مسابقة القصة

الطريق إلى بغداد .(ملخص ) مسابقة الرواية بقلم / محمد نجيب مطر . مصر


قسم الرواية
محمد نجيب مطر – مصر
الطريق إلى بغداد
دخل محاضر جديد طويل القامة، شامخ الأنف، مرفوع الرأس، ترى في عينيه فطنة وعلى وجنتيه سمرة النيل الجميل، عرف نفسه بأنه الدكتور يحيى المشد .
عمل في النرويج عدة سنوات تلقى بعدها عروض لمنحه الجنسية، وفي أحد الندوات المفتوحة تكلم عن القضية الفلسطينية، وكانت تلك الخطبة سبباً في بداية تعقب خطواته، فقرر العودة إلى القاهرة للعمل في كلية الهندسة بالإسكندرية، بعد حضوره مؤتمراً علمياً في بغداد طلبت الجامعة التكنولوجية إعارته لمدة أربع سنوات، بعدها تمسك به المسئولون فلم يطلب سوى العمل في مؤسسة الطاقة النووية العراقية.
ارتسم الاهتمام الشديد على وجه ياسر وهو يرى أستاذه الذي قرأ معظم أبحاثه ومقالاته في الجامعة، والذي يكن له كل الاحترام والتبجيل، ما أشد تواضعه وهو يحكي عن نفسه وما أروعه وهو يتحدث عن الذرة والطاقة النووية.
تحسب أنه عاشق يذوب عشقاَ في حبيبته، يتحدث عن نواة الذرة بلغة عربية بسيطة ومفهومه تحس معها أنه يجلس داخل النواة ويشهد انقسامها وتفاعلاتها، وينقل إليك أخبار ما يراه أول بأول.
إنه من الشخصيات الأسطورية التي لا تملك إلا أن تحبها وتعشق تفانيها لخدمة تخصصها، فلم يكن من النوعية المتقوقعة داخل علمه، بل كان يحمل في صدره هموم أمته، وكان يرى في التخلف التقني في الطاقة النووية وصمة عار في جبين مصر والعرب.
رأى المشد الفرصة سانحة لتحقيق الحلم بامتلاك التقنية النووية في العراق، فالعراق تمتلك ثروة طبيعية من الماء ومن النفط، وتمتلك الموارد المادية اللازمة للإنفاق على هذا الحلم المكلف، وتتوفر لديها الإرادة السياسية للدخول في هذا التحدي.
تلك الأفكار التي كانت تراود ياسر أثناء استمتاعه بمحاضرة المشد متابعة المحب للحبيب، رفع أحد المتدربين يده طالباً الكلمة، ولما أشار الدكتور المشد له سأله في صرامة وكانت لهجته تشير إلى ربما يكون فلسطينياً
الفلسطيني: أنت تعلم أن الغرب وإسرائيل لن تتوانى عن التخلص منك كما تخلصت من غيرك، وأنهم فعلوها من قبل وسيفعلونها معك وربما مع معاونيك ومعنا.
ابتسم الدكتور المشد وقال في ثقة: كرب متوقع أو مصيبة مؤكدة، هل تؤثر فينا التهديدات إلى الدرجة التي تجعلنا نجلس في بيوتنا كالنساء، رغم أن النساء لا يجلسن الآن في بيوتهن، ونظر إلى إحدى الحاضرات وابتسم فضحك الجميع.
هل نجلس في ركن بعيد ونضع أيدينا على خدودنا ونبكي من قضى نحبه ونبكي على من ينتظر، أظن أن العربي بطبيعته لا يرضى بالذل ولو كانت حياته ثمناُ لرفضه، سندخل الدائرة المحرمة و متأكدون أننا لن نخرج منها سالمين، ولكن هل يعني ذلك أن حياتنا رهناً لهم، إن حياتنا بيد خالقنا وإن نجحوا وانتهينا فذلك قدر الله وهم أدوات لتنفيذ مشيئته.
يكفينا أن نكون النموذج الذي يمكن أن يكون حافزاً للآخرين، الأمة كبيرة ومليئة بالإمكانيات المادية والعلمية والعسكرية ولن تخيفها التهديدات، سنحاول أن نتقدم وهم سيحاولون أن يوقفونا، وسينجح منا من لديه الإصرار والقدرة على التحمل.
رفع كمال يده فأعطاه الدكتور الكلمة
كمال: لقد نالوا من سميرة موسى رغم أنها لم تتكلم عن قنبلة نووية، إنها فقط تحدثت أو توصلت إلى بعض الحقائق النووية لم تكن تشكل خطورة على أحد .
المشد: المشكلة بالنسبة لهم ليست في الطاقة النووية وإنما هي في وصول العرب إلى التقنية في أي مجال وفي أي علم حتى لو كان الطب، أي نوع من التقنية يبزغ فيها فجر العرب يمثل بالنسبة إليهم تهديداً، وأد الحضارة العربية هدفهم، وأي محاولة للنهوض العلمي والتقني ستكون هدفاً لهم، لا يكتفون بقتل العالم بل يشوهونه فسميرة موسى قالوا عنها إنها كانت على علاقة عاطفية بسائقها الهندي لينالوا من شرفها مثلما نالوا من حياتها.
ياسر : في أبحاث سميرة موسى كان هناك ما يشير إلى اقترابها من استحداث تقنية جديدة تمكنها من تفتيت العناصر الرخيصة مثل النحاس إلى عناصر أقل في الوزن الذري وبالتالي الحصول على الطاقة النووية من غير المواد الانشطارية.
المشد: نعم ولكن المحاولات في هذا الاتجاه لم تثمر عن شئ وخصوصاً أنها لم تترك أوراقاً أو أبحاثاً تشرح لنتائج التي توصلت إليها.
ياسر: ولكن هناك من أكمل دراسات سميرة موسى وأجرى التجارب ودون النتائج وصادف بعض النجاح.
المشد: هل تقصد أبحاث الدكتور عمر الخشاب في جامعة الإسكندرية؟
ياسر: نعم يا سيدي بالضبط .
المشد: ولكن أبحاث عمر الخشاب كان يشوبها الغموض واختفت هي الأخرى وتوفى أيضاً في ظروف مريبة وضاعت جهوده مع ضياع أوراقه.
ياسر: لا يا سيدي أوراق الدكتور عمر الخشاب محفوظة في مكان أمين ومدون فيها بحرفية كل شئ.
المشد: هل تعني أنك تعرف مكان تلك الأوراق.
تلفت ياسر حوله في تردد وخوف فشجعه المشد : تكلم في حرية فكل من هنا منا، وكلنا في مركب واحد والجميع مراقبون وما يصدر في هذه القاعة لن يخرج عنها.
ياسر: هذه الأوراق معي سلمها لي الدكتور خلسة أثناء مناقشة المشروع في نفس الأسبوع الذي اغتيل فيه.
سرت همهمة في القاعة وقطب المشد جبينه في حدة، وسرت قشعريرة في جسد كمال، وتلمظت عينا توفيق في غضب شديد.
ياسر: نعم يا سيدي اغتيل كما توقع.
ظهر التأثر الشديد على وجه المشد وردد بينه وبين نفسه فعلوها الكلاب، ثم توجه إلى ياسر وسأله: هل أنت من تلاميذ دكتور عمر الخشاب؟
ياسر: نعم يا سيدي، كان يشرف على مشروع التخرج وعندما أحس بالخطر المحدق أعطاني كل أوراقه لكي أكمل البحث، وعندما حاولت فتحها أمامه أمرني ألا أفتحها إلا في البيت وألا يراها أحد لأنه يتوقع حدوث مكروه له، وهناك من يبحث عن هذه الأوراق، لذا أتمنى من سيادتكم الموافقة على تخصيص فريق من الباحثين ليعمل معي في هذا الاتجاه الذي لو نجحنا فيه ، فسنكون الرواد فيه .
كمال: أتمنى أن أكون ضمن فريق ياسر أولاً لأنه صديقي وثانياً لأن سميرة موسى من قرية سنبو الكبرى التي تتبع مدينتي الصغيرة الجميلة زفتى
تفوه أحد الحاضرين السودانيين بجملة أجبرت الجميع على الضحك : أعوذ بالله ! ألم تجدوا غير هذا الاسم الزفت.
المشد: سنقسم العمل إلى مجموعات، مجموعة ستحاول تنفيذ التخصيب بطريقة الطرد المركزي، ومجموعة ستعمل على طريقة الانتشار الغازي، ومجموعة ستعمل على طريقة الليزر، أما المجموعة الأخيرة فهي مجموعة الشهيدة سميرة موسى أنت قائدها يا دكتور ياسر، ولكن بعد أن نقدم تقريراً سريعا عن الطريقة ونسب احتمال النجاح فيها والمقومات المطلوبة لتنفيذها.
لمعت عينا ياسر وهو يرى الحلم الذي وأد في أرض الكنانة يحبو من جديد في أرض الرافدين، فأحس بأن الشعلة لن تنطفئ أبداً، تخبو في القاهرة وتشتعل في بغداد وربما تخبو في بغداد غداً وتشرق في مكان جديد من هذه الأمة العريقة.
كانوا يعرفون أن الوقت ليس في صالحهم، وأن هناك من يتربص بهم ويكيد لهم، وأن الضربة لابد آتية، ربما يعرفون من أين تأتيهم الضربات ولكن هم لايعرفون متى.
لم يطل الانتظار طويلاً، فبدأ مسلسل الأعمال القذرة الذي توقعه الجميع، دوت في السماعات نداء على جميع العاملين بالتجمع في قاعة الاجتماعات لأمر هام، تمنوا أن يكون الاجتماع روتينياً رغم ما كانت تشير إليه الدلائل بأن هناك وراء الأكمة ماوراءها، دخل الجميع القاعة وهم يختلسون النظر إلى بعضهم البعض في تساؤل مريب.
دخل المشد القاعة وهي تعج بفرق العمل، وقال لهم أن وكالات الأنباء نقلت نبأ تفجير قلب المفاعل النووي العراقي في الترسانة البحرية الفرنسية قبل شحنه إلى العراق، وأكد احتراق مايقارب من 60% من المفاعل وأن الخسائر المؤكدة ملايين الدولارات
كانت نظرات الألم والحسرة تشع من عيون الدكتور يحيى المشد وهو يقول:
كما قلت لكم من قبل لقد دخلنا إلى عش الدبابير ويجب علينا أن نتحمل لدغها، يمكن أن نخرج منها مجروحين أو حتى مفقودين، لكننا وبإذن الله سنخرج منها منتصرين، نحارب … ننتصر أو نموت … لكن لا نستسلم .
طلب ياسر الكلام وكان منفعلاً حتى أن صوته جاء متقطعاً وكانت الكلمات تتحشرج في حلقه:
وماذا عن المخابرات الفرنسية المسئولة عن حمايةا لشحنة؟
المشد: بالتأكيد هناك تعاون من بعض العاملين في المصنع مع الموساد الذي تشير كل الدلائل إلى تورطه في تنفيذ هذه العملية
ياسر: وماالعمل الآن؟هل توقف مشروع المفاعل النووي العراقي إلى الأبد وانتهت قصته، أم أن للقصة فصولاً لم تكتب بعد؟
المشد: المفاعل مدفوع ثمنه بالكامل للحكومةا لفرنسية وهناك عقد ملزم بين الحكومتين العراقية والفرنسية وستضغط الحكومة العراقية للحصول على حقوقها العلمية والتقنية وليس للحصول على تعويضات مالية، حتى وإن تحملتا لحكومة العراقية بعض نفقات إصلاح قلب المفاعل.
ياسر: وهل ستحصل الحكومة العراقية على اليوانيوم الجديد بنفس المواصفاتا لقديمة، أم ستكون هناك ضغوطاً لاستبداله بيورانيوم أقل تخصيباً ضغطاً للنفقات وللتخلص من الضغوطا لصهيونية؟
المشد: نتوقع أن يحاولوا الضغط على الحكومة العراقية لتخفيض نسبة التخصيب من 90% إلى 20% ومنذ فترة يتحدثون عن نوع جديد من اليوارانيوم يسمونه كرامل يمكن أن يقوم بتشغيل المفاعلات النووية ولكن لا يمكن استخدامه في صنع الأسلحة النووية.
ياسر: لكن هذا النوع الجديد من اليورانيوم سيواجه مشكلة خطيرة عند تشغيله في قلب المفاعل الحالي بعد إصلاحه، لأنه سيتطلب تعديل تصميم قلب المفاعل وبالتالي لن يكون الموضوع سهلاً؟
المشد: نعم الحق فيما تقول وإن يعلى يقين أن الحكومة العراقية جادة في مطالبتها الحكومة الفرنسية بتنفيذ بنود العقد وتوريد اليورانيوم المتفق عليه مسبقاً.
كمال: ألا تعتقد يا دكتور أن الخطر عليك شخصياً أصبح وشيكاً، وأنهم كم انالوا من قلب المفاعل المادي سيحاولون النيل من قلب المفاعل العقلي وهو أنت، هذه المرة فجروا قلب المفاعل وفي المرة القادمة ربما يحاولون تفجيرك أنت.
ضحك المشد في صوت ينم عن قلق دفين : أولاً أنا لست البرنامج النووي العراقي، كلنا هنا نمثل جزء من هذا الحلم، ومن فُقِدَ على الطريق لابد لمن تبقى ان يستكمله، وإلا فقد خان دماء من سبقوه وخان أمانة الأمة.
كمال: ولكن هذا الإيمان لا يعفي من اتخاذ الاحتياطيات الأمنية اللازمة لدفع الضرر عن عقولنا وعن عيوننا وعن أمتنا، وأعتقد أنه يمكن للقيادات الأمنية الاستفادة من التجارب السابقة للموساد في اغتيال العلماء العرب، نتمنى أن تكون أكثر حرصاً لأنك بالنسة لنا الروح التي تسري فينا، إنك قدوتنا ومثلنا الأعلى، وأي مكروه يمسك سيصيبنا جميعاً في مقتل.
لم يستطع ياسر أن يتمالك أعصابة فاختنق بالعبرات تسقط رغماً عنه، وتحشرج صوته فتأثر الجميع وساد الوجوم على الجميع.
نظر المشد إلى ياسر في حب وتوجه إليه ومسح دمعة سقطت على خده ونظر في عينيه في عمق وقال في صوت عميق نحن على طريق واحد، من يسقط منا أولاً يجب على الآخر أن يستكمل الطريق، من يسقط منا لا وقت للحزن عليه، تركه واتجه في وجه باسم إلى المجموعة: أزف إليكم خبراً سعيداً رغم تلك الأنباء المزعجة، لقد توصل فريق ياسر إلى نتائج رائعة بكل المقاييس اطلعت عليها بنفسي، ونتمنى الوصول بها إلى طريقة مبتكرة للحصول على الطاقة النووية من المعادن الرخيصة، وأبشركم بخبر سعيد آخر، بنجاح التجارب الأولية لأجهزة الطرد المركزي المحلية الصنع، ولكننا نحتاج فقط إلى الوقت، آه لو تركونا نعمل قبل أن .. أنه الوقت عدونا الأول وهو الذي يقف في طريقنا مع عدو يتربص بنا في كل ثانية، ولكننا أيها سننتصر على أنفسنا وسننتصر على الوقت وقبل كل شئ سننتصر على عدونا.
أنهى المشد الاجتماع بتلك الكلمات التي أثارت الحماسة في نفوس الشباب فظلوا يصفقون في حرارة وصدق و المشد يرفع يديه مبتسماً واثقاً صادقاً، التف الجميع حول الرجل فذاك يشد على يديه بحرارة وآخر يحتضنه وثالث يقبله، وكأنهم كانوا يودعونه، وابتسم أحد المتدربين من المسيحيين ورفع الصليب أمامه وكأنه يباركه، وابتسم المشد للجميع ورفع كلتا يديه معاً إلى الأعلى رمزاً للوحدة التي جمعتهم.
في يوم أسود أعلنوا فجأة عن اجتماع عام، توجس الجميع شراً، فهم دائماً بانتظار الأسوأ الذي لا يتأخر عنهم أبداً، واعتقدوا أن المشد هو الذي سيجتمع بهم لإبلاغهم بالنتائج التي توصل إليها مع الفرنسيين، دخل الدكتور جعفر بوجه متجهم لا ينبئ عن خير، ثم بدأ حديثه: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً)، أبشركم اليوم ولا أنعي إليكم الشهيد الدكتور يحيى المشد.
تعالت الصرخات من جنبات القاعة فاستكمل الرجل كلامه وكأنه لا يسمع و لا يعي ما يدور حوله، وعلا نشيج البعض حتى غطى على صوت المتحدث، ارتفعت حرارة كمال ونظر في حسرة إلى رفيقه توفيق وكأنه يقول له لقد بدأت المطحنة ودورنا قادم عما قريب.
جحظت عينا ياسر وهو لا يكاد يصدق ما يسمع، فقد أحد الحضور وعيه بعد أن صرخ صرخة مدوية سقط بعدها مغشياً عليه، ولطمت إحدى المتدربات وجهها في تصرف عفوي غير عابئة بما حولها نائحة ببعض من شعر الرثاء للحسين رضي الله عنه على إيقاع عجيب من صوت اللطم على الخدود والصدر.
أخاف من أعوفك … بعد ما أشوفك
إذا ما تيجيني …أقدر ظروفك
انتظر الرجل حتى أنهت المتدربة أبياتها، وأكمل بيانه في هدوء غريب : لقد استشهد الدكتور المشد في باريس هذا الشهر، إننا نحتسبه عند الله شهيداً وكما أكد لنا سابقاٌ إننا على الطريق ومن سقط فلا وقت للحزن عليه.
فليحمل الراية من يستمر هذه وصيته، من يستغرق الوقت في الحزن فقد خان من سقط، فإنما الأعمار بأجل وكتاب، وكلنا على نفس الطريق وإنا لله وإنا إليه راجعون .
لم يتمالك ياسر الموقف فهوى ساجداً إلى الأرض وهو يسترجع ويحوقل، صرخ كمال في شدة: فعلها الكلاب.
رد عليه المحاضر: نعم فعلها الكلاب وهو نفس الوصف الذي أطلقه الشهيد عليهم عندما ساوموه، صرخ أحد المتدربين السودانيين، وماذا يمكننا أن نفعل بعد انهيار عمود الخيمة والعقل المفكر، ثم غلبه البكاء فسكت.
وقف المهندس سمير ووجه كلامه إلى الجميع : إذا كان الحزن يقتلنا على رحيل الشهيد، فإن الإيجابية العلمية والوفاء له تتطلب منا زيادة ساعات العمل فلا نخرج إلا للصلاة والنوم، أرجوا موافقة الإدارة على مد ساعات العمل اليومية إلى ستة عشر ساعة، ولا يتوقف العمل إلا بعد إنجاز المهمة، كما أؤكد أنه لن يكون آخر الشهداء، سيسقط منا المزيد في هذه المرحلة الحرجة من العمل، حياتنا الآن أصبح لها أهمية، نحن على أبواب فتح عظيم والوقت يداهمنا فلا يعطلنا الحزن على من سقط عن الوصول.
توفيق: هل هناك رواية رسمية لما حدث، أم ما تقوله خبر تناقلته وكالات الأنباء، لقد اتخذ رحمه الله كل الاحتياطات الأمنية المطلوبة بل وحلل الموقف بالكامل فكيف وصلوا إليه؟
الدكتور جعفر: لا ينفع حذر من قدر، كان الشهيد يعرف مدى الخطورة على حياته ولعل كلماته التي كان يرددها (مصيبة متوقعة أو كرب محقق) كانت توقع حقيقي للنهاية، لقد جاءت المصية وتحقق الكرب، لقد أذيع الخبر في جميع وكالات الأنباء العالمية، وظهرت صور الدكتور في الجرايد وهو ملقى على سريرة ووجهه مغطي بالدماء.
توفيق :وما هو تقدير المخابرات العراقية للأمر؟
الدكتور جعفر: إن المعلومات تؤكد بأن الموساد وراءها، فبعد انتهاء عمل الدكتور مع العلماء الفرنسيين ذهب في جولة للتسوق وبعد حضوره إلى الفندق تسلم المفتاح وعند ركوبه المصعد حاولت إحدى بائعات الهوى إغرائه، صدها بعنف وتبعته حتى باب غرفته وهو يدفعها بعيداً، ثم دخل الغرفة وظلت تدق عليه مدة حتى يأست منه فعادت من حيث أتت، وبعد مدة دق الباب مرة فظن الدكتور أنها بائعة الهوى مرة أخرى فصاح بها من وراء الباب دون أن يفتحه أن تذهب.
فرد عليه صوت رجل عربي وهو يقول أنه يريد الحديث معه، ففتح له الباب وأدخله، فعرفه الرجل بنفسه أنه مصري الأصل يهودي يعيش في إسرائيل، فأمره فوراً بالخروج فقال له الرجل لن أخرج حتى تسمع كلامي.
إن العرب واليهود أولاد عم وبينهم مصالح، وامتلاك العراق للتقنية النووية سيعني تعريض أمن إسرائيل للخطر، وعندما يتهدد وجود إسرائيل للخطر فستهدم المعبد على من فيه، وعندها سيتعرض الشعب اليهودي والشعب العربي للفناء.
كل ما يريدونه منه فقط إمدادهم بالمعلومات عن البرنامج النووي العراقي وسيجزلون له العطاء، وأنه في النهاية مصري وليس عراقياً، وما يفعله هو خدمة للشعب العربي والشعب اليهودي، ولن ينسوا له ذلك.
وقف الدكتور المشد وقال له هل انتهيت من كلامك؟، فرد عليه عميل الموساد بالإيجاب، فقال له عليك الآن بالخروج يا كلب، وبلغ الكلاب الذين أرسلوك أن المصريين ليسوا للبيع.
تقول المصادر أن مسئول الموساد خرج من غرفة الدكتور المشد وأبلغ قادته في تل أبيب بفشل محاولة استمالة المشد، وأنهم سيبدأون بالحل البديل وهو التصفية الجسدية.
أعطى مسئول الموساد الأوامر بتنفيذ العملية، قاموا باغتيال المشد، بقاعدة الأباجورة التي كانت بجانب السرير بغرفة النوم بعد مقاومة بطولية من الشهيد لكي تبدو عملية القتل عادية وليست مخططة ولم يقم بها قاتل محترف.
كمال : وماذا قالت التحقيقات الفرنسية؟
جعفر: قيدت الحادث ضد مجهول، لقد قام عملاء الموساد بإرسال بائعة الهوى إليه، لكي تظهر أن الجريمة عاطفية، فالسيناريو المتوقع أنهم دفعوا ببائعة الهوى لكي تدخل إلى غرفته وأن تمارس الجنس معه، فيدخل أحد الأشخاص مدعياً أنها زوجته، ويساومه على العمل مع الموساد في هذا الوضع المخجل فإذا رفض يندفع ليضربه على رأسه ويهرب وتظهر الجريمة على أنها بسبب علاقات نسائية ليس إلا لإبعاد التهمة عن الموساد ولتلطيخ سمعة الشهيد.
توفيق :وماذا كانت أقوال بائعة الهوى؟
جعفر: لقد قالت أنها سمعت كلام لم تفهمه لأنها كانت بلغة غير الفرنسية ثم سمعت صوت ارتطام شديد فخافت وهبطت إلى مدخل الفندق، وعندما سألها المحقق هل تجاوب معها المشد، فنفت وقالت أنها صدها بعنف وبطريقة وحشية غير متحضرة.
سمير: أعتقد أن حل هذا اللغز عند تلك السيدة فلو وصلت إليها المخابرات العراقية فربما تميط اللثام عن الكثير من الخفايا.
جعفر: لهذا السبب تم قتلها بعد أيام من شهادتها.
ياسر: كيف تم الأمر بهذه السرعة؟
جعفر: قيل أنها كانت تعبر الطريق وهي مخمورة الساعة الواحدة صباحاً، فصدمتها سيارة مجهولة لا تحمل أرقاماً، فماتت على الفور.
ياسر: أي أن الجريمة كاملة.
جعفر: يبدو هذا إلى الآن على الأقل، فلا شئ هناك في مسرح الجريمة يعتد به، لا بصمات، ولا أوراق ولا أي شئ يدل على الفاعل سوى أحمر الشفاه الذي تركوه على المنشفة في الحمام لكي يظهروا للشرطة أنها جريمة عاطفية.
أنهى جعفر حديثه بالدعاء بالرحمة للشهيد، ودعا فرق العمل إلى إنجاز المهمة التي اجتمعوا من أجلها، والذي يبدوا أن الطريق إلى تحقيقها سيكون مليئاً بالصعاب.
سار الأصدقاء في طريقهم للعودة إلى العمل، قال كمال : إن الذي لا شك فيه المشد استشهد في جريمة مخططة، وأن الذين يمكن أن يفعلوا شيئاً لمعاقبة القاتل لا يريدون ذلك، لا مصر التي هو ابنها تريد أن تعكر أفراح السلام الزائف، ولا العراق الذي منحه حياته؛ لأنه لا يريد لفت المزيد من الأنظار إليه، و لا فرنسا التي اغتيل على أرضها تريد أن تقف في مواجة إسرائيل والولايات المتحدة، ولهذ فقد راح دمه هدراً في ليلة كئيبة وباردة في بلد بارد بلا قلب ولا إنسانية، رحم الله الشهيد يحيى المشد وأسكنه فسيح جناته.

تعليقات

تعليقات

الوسوم

همسه

همسة هى مجلة كل الناس وكل الأعمار . المهنية والصدق شعارنا .ننقل الخبر من مصدره الحقيقى ونسعى دوما للتجديد من أجل القارئ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق