآخر قضت الأم ليلها في التفكير:
– الآن الآن ينزاح الكابوس، هذا الجاثوم الذي طالما استقر فوق صدري، يبدو أن نهاية الحاج باتت قريبة .. ذلك الصبي الذي استطاع أن يتلاعب بأبي حتى استولى على كل شيء؛ بيته .. أرضه .. وأخيرًا ابنته. كيف أنسى عيني أبي وهو يسوقني إلى هذا المجرم الذي يكبرني بعشرين سنة وأنا لا أزال فتاة لما تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، ويقول لي: سامحيني يا بنتي، أبوك كبر ومش حمل السجن والبهدلة! .. أنا أحيا في مال أبي .. في مالي .. ولكنني أشحذه من هذا النذل!! .. ضاع عمري وسنوات شبابي مع هذا اللعين!! .. أقسم أنني لن أتركه يموت حتى أذيقه من نفس الكأس!
بعد ساعات، يخرج الطبيب من الغرفة جاذبًا (عزت) من يده .. يخبره أن أباه قد تناول جرعة زائدة من الحشيش كادت أن تودي بحياته وأن وضعه الصحي الآن في حالة خطرة؛ نظرًا لأنه يعاني من مشكلات في القلب .. يكتب له ورقة بالأدوية التي عليه أن يحضرها .. يخرج من باب المستشفى ليجد الشمس قد سددت أشعتها إلى عينيه في تحدٍّ غريب .. يتذكر الامتحان .. “مرة أخرى يضيع الحلم .. ضاع أبي وضاع الامتحان .. مزيد من الضياع”! .. يسير في الشوارع باحثًا عن صيدلية .. يجد في طريقه مدرسة وفتية خارجين من الامتحان .. ينحني إلى الأرض ليلتقط إحدى ورقات الامتحان الملقاة .. يقرأ ما فيها من الأسئلة .. “أعرفها كلها .. لو أنني دخلت هذا الامتحان لحصلت على الدرجة النهائية!” .. تتحجر عيناه .. كثرة المصائب وتتابعها تصيب المرء بالتبلد.
يعود بعد أن أحضر الأدوية .. يخبره الطبيب أن أباه سوف يحتجز في المستشفى لثلاثة أيام سوف يخضع خلالهن لرعاية طبية مكثفة .. يدخل إلى الغرفة ليجد أباه ملقى على السرير كالجثة الهامدة .. يؤلمه هذا المشهد .. رغم كل هذه القسوة إلا أنه يكن له حبًّا كبيرًا .. هو أبوه رغم كل شيء .. يقترب منه فيجد عينيه مغرغرتين بالدموع .. ينحني على يديه يقبلها .. يقول له بصوت متقطع:
– سامحني يا ابني .. أنا قسيت عليك كتير .. بس انا كنت عايز أعمل منك راجل.
يجيبه بصوت مرتعش من إجلاله والخوف عليه:
– أبدًا يا أبي .. أنت لم تسئ إلي قط .. ولقد ربيتني أحسن تربية ولم تحرمني من شيء.
كلمات كاذبة، لكنها نبيلة! .. رغم هذا الموقف العصيب إلا أن شعورًا جميلاً قد تسرب إلى نفسه .. هذه أول مرة يشعر فيها بالتقارب بينه وبين أبيه .. يستأذن منه لكي يطمئن أمه وأخواته ويحضر له بعض الملابس التي يحتاج إليها طوال فترة مكوثه في المستشفى.
يركب السيارة ويقودها متوجهًا إلى المنزل .. طوال الطريق يفكر في طريقة يخفف بها وقع الخبر على أمه وأخواته .. وعندما يعود .. تفتح له أخته الكبرى ثريا بوجه جامد ليس فيه أي إيحاء بالقلق أو الحزن! .. حتى إنها لم تسأله عن أبيها! وكأن شيئًا لم يحدث .. يكذب عينيه اللتين رأياها بالأمس وهي تنفطر على أبيها قلقًا .. “ربما كانت نائمة وتوهمتُ وجودها” .. يدخل إلى حجرة أبيه بعد أن سبقته إليها ثريا ليجد بقية أخواته إحسان وأماني وسميرة التي لم تبلغ من العمر سنتين وأمه سكينة يجلسن يشاهدن التلفاز وكأن شيئًا لم يحدث .. ترتسم على وجهه علامة تعجب كبيرة .. يخرج إلى الصالة .. يجتر كرسيًّا ويمكث للحظات صامتًا مشبكًا يديه مطأطئًا رأسه .. تمر عليه أمه وتسأله في برود:
– “الحاج ماله؟!” بنبرة فيها كراهية تمزجها بالسخرية.
.. يجيبها في دهشة وذهول:
– الحمد لله يا أم .. لا تقلقي هو بخير .. أنا حضرت الآن فقط لجلب بعض الملابس له؛ لأنه سوف يبيت في المستشفى ليلة أو ليلتين زيادة في الاطمئنان فقط عليه.
تجيبه ببرود مرة أخرى:
– “طيب .. خذ الهدوم .. وخليك معاه لغاية ما تجيبه .. وابقى طمنا عليه”.
تلقي كلمتها وتنصرف إلى المطبخ.
وفي الحقيقة لم يكن يمثل الحاج الغرباوي إليهم إلا حافظة نقود لا أكثر.
يعود إلى أبيه ومعه بعض الملابس والعصائر .. يبدل له ملابسه .. يسقيه بعض العصائر ويطعمه قطعة دجاج كانت المستشفى قد صرفتها له كوجبة .. يسأله بنظرة حادة:
– أمك فين؟ ما جتش ليه؟
يتفاجأ من السؤال .. يجيبه:
– والله يا ابا دي مقطعة نفسها من العياط عشانك، وكان راسها وألف سيف انها تنزل معايا .. بس انا أصريت انها تفضل مع اخواتي البنات عشان متسبهمش لوحدهم خصوصًا سميرة الصغيرة.
حجة غير مقنعة، لكنها أفضل من لا شيء!
-5-
تمر الأيام سراعًا ويخرج الأب من المستشفى في صحبة ابنه .. وابنه فقط! .. يعود إلى المنزل ليجد مقابلة باردة من زوجته .. كلمة واحدة:
– “حمد الله على سلامتك يا حاج، ما لك مهدود كده ليه؟ انت جرى لك إيه ما انت كنت زي الوحش؟”
كلمات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب .. إنها لا تواسيه بل تزيد من حسراته .. يسكت الحاج الذي يبدو أنه يستعد لأيام طوال من الصمت المهين، ويتكهن بمزيد من الحسرات في الأيام المقبلة، ويستسلم لذلك محتسبًا إياها تكفيرًا عن خطايا كثيرة ارتكبها طيلة حياته، أو كانت هذه حيلة نفسية يبرر بها عجزه عن الرد لا سيما وأنه أصبح لا يقوى على التحرك أكثر من خطوتين، وزوجته هي الوحيدة التي تعرف مكان الحشيش وهي التي تملك الآن أن تمنحه له أو تمنعه عنه.
أيام سوداء .. تبدلت الأحوال .. صار يجتر العطف منهم بعد أن كان الجميع في خدمته .. أمست سكينة هي صاحبة الأمر والنهي .. الحاج الذي كان من أبنائه بموضع البيت الحرام من العرب صار مذمومًا منبوذًا من الجميع إلا ابنه عزت الذي استمر على احترامه وطاعته لأبيه رغم أنه أكثر إنسان وقع عليه الظلم من هذا الرجل، ورغم أن أمه وأخواته كن أكثر المستفيدات منه .. غريب أمر هذه الدنيا!
يتابع عزت عمله في الورشة كما كان أيام أبيه، صارت له كلمة بعد أن كان لا شيء، لكن حالته المادية ظلت كما هي .. يذهب إلى عربة الكشري فترة الراحة .. يطلب من عم إبراهيم طبقًا بسرعة، وبينما هو يأكل إذ يجد ظلاًّ أمامه .. ينظر خلفه فإذا صديقه سند:
– لماذا تخلفت عن الامتحان يا عزت؟ يسأله.
يتنهد بقوة ثم يزفر زفرة يريد أن يحرق بها كل من حوله.
– يبدو أن الله لم يكتب لي أن أصير شيئًا ذا قيمة!
– استغفر ربك يا عزت، ما هذا الذي تقول؟!
– أستغفر الله العظيم، أنا لا أعترض ولكن المطعون ليس كالمشاهد.
– اصبر يا عزت، إن الله يختبرك فلا تيأس، وعليك أن تدخل امتحانات التخلف، أو انتظر إلى السنة القادمة وسوف تجد المذاكرة فيها أيسر من ذي قبل فالمناهج هي هي، ولن يغلقوا باب التعليم في وجهك.
– الله أعلم بما سيكون..
يستشعر منه أن لا فائدة من مواساته فيستأذنه وينصرف .. يتابعه الآخر بعينين ملؤهما التعاسة واليأس، يود لو أنه يموت إذا لم يكن بعد هذا العسر يسر، ثم يعود فينخرط في العمل إلى المساء.
تمكن العجز والمرض من الحاج وأيس الجميع من شفائه، فبدأت المرأة الداهية تخطط للاستئثار بكل ما له لنفسها والقضاء عليه في ضربة واحدة، فبدأت تضع له الأفيون في القهوة على أنه حشيش حتى أدمنه، ثم بدأت تمنعه عنه حتى إنه انكب على يدها ذات ليلة يقبلها فأبت إلا أن يكتب لها كل شيء يملكه، ففعل!
“الآن لم يعد لك أيها الحاج أية قيمة؛ ولقد أنجزت ما عليك ولم يبق إلا أن تموت” .. هكذا بدأت تسيطر عليها هذه الفكرة فأخذت تهمل في علاجه .. وتقدم له كل ما يمنعه الأطباء عنه .. وتسيء معاملته .. وتزيد له في جرعات الأفيون حتى قتلته!
مات الحاج الغرباوي وسقطت هذه الأسطورة من ذاكرة العائلة إلى الأبد .. ولم تبقَ إلا عقبة يسيرة يمكن بعدها أن تستمتع سكينة بكل هذه الأموال .. هذه العقبة هي ابنها عزت! .. سنوات الحرمان والقسوة والخوف التي عاشتها في بيت الغرباوي قتلت فيها كل المشاعر والغرائز حتى غريزة الأمومة .. وما كانت لتقنع بشيء سوى المال .. ذلك المارد الذي يستطيع أن يحقق لها كل ما تصبو إليه ويدفع عنها كل ما يتهددها من أخطار ..
بعد أيام من الوفاة، تبدأ الأم في ترتيب أمورها لتبيع كل الورش والمعرض وجميع ممتلكات الحاج دون علم ابنها، ولكن كيف وهو واقف في الورش والمعرض لا يكاد يغادرهما؟ لا بد من طريقة لإزاحة عزت عن الورش بعض الوقت، لا بل وعن البيت أيضًا.
بدأت سكينة تفكر في تزويج ابنها، ورأت أنها بهذه الطريقة سوف تتمكن من إبعاده عن مسرح الأحداث لفترة مناسبة؛ تأمن خلالها على سرية الخطة ألا تنكشف حتى يُقضى الأمر.
تمر أشهر أربعة على وفاة الحاج وعزت يمارس عمله كما كان من قبل إلا أنه صار هو الأسطى وصاحب الورش الآن وإن كان لا يدري أن هذا الوضع مؤقت، الأموال كلها مع أمه؛ منها وإليها تخرج النفقات والإيرادات وتعود.
تبدأ سكينة في اتخاذ خطوة فعلية في تنفيذ خطة الإبعاد، ووجدت ضالتها في أميمة التي تسكن في البيت المجاور لهم؛ وهي بنت الأستاذ جابر – عامل البريد – رحمه الله؛ حيث علمت أن أميمة ترفض أن تتزوج من أحد إلا أن يقبل أن تعيش أمها خديجة معهما؛ لا سيما بعد أن مات أبوها وتزوج أخوها، فلا يمكن أن تتركها وحيدة أبدًا .. ورأت سكينة أن هذا صيد ثمين وزواج بلا ثمن؛ حيث إن ابنها سوف يسكن مع حماته في شقتها وهي مفروشة، ولن يكلفها الأمر سوى أثاث غرفة نوم وشبكة ومهر سوف تساوم على قدرهما فيما بعد.
وبالفعل، تمت الخطبة والزواج سريعًا حيث كان الطرفان متوافقين؛ ولربما كاد هذا المشروع أن يفشل مرات ومرات بسبب المضايقات التي تعرضت لها المرأتان من قبل سكينة، إلا أن علمهما بأخلاق عزت ورغبتهما في رجل شهم مثله يكون عونًا لامرأتين ضعيفتين وحماية لهما من نفوس الناس وألسنتهم دفعهم إلى التغاضي عن هذه المضايقات.
شهر من العسل .. وزوجة صالحة .. ربما كانت هذه هي الفترة الوحيدة في حياته التي ذاق فيها طعم الراحة والسعادة والطمأنينة والدفأ الأسري .. معانٍ لم يعهدها في بيت أبيه بين أمه وإخوته .. عرفها في أحضان هذه الزوجة الطيبة وأمها الرؤوم.
وبعد أن مضى الشهر بحلاوته، عاد عزت ليمارس عمله في ورشة أبيه مرة أخرى .. ينزل إلى الشارع ليتنسم نسمات الصباح وكله إقبال على الحياة .. يترجل كما اعتاد دائمًا ربما أنه لا يلهث كما مضى خشية أن يتأخر على الورشة فيعرف أبيه من جواسيسه الذين كان يزرعهم في الورشة إلا أنه لا يزال لا يملك القروش التي يدفع بها تذكرة الترام أو الأتوبيس الذي يحمله عزيزًا كريمًا إلى ورشته.
يصل إلى الورشة مبكرًا؛ فيجد محروسًا – أحد العاملين في ورشة أبيه – واقفًا يباشر العمال؛ فيسأله عزت عن أخبار العمل فلا يجيبه .. فيصيح فيه بقوة:
– انا مش بكلمك؟
فيهدئه محروس ويدعوه إلى الجلوس بنبرة أخرى غير التي عهدها منه في السابق:
– اقعد يا اسطى عزت؛ الله يهدينا ويهديك.
ثم ينادي أحد الصبية العاملين في الورشة ليحضر لهما شايًا .. يستشعر عزت شيئًا غريبًا .. ثم يقول له محروس وقد وضع رجلاً على رجل:
– شوف يا اسطى عزت! أمك باعت وانا اشتريت.
فيسأله في ذهول:
– باعت ايه واشتريت ايه؟
فيهم محروس واقفًا ويشيح بيده ويرفع صوته:
– باعت الورشة دي وانا اشتريتها منها .. فيه حاجة تانية؟!
ينصرف وكأنه في كابوس مريع .. يتبلور في أعماقه .. يحصد شكوكه ومخاوفه .. لا يرى أحدًا من الناس في الطريق ولا يسمع أصواتًا وكأنه سقط في عالم برزخي .. يتوجه مسرعًا إلى بيت أمه وقد تملكه الغضب .. يطرق الباب بقوة .. فتفتح له أمه وتنظر له نظرة المتوقع الخبير بسبب مجيئه.
– سلامه عليكو يا امه.
بصوت ماكر:
– ازيك يا حبيبي؟ اتفضل.
يدخلان الصالون وتتراص الأخوات الأربعة كفرقة كورال تستعد لأداء دورها .. يسلم على أخواته فلا يرددن السلام.
– انتي بعتي الورش يا امه؟ بطريقة مباشرة.
تضحك ضحكة صفراء وتقول له:
– آه بعتها، أمال كنت هسدد الديون اللي على ابوك وهاصرف على اخواتك منين، بالذات بعدما رحت تتجوز وسبتني انا واخواتك اليتامى دول؟!
يرد عليها في تعجب شديد:
– ديون ايه ده يا امه؟ وما قلتليش ليه وانا كنت اتصرف؟
ترد عليه في سخرية وتهكم:
– تتصرف منين يا عين امك .. هو انت حيلتك حاجة؟ ولا انت عايز تاخد الفلوس وتتمتع بيها وتسيبلي اخواتك البنات دوله أشحت بيهم في الموالد؟!
تحرجه .. فيتلعثم .. تتبع طريقة “الهجوم غير وسيلة للدفاع” .. تزيد من توبيخه:
– عيب عليك تيجي تسأل عن الفلوس بدل ما تسأل على اخواتك؟
ينصرف محرجًا:
– سلام يا امه. عزت.
– بالسلامة. سكينة
– شرفت. ثريا
يعود إلى زوجته منكس الرأس؛ فتسأله عن السبب الذي عاد به إلى البيت مبكرًا، فلا يقوى على الرد .. لا تلح عليه في السؤال .. تساعده في تغيير ملابسه كزوجة مطيعة وتحضر له الطعام .. يتناولون الطعام وتلاحظ خديجة أمارات الهم تظهر على وجه زوج ابنتها .. تشير على ابنتها أن تدخل به غرفتهما وترى ماذا به فلربما كان شيئًا لا يستطيع الإفصاح عنه أمامها .. تستجيب أميمة وتأخذ زوجها إلى غرفتهما بعد أن صنعت لهما شايًا، ثم تسأله بعطف وهي تمسح على رأسه:
– مالك يا عزت؟ فيه حاجة مضايقاك؟
يحكي لها ما حدث؛ فتفهم ما لا يفهمه؛ تفهم أن أمه قد خدعته واستولت على كل شيء؛ فتقول له:
– لا بأس .. إن كانت قد سرقت حقك .. فحسبنا الله ونعم الوكيل فيها.
فيرد عليها في غضب:
– ما هذا؟ إنها باعت أملاك أبي مضطرة لتسدد الديون التي كانت عليه.
فتقول له في استنكار شديد:
– أوتصدق هذا؟ لقد كنت تعمل عند أبيك؛ فهل وجدت من أحد يطالبه بدين؟
– ……………………………………………………………
– سلها إذن، من هؤلاء الرجال الذين كانوا يدينون أباك، وسددت لهم الأموال؟
– ……………………………………………………………
– ثم كيف باعت هذه التركة وهي ملك لكم جميعًا أم أنها زورت في أوراق رسمية؟
– …………………………………………………………….
لحظات من الصمت، ثم يقول لها:
– المهم الآن، أنا لم يعد لدي عمل، ويستحيل أن أترك لأمك مهمة الإنفاق علينا، وأنا رجل البيت، وكل أصحاب الورش الآن إما كانوا قرناء لأبي ولكنهم كانوا يبغضونه وبالتالي سوف يرفضون مساعدتي، وإما كانوا صبيانًا عند أبي وصاروا أسطوات فلو قبلوا هم أن أعمل عندهم رغم ما فعله فيهم أبي فأنا لن أقبل أن أعمل عندهم وقد كانوا يعملون عندي.
– يؤذيك حيًّا وميتًا! تهمهم.
ثم ترفع صوتها قليلاً استعدادًا لإلقاء بيان هام ربما يهون عليه بعض ما به:
– إذن، فما العمل؟ لا سيما وأنت الآن أصبحت أبًا؟
يسكت لحظات .. لم يستوعب ما قيل نظرًا لانشغاله بمصائبه .. يفيق:
– ماذا؟! في ذهول.
– ذهبت إلى الطبيب وأخبرني أنني حامل في شهر؛ أي منذ ليلة زفافنا.
لا يدري أيفرح أم يحزن .. فهذا الطفل لا يدري من أين ينفق عليه، وبقلب المؤمن يترك الأمور كلها لله؛ فيحمد الله على كل حال ويستبشر بالمستقبل.
-6-
تمر به الأيام عصيبة، ولا تنبئ الأحداث عن خير قريب .. وضعه يزداد سوءًا ويشعر أنه عالة على امرأة .. إنه لا يجد ما ينفقه على البيت .. وحماته هي التي تتولى مسؤولية الإنفاق من معاش زوجها الذي تتقاضاه.
بالرغم من أنها احتضنته كأنها أمه – بل هي أفضل من أمه التي تركته نهبًا لحوادث الزمان ولم تسأل عنه – إلا أنه كرجل نبيل لم يكن ليرضى لهذا الوضع أن يستمر؛ فنزل إلى المعلم صبحي ليطلب منه أن يجد له عملاً عنده في وكالته التي يبيع فيها الخردوات، وبعد أن شرح له ظروفه وافق الرجل على طلبه إكرامًا له لا لأبيه الذي مات ولم يعطه حقه.
وفي وكالة الحاج صبحي، عاش عزت أيامًا سوداء لا لأنه كان يعمل عملاً شاقًّا بأجر زهيد فحسب؛ فهذا الأمر قد اعتاد عليه منذ كان يعمل في ورشة أبيه، ولكنه كان يشعر دائمًا أنه يعمل عند غيره بعد أن كان صاحب ملك، وإن كان وضعه هذا في ورشة أبيه كان وضعًا صوريًّا فقط إلا أنه كان يكسبه احترامًا بين العمال، أما الآن فقد صار واحدًا منهم بل ربما صار في وضع أسوأ منهم؛ فانتسابه إلى أب كان متسلطًا يسومهم سوء العذاب وإحساسهم بأنه أفضل منهم حيث كان متعلمًا وكان أبوه غنيًّا دفعهم الغيرة منه والحقد عليه والتفكير الدائب في مضايقته والانتقام منه، وحاجته الماسة إلى العمل دفعته إلى الصبر على هذه المضايقات.
ولكن عمله عند المعلم صبحي لم يكد يستمر أكثر من ثلاثة شهور، بعدها اشتعل شجار بينه وبين أحد العمال في الوكالة عندما تهكم على أبيه الذي وصفه بأنه كان يصرخ في الناس كالأسد ويتذلل إلى زوجته كالكلب أن تمنحه نفحة من الأفيون! فلم يتمالك عزت إلا أن صفعه على وجهه فطرحه على الأرض وانكب عليه يسدد إليه لكمات متتالية كادت أن تودي بحياته لولا تدخل المعلم صبحي والعاملين في الوكالة، بعدها طلب المعلم صبحي من عزت أن يغادر الوكالة فورًا لأنه يثير المشاكل!
عود على بدء، وأيام أخرى من البطالة يزيد من وقعها على نفسه الشائعات التي أثارتها أمه عن سرقته لحق أخواته وعن إقلاعه عن الإنفاق عنها، يأتي إليه رجال الحي في موعد حدده معه الشيخ بدر الدين الصوفي إمام مسجد المنطقة بعد صلاة العشاء، يواجهونه:
– أمك تشتكي منك يا عزت لأنك لا تنفق عليها، وهذا لا يرضي الله ورسوله. (الشيخ بدر الدين في صوت هادئ).
– وماذا أفعل إذا كنت أنا نفسي لا أملك شيئًا من المال؟! (بصوت يتحشرج).
– ما هذا الكلام الذي تقوله يا عزت؟! وأين إيراد الورش والمعرض؟! أين تنفق هذه الأموال؟! (الأستاذ لطفي جار أمه في نبرة فيها استنكار).
– عن أي ورش تتحدثون؟ لقد باعت أمي الورش، وأنا الآن عاطل عن العمل، ولولا هذه المرأة التي احتضنتني كابنها لسرت في الشوارع أتكفف الناس! (بنبرة فيها شعور بالصدمة والألم)
يتبادل الحضور النظر إلى بعضهم بدهشة، ثم يقول له الشيخ بدر الدين:
– انظر يا بني، الله أعلم بما بينك وبين أمك، ولكن أنصحك بأن تبرها بنفسك ومالك حتى لا يغضب الله عليك.
يستأذنون للانصراف، وينصرف هو إلى غرفته يشكو إلى الله همه، ويقول لزوجته في براءته المعهودة:
– تعلمين أنه لا ذنب لي، ربما تكون أمي في ضيق، ولكن ماذا أفعل وأنا لا أملك شيئًا؟
تثور عليه زوجته:
– أما تفيق أبدًا؟! لقد سرقتك أمك وها هي الآن تشيع في الناس أنك سرقتها قبل أن تسبقها أنت إلى ذلك الاتهام.
ينظر إلى زوجته في غضب، ويقول لها في حدة:
– كيف تقولين عن أمي هذا الكلام؟ كيف تتهمينها بالسرقة؟
تعتذر له:
– أنا آسفة، ولكنني أود أن أنبهك..
تقطع الحديث في هذا الموضوع الذي يضير الحديث فيه أكثر مما ينفع، ثم تسترسل:
– المهم لا بد أن تبحث الآن عن عمل ينقذنا من هذه الأزمة.
– سأفعل، والله المستعان.
في الصباح، تقبل عليه الحاجة خديجة ووجهها يضيء بالسرور:
– أبشر يا بني، لقد وجدت لك عملاً.
– صحيح؟ بارك الله فيك يا أمي. ينكب على يدها ليقبلها.
– لقد كلمت الأستاذ لطفي جار أمك وقد كان صديقًا لزوجي .. قابلته صباح اليوم عند عربة الفول وأنا أحضر لكم طعام الإفطار وكلمته بشأنك، وقد أخبرني أن ثمة رجل أعمال غنيًّا اسمه صفوت الديب يريد سائقًا يعمل عنده، وسوف يعطيك مائتي جنيه في الشهر.
تعود ملامحه إلى التقلص، ويهمهم:
– سائق يعني خدامًا .. مزيد من الهوان والسقوط .. أهذا هو الغد المشرق الذي كنت أؤمله لنفسي؟!
لكنه يستجيب على كل حال؛ إذ لا يمكن له أن يثقل على هذه المرأة أكثر من هذا، يرى كأي رجل حر أن هوانه في عمل شريف يكتسب منه رزقًا حلالاً خير له من عيشه عالة على امرأة.
-7-
يتسلم عمله عند الأستاذ صفوت الديب، وهو يملك مجموعة شركات «اللوتس» السياحية الضخمة .. في الصباح يتقدم مهرولاً نحو باب السيارة الخلفي ليفتحه له .. يتعلم الانحناء .. يقود السيارة ساكنًا وداخله يهتز .. يغلي كالمرجل، يدور في ذهنه شريط سنيمائي يعرض له لقطات متنوعة من فيلم حياته .. لحظة سقوطه وهو طفل صغير من على الحمار الذي كان يركبه في الغربية عند زيارة أهله مع أبيه .. أبوه وهو يلطمه عندما رآه يقرأ في إحدى الجرائد .. أبوه وهو يدخل من باب الشقة يترنح من فعل الحشيش الذي يتعاطاه .. كنسه لشارع الظاهر بيديه والمارة يتندرون عليه؛ إذ حكم أبوه عليه بذلك من دون سبب .. موت أبيه .. محروس وهو يخبره أن أمه باعته ورشة أبيه وأنه لم يعد يملك شيئًا.
يقطع عليه فكره صوت الأستاذ صفوت:
– هنا.
يقف .. ينزل من السيارة مهرولاً .. يفتح له الباب الخلفي .. ينزل منها الأستاذ صفوت وهو يغلق أزرار بدلته في وقار ..
– عزت، أنا هادخل الفندق دلوقتي .. لو عاوز تتغدى روح وتعال كمان ساعتين.
– أمرك يا افندم.
يوقف السيارة وينزل منها يترجل إلى أن يصل إلى النيل .. يقف قليلاً ليستمتع بهذا المشهد الجميل .. منذ متى وهو لم يرَ الطبيعة الجميلة هذه .. يقع نظره على صبي بجواره يذاكر دروسه .. يغمض عينيه بقوة وكأن خنجرًا قد غرس في قلبه .. يتذكر حلم التعليم الذي ضاع إلى الأبد .. يعود فيصبر نفسه: “أولادي سوف يعوضونني .. سأراهم مهندسين وأطباء”.
يعود في الوقت المحدد ينتظر ساعة أخرى في حر الظهيرة حتى كادت الشمس أن تحرقه، وبعد فترة ينزل إليه من الفندق .. يوصله إلى بيته ..
– عملك انتهى اليوم يا عزت .. أرسل السيارة إلى الجراج، وتأتيني غدًا في نفس الموعد. يأمره.
– حسنًا يا سيدي. يجيبه.
يعود إلى بيته فتفتح له حماته.
– أهلاً يا بني. بصوت غريب.
– أين أميمة؟ يسألها في قلق.
– لقد وضعت ولدًا. مبارك يا بني.
– كيف؟ إنها لا تزال في شهرها السابع!
– أمر الله، يا ابني.
يدخل عليها الغرفة، وبرقة يسألها على سلامتها فتطمئنه .. يقبل رأسها ويحمل الطفل فينقبض .. يشعر بشيء غريب فيه .. إنه ضئيل الحجم كبير الرأس .. يخبرها أنه لا بد من الذهاب إلى طبيب للاطمئنان على صحة الطفل ووزنه، فترد بأنه لا داعي للتبذير؛ وأن الولد بخير؛ فيصر على ذلك.
يتوالى الجميع في الحضور .. الأهل والجيران .. ثم تأتي أم عزت .. تدخل من باب الشقة؛ فتفتح لها الحاجة خديجة:
– السلام عليكم. بوجه متجهم.
– وعليكم السلام، تفضلي. بتعجب.
تدخل على أميمة الغرفة .. يفسح لها الحاضرون .. ويهرول إليها عزت يقبل يدها .. تجلس بجوار أميمة ولا تكلمها بكلمة ثم تحمل المولود، وتقول في جفاء:
– ليس جميلاً!!
تتبرم أميمة وأمها ولكنهما يكتمان غيظهما من أجل عزت، فيبادرها عزت:
– “إنه لا يزال صغيرًا يا أمي”.
– وماذا سميتموه؟ تسأل سكينة.
– عاصم. تجيب أميمة.
– أنت التي اختارت الاسم أم عزت؟ تسأل أميمة في استنكار.
– أنا اخترته وعزت وافق.
تمص شفتيها وترجع الكلام في سخرية: «أنا اخترته وعزت وافق!!» ثم تأمر ابنها أن يصطحبها إلى غرفة في الشقة ليجلسا على انفراد .. يفعل .. وفي الغرفة تطلب منه أن يمنحها “فلوس النقطة” حتى تسدد هي عنه ديون فرحه من بذلة وفستان زفاف وما إلى ذلك من أشياء استأجروها ولم يسددوا ثمنها! فيستجيب، ويخبرها أنه سوف يقسم راتبه بينه وبينها نصفين حتى تنفق على أخواته؛ فلا تبدي اهتمامًا، ثم تستأذن للانصراف.
يمر الشهر سريعًا، ويتقاضى عزت راتبه المائتي جنيه، راتب لم يتقاضه في ورشة أبيه، يفرح كثيرًا .. يأخذ النقود ويتوجه إلى أمه أولاً .. يطمئن على أخواته ويجالسهن ويداعبهن، ثم يمنح أمه المائة جنيه، وتخبره أمه أن رجلاً تقدم لخطبة أخته الكبرى ثريا وأنه يملك سلسلة محلات لبيع الملابس في مصر الجديدة وهو غني جدًّا ولن يكلفهم شيئًا، بل سيتولى وحده تكاليف الزواج جميعًا وسوف يدفع مهرًا خمسة آلاف جنيه، وتطلب منه أن يأتي يوم الخميس لمقابلته؛ فيتسجيب.
يعود إلى بيته حاملاً كيسين من الفاكهة .. يدخل على زوجته فيقبلها من رأسها ويخبرها أنه تقاضى راتبه .. يعطي حماته ستين جنيهًا ويخبرها أن هذه هي شهريتها، ويعلم أميمة أنهما سوف يذهبان الليلة إلى الطبيب للاطمئنان على صحة عاصم.
وفي المساء، توجها إلى عيادة أحد الأطباء المشهورين في المنطقة، وبعد الكشف على عاصم تبين أن عنده ضمورًا في عقله .. يشعر وكأن مطرقة سقطت فوق رأسه .. “ما هذا؟! لا بد أن الله غاضب علي .. أستغفر الله العظيم .. إنا لله وإنا إليه راجعون” .. تلطم زوجته وتنتحب .. يطلب منهما الطبيب أن يتماسكا ويذكرهما أنه يوجد كثير من الأطفال مثله وأنهما لا زالا صغيرين ويستطيعان إنجاب غيره.
ينصرفان من العيادة مذهولين .. تدور برأسهما أفكار كثيرة .. كيف لهذا الطفل أن يعيش؟ كيف يتزوج؟ إن حياته قد قضي عليها بالانتهاء قبل أن تبدأ، وإنه لن يكون إلا شقاء لنفسه ولهما .. يفكر عزت لو أنه قتل هذا الطفل وتخلص منه “لا أعتقد أن يكون ذلك إثمًا .. الإثم أن أتركه يحيا في هذه الحياة المظلمة .. أن يضيع فيها .. أن يتعذب .. يبدو أن العذاب ميراثي أنا وذريتي”.
في الطريق، يقابلهما الشيخ بدر الدين الصوفي إمام مسجد المنطقة، يلقي عليهما السلام .. لا يسمعانه فلا يجيبان، يقرأ آيات الحزن على وجوههما .. يستوقفهما.
– ما لكما؟ يسأل.
– ابننا هذا أخبرنا الطبيب أنه متخلف عقليًّا. يجيبه حزينًا.
– أبشرا. يرد.
– ماذا؟! يتعجبان.
– ألم يقل الله تعالى: “وبشر الصابرين”، هذه هدية الله إليكما فاقبلاها، ثم إن الله لا يبتلي من عباده إلا الأخيار، وعسى أن يرزقكم الله بهذا الولد رزقًا واسعًا.
– ولكننا نخشى عليه يا مولانا. تقول أميمة.
– استغفرا الله، إن الذي خلقه لأقدر على رعايته ورزقه.
ثم يتناول منهما الولد ويضع يده على رأسه ويرقيه بكلمات، ثم يعيده إليهما ويدعو الله له ولهما وينصرف وقد أجلى عنهما كثيرًا من الكرب الذي يحملان.

Share Button

تعليقات

تعليقات

همسه 2015/03/31 7:49م تعليق 0 471

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*