مسابقة القصة

حطام أنوثة.مسابقة الرواية ( الفصل الأول) بقلم / فاطمة الزهراء بطوش.الجزائر

السيدة:فاطمة الزهراء بطوش.
الدولة:الجزائر.
العنوان:ولاية سطيف.دائرة عين ولمان.بريد أولاد محلة.قرية لعياضات.
البريد الإلكتروني:[email protected]
الهاتف:05.57.39.04.97
المشاركة الثانية:رواية.
عنوان الرواية:حطام أنوثة.
الفصل الأول:

قررت أنه قد حانت لحظة الاستفاقة..لابد من إساغة غصة التردد العالقة بين المرء
والرئتين…لابد للأنامل الخائفة من أن تحمل أخطر وأروع الأقلام الأدبية.لتخط ببقايا الحبر العالق، عبارات جنون، وشعارات تحرر لتتخلص من الخوف الملازم لها.
لكن.. فوضوية الأحاسيس في صالون قلبي تربك قلمي المستحى من الأدب،والخائف من النقد..
أدرك واقع جسد تحرر للتو، أنَّه بحاجة لروح واثقة مغامرة،عنيدة،وعاشقة تزيل عنه غبار الكسل،وتصنع له لحظات أدبية راقية،تستحق الكتابة على صفحات الحب.لكن.. من أين أبدأ؟مع من أبدأ؟..ثم هل أبدأ؟..
على وقع تهاطل علامات الاستفهام ،هل أكتب؟هل سأنجح؟وهل أجيد صناعة عبارات بصيغ أدبية؟ أسدل جنون الأنوثة ظلامه على حنايا قلبي..تركت تساؤلاتي معلقة على مشجب التردد.. وانصرفت أبحث عن بطل لروايتي الأولى..
استعنت بصديق وفي،رفيقي الذي كان ولازال يتفقدني كل صباح، وفي أوقات متفرقة من يومي دون استئذان. حتى أن صديقتي سامية أضحت تنعتني بالآنسة كسولة.
الآنسة كسولة اكتفت مبدئيا في بحثها عن بطل روايتها على التكنولوجيا.دون خلع معطف الخوف.. داعبت هاتفي النقال بأناملي على استعجال… براحة يدي اليسرى كنت ألامس وجه شاشته،أتحسس صدق ما تبين من كلمات.
على غفلة من كل حواسي، ماعدا حاسة الإحساس المفرطة عندي باح إبهامي بكل ما جال بخاطري. ضاغطا على أزرار متعددة…
كتب كلمات سرية على استحياء، ثم عاد ومسحها في استعجال.. كتبها كرة أخرى،وعلى زر الإرسال بتحريض من حماقة امرأة أرسلها إلى شاشة هاتف خلوي آخر.صاحبه بطل روايتي التي قد أنوي الإبحار فيها لست أعلم لحد الآن لما أرسلت تلك الرسالة القصيرة.
على نار معرفة ردك انتظرت…كي لا أحترق، ذهبت في نزهة على صفحات رواية.أهدتها لي صديقتي في وقت غير بعيد لكي. لكن الفرصة لم تسنح لي بقراءتها إلا اليوم.
كانت تنتابني بين الجملة والجملة، وبين الفقرة والأخرى، وبين صفحاتها مشاعر تحدي، وتمرد مع هبوب نسيم تحريض كلماتها لأنوثتي.
كان يحرضني نسيم تلك الرواية في كل فكرة يمررها على عقلي للانقلاب على أنفس غليظة، قاسية. سجنت حريتي خلف قضبان لا يصح هذا…ولا هذا…
أنفس كتمت أنفاسي بأكف خشنة الملمس ومعينات غبيات معمي على قلوبهن.
أنفس فرضت قانون الذكورة فرضا لا يعطي للأنوثة سوى حق التزام الصمت تحت نصوص وتشريعات مفادها ألا بوح بما يخالج من مشاعر لا تقولي كذا..ولا..لا.
يحق للمرأة العيش وسط حطام أنوثتها وفقط.
أنَّا لك أن تعلم بما يلفني من اهتمام وإعجاب برجولتك..أنَّا لك أن تدرك آهات ليالي الطوال، ودموع قلبي الحزين، الذي يبكيك كلما خطرت على دقاته.
كيف ستعلم إنّ لم أقل..؟.
تعذب قلبي من حق التزام الصمت أعوام طوال..أما يكفيه توجعا؟
كم انتظرتك سيدي..
كم بكيت لأجلك صديقي..
وكم أحتاجك إلى جانبي، أكثر من ذي قبل..قد عزمت على تأسيس مشروع كتاب، يجمعنا سوية بين أمواج كلماته..فأريدك بطلي..
واقعي الذي لا مفر لي منه، والذي أعترف به، هو أني ومنذ رأيتك اختلطت علي أوراق قراراتي وصرت إنسانة متناقضة..
فحسبي دليلا أني في مرات أقرر أنك ستكون مجرد بطل لصفحات رواتي، وأنَّه سينتهي تعلقي بك مع آخر حرف يخطه قلمي.
وفي أزمات..أقرر أنك بطل لحياتي أنا..
لست أدري لما ألوم ذاكرتي التي خزنت رقمك على إحدى صفحاتها؟. أو أنه عليَّ لوم أناملي التي أبدعت وأجادت في اختيار كلمات رسالتي القصيرة، التي باركها قلبي المخمور بك قبل أن تصلك..
أبدا لا جرم فيما فعلت..
فكما كاتبتك..حقا أن إرادة المرأة من إرادة الله..
الكل خاضع لقانون الحياة، و ظروفها. ماعدا المرأة الحالمة ،العاشقة فإنَّها لا تخضع إلا لقانونها:فكرة تؤمن بها، رجل تحبه،وأطفال تحضنهم.
..حتى إن حققت ذلك على أنقاض أنوثتي..لن يهم المهم أن يكون ما أريد.
الأهم أن الرواية المهداة لي قد تمكنت من إغوائي.فقد استهوتني أحداثها. رفعت تحت دهشة نظري ستار مسرح يعج بممثلين وممثلات تستحق التصفيق..
جعلتني أصرخ بوجه قاهري:الملل، وهادم أحلامي “قانون الذكورة”.
على هامش الانتحار بأفكاري على نهج أفكار رواية “فوضى الحواس” لكاتبتها “أحلام مستغانمي” واصلت اللعبة..
تتبعت رحلة الرواية بإمعان واهتمام شديدين.آملة اكتشاف مهبطها الأخير..ولأعلم على أيّ درب جنون سأمر لأكتب رواية..
للكتابة النسائية نكهة خاصة، تبث في بنات جنسها روحا ملغمة بالتحدي والحماس يفجرها عزمهن على إيجاد لحظات محفوفة بالحب يكتشفن فيها أنوثتهن.
كثيرا ما أخجلتني أنوثتي.لأنها عاجزة عن صناعة مواقف رومانسية بسيطة.مقارنة بالقدرة الخارقة التي تمتلكها كل منخرطة في جمعية نون النسوة. تلك التي تجيد انتهاز اللحظات القاتلة لغرور الرجولة.
فقط بإلقاء نظرة على بساطهن الحريري ،المفصل حسب روعة تضاريسهن..تسحر الرجولة.
فقط بقبلة أنفاسهن لحظة مرور كلماتهن المنتقاة على المسامع..تذهل الرجولة.
إلا أنّ الواقع أيضا أثبت أنه ليس صعبا على حاملي راية الذكورة من إيقاع الأنوثة بين كفيهم، فقط ببلاغة حديث مابين فكيهم.. .
في شرك خدعة الكلم، دون شك غافلة مثلي ستقع حتما. ودون شك سأضيع في مكر صيادي.فإن أنا غرقت استر جل،وربما لم يمدني إلا بقشة هشة من الأماني لأتعلق بها.
أمَّا وإن طفت على سطح المكر،ورفضت التعلق بقشته،إلتقمتني أحضان الكآبة.أو ينتهي بي الأمر على جزيرة خالية من أشجار الأحلام الوردية، ومن أزهار الأنوثة المحفوفة بأشواك الحزن والندم.
أرى في إصراري على كسر كبريائك نهايتي الموجعة..التي ستكون على يدي غرورك..
مرت ثلاث ساعات..لكنك لم تسلني من أكون…
هي بداية الإذلال إذن..أو ربما هي مجرد حركة إغواء لا أكثر؟. أو قد تكون تنتظر مني مكالمة بعد الرسالة.. ومكابرة مني عزمت أن لا أفعلها.يكفيني تنازلا بعد إفشاء سر إعجابي بك، الذي كان ولازال..
بعد مساء الغرور..أظلم الفضول بحدة ، فجاءت ليلة السؤال، في رسالة قصيرة…سألتني فيها:
SLM.PLS HOW R Y?
وصل سؤالك الإنجليزي على بريد هاتفي الزاجل…كانت عيناي تقرؤه فتمر حروفه إلى قلبي مرورا يشبه مرور جسد على منحدر مفخخ بقطع الزجاج المكسور..وحال وصوله إلى السطح يقع في بركة ماء الأكسيد..
أح…أي..
حقا هو ذا ما يعرف بقمة الألم..
آلمني سؤالك الكبير الذي طرحته على طريقة أناس في عجل..
أسرتني رسالتك القصيرة بين حروفها الإنجليزية الصنع. كانت مفصلة بتصميم الغرب،بلمسة عربي يجيد فن المراوغة، يؤلف لها أحلى الكلمات المختزلة.. كلمة في حرف،وأخرى في ثلاثة حروف:
, SALAM (SLM), PLEAS (PLS), Y (YOU), R(ARE)
هي كلمات لا تتوافق إلَا مع لحن رجولة مغرورة، ولا تعزف إلا على أوتار خسارة كبرياء الأنوثة لامرأة انتظرت سؤالك عن ما تحمل لك بين ضلوعها وليس عمن تكون..
سلام. من فضلك من أنت؟.
على قدر سعادتي في تنازلك بإرسال كليمات قصيرة،كنت حزينة لأن الثوب الذي فصلته لي كان كاشفا، فاضحا لأنوثتي .
هل بوسع ثوب إنجليزي الصنع أن يستر جسد امرأة عربية،ومن قرية تدعي المحافظة؟ كادعاء إخوة يوسف على الذئب…
ثم إنَّه لن يروي سيل من الكلمات عطش امرأة عاشقة. فكيف لرسالة محتشمة التعبير،بسيطة التفسير،خالية من حيرة قلبك،ومن أي اهتمام ولو فطري من رجولتك أن تروي شغف أنوثتي العطشى…
سؤالك طرح سؤالا فلسفي: هل أنت من طينة اللاوعي؟.
ربما أنا أبالغ..وما سؤالك إلَّا مجرد استفسار بسيط، معصرن تماشيا والموضة.. .
فكل شيء قد خضع للسرعة و التقليص اليوم..ملابس وأواني وأدوات للاستعمال السريع…
إذا تحدثت في موضوع ما،حتى وإن تطلب الشرح والتفسير فإنَّ المنصت يطالبك بزبدة الحديث…
، فلا وقت للجلوس. Faste Food المطاعم تحمل لافتات عليها
أمَّا المقاهي فسخرية التعصرن بها أجلُّ وأعظم..كقهوة موح اشرب وروح..الفكرة رائعة، لا تنبع إلا من صاحب مقهى يعج بالزبائن الطالبة لمنتجه..وهو يتمنى لو أنَّ الكل يحصل على فنجان قهوة، أو شاي، أو زجاجة مشروب غازي، أو عصير، ليتسنى له لمس مال كل من يمر بمقهاه…
إلا أنَّ الأمر سيكون صعبا، إذ لا تتوفر لديه مقاعد شاغرة.. فكلها محتكرة من قبل زبائن أطالوا الجلوس.. لذا كان إعلان اشرب وروح.
عبارة جاءت بصيغة الأمر. لكن في الواقع صاحبها يطالبك بمواكبة العصر.. .
فإنّ لم تواكبه صناعة وغنا.. واكبه سرعة في ارتشاف القهوة والشاي.. .
واكبه سرعة في الأكل، واللباس، والتكلم.. .
واكبه سرعة في كتابة رسائلك لامرأة … ولتكن رسالة قصيرة، وموجزة مختزلة الكلمات في حرف على الأقل، أو في ثلاثة أحرف على الأكثر..
فالاختزال قد طال الحروف، لم تعد تكفيه الكسور.. وربما قد يصير أحد المقررات الدراسية في البرنامج السنوي لمادة اللغة العربية وآدابها، مع مادة الرياضيات.
حاولت النظر إلى سؤالك بعين الأنوثة المتسامحة، علها تلغي الصورة وتبقي على الإحساس.. .
عين سحرية ترى ما خلف الكلم.أبصرت بها احتراقك بنار الفضول،زاد لهيبها زيت تجاهلي لرسالتك وعدم ردي على سؤالك.
على كل نار، لست أطمح إلى كسر جبروتك، ولا إلى إحراق قسوتك بقدر ما أطمح إلى إيجاد لحظات تستحق الكتابة..
أطمح إلى بطل مغرور، على قدر من الثقافة، وعلى إفلاس من الدراية الأدبية..يكون بطلا عفويا لكن على جهل أكيد بفخ الكتابة..
الحياة أكبر كاتبة تحركنا بقلم القدر..إذ منَّا الشخصيات الثانوية، ومنَّا الشخصيات الرئيسية، بلغة الأدب هم أبطال الرواية..
أعتقد أنهم هم التعساء، لأن عقدة الرواية ترتكز عليهم..فتجعلهم يدورون حولها دوران الإهتلاك..وحول أنفسهم دوران الضياع.. .
لن تنتهي رواية الحياة إلا بعد أن تهتلك كل أبطالها جيلا بعد جيل فكريا وجسديا…
ولن تفهمني إنّ قلت أنك بطل لرواية أنوي كتابتها..
سيزداد غرورك، ليصير عزولا بيني وبين ما أريد اكتشافه فيك…
عن طيب إرغام أتغاضى عن سلاح التثاقل الأنثوي، وأتنازل عن كبرياء لا غنى لأي امرأة عنه…
لست أدري إذا ما كانت الرواية تعني كل ما حدث بيننا حقيقة؟ أم أنها مجرد خيال مبني على واقعة لا محل لها في سوق الأدب، إلا بعد أنّ تضاف بدائع الكذب على جوانبها…
يحضرني مساء نقاش تخلله جدال ممتع جمعني بصديقتي فادية التي أهدتني أحد روائع الكاتبة أحلام مستغانمي…
تجادلنا حول عبارة: الحب هو كل ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث بيننا..المذكورة في رائعتها ذاكرة الجسد.
أمسكت بطرف عبارة أفقهها ، فيما تشبثت هي بطرف العبارة الأخرى..
كانت فادية على درجة من الفراغ العاطفي، لذا حاولت أن أملأ كأس حبها ببعض قطرات ما يحدث بين حبيبين..فيما تمكنت هي من إضفاء حياتي المحتشمة في الأدب ببهارات أفكار كاتبتها المفضلة حول جدلية أنّ الأدب هو كل ما لم يحدث بيننا..
إذن الكتابة لا تعني أن نشير إلى الجانب الصادق من الجانب الخيالي..
المهم أنّ يكون الكاتب صادق مع أبطال روايته أو قصته.تجب عليه محبتهم واحترامهم. حتى الشرير منهم ذلك أنّه وبغض النظر عن ما يفتعله من مشاكل هو يحتل مكانة في قلب صفحات الكتابات، ولأنّه يغذيها بحس ما..أي نحن نكذب لننقل الحقيقة..
تساءلت أتراك تستحق أن أكذب لأكتبك على صفحات ذاكرتي؟ وأنّ أحفظك بها مدة عامين وأزيد بقليل..؟أم أن ذاكرتي هي التي لا تستحق ذلك، كونها تناستك قبلا ولمدة أربعة عشر سنة..؟
كيف أثق برجل وآمن شر انتقامه مني..وقد بعته ذات يوم شر بيعة..؟
بعتك مراهقا وشابا.. وأشتريك رجلا..فيما كسبتك صديقا دون عناء وأنت طفلا.. .
أختزل أشهر لقائي بك …
زمان اللقاء.. عند ظهر الانبهار.
مكان اللقاء.. بمنزل اللوعة.
ذاك اليوم كانت الأرض والسماء على توافق وتصالح بمناسبة عيد الفطر.
رسمت البهجة والسرور على وجه المسلمين فرحا بالفطر،بعد صوم دام شهرا كاملا..حفتهم فيه ملائكة الرحمة من كل جانب، فيما غلت شياطين الجن عن ممارسة طقوس الشر والكفر لثلاثين يوما.
ارتديت في هذه المناسبة أجمل ما لدي من الملابس، موظفة لونين لا ثالث لهما…
أسدلت وشاحا بني اللون على كتفي بدءا من رأسي..وأطلقت العنان لثوب أسود من نقطة نهاية البني إلى حافة قدمي..أخفيت ما بقى ظاهرا بحذاء بسيط ذا كعب عال بنفس لون الثوب المتماشي مع تضاريس جسدي النحيل..مدعية التحجب،لتمويه أعين لها الظاهر تخون عندما تغفل عنها العيون.. .
تعمدت رغم بساطة ثيابي، إشعاع جانب من أنوار الأنوثة بتكحيل رمش عيناي..وتظليل جفنيهما بتأن وإبداع..وكدعوة لنفسي للتحرر من قوقعة الملل والفراغ..خرجت متثاقلة من المنزل..
لا أتكبد عناء اختيار وجهتي،لأنّ قدماي لا تقبلا زيارة إلا منزل جدتي لأبي لأرى عمتي حبيبة المكسورة.. وبجانبه منزل صديقتي سامية..
ولأنّ جدتي سبقتني لمنزلي مع حبيبة مرغمة،فقد قصدت سامية مباشرة.
سامية فتاة منطلقة متحررة،أحببت بساطتها وكرهت عدم اكتراثها للحدود التي تفصلها عن ما تريد..جريئة لا يستوقفها شيء..حتى وإن كانت تدرك أنها تقترف خطيئة، تقدم عليها لمجرد أن هناك من يحاول الوقوف بطريقها ودون سابق اخطار.
أعتقد أنّ كل شباب قريتنا قد ذاقوا من ويلات تمردها، ودفعوا فاتورة اعجابهم بجمالها..ومتأكدة أنّ كل فتيات القرية تكرهنّ أسلوبها، وتخفنّ أن تخطف منهنّ أحبتهنّ .
لا أقصد منزلها إلا بعد التأكد أنّ والدتها غير موجودة فيه..وأيضا جمال غائب..أمّا هي فقد أجلت خروجها لإشعار لاحق، يتوافق مع برنامج خططته للتمرد بعد شهر من الانضباط، وإنّ كانت خلطته أثناء سهراتها بخيوط اعوجاج عبر خط الهاتف.
علمت منها في آخر مرة أنَها على علاقة بشاب من خارج القرية، يدعى مراد وهو من أقارب والدتها.. كما أطلعتني على صورة له وعلى نيتها الحسنة هذه المرة.
المهم عندي اليوم أنَّ والدتها ليست بالمنزل..لذا دخلت مرتاحة وأخذت لي ركنا من الأريكة الطويلة، واستلقيت..طبعا بعد تبادل التهاني والتسليم الحار،مع بعض القهقهات عند الباب.. .
جلست سامية على الجانب الآخر بنفس وضعيتي.. تبادلنا نظرات استنجاد عندما طال بنا السكوت..وليس هناك أحسن من مغامراتها الجديدة الخارجة من فرن التمرد الخاص بها، لطرد الصمت الرهيب الذي تملكنا.
وما من سبيل لجعلها تستلم ميكروفون الكلام لمدة أطول سوى إرسال ابتسامات إعجاب و استغراب، مع تجنب الانتقاد و التدخل.. فعبارات اللوم، أو النصح يبعث في نفس صديقتي إحساسا كئيبا، و يجعلها كما تقول تصاب بالغثيان.كثيرا ما طالبتني بالتزام حدودي، وأنّ لا أتدخل في شؤونها، مهددة بقطع علاقة الصداقة التي تربطنا منذ الطفولة.. .
كنت دائما أخرج بتساؤل مرهق، جراء صراعي مع نفسي الرافضة لهذه التهديدات. مفاده: أيّ صداقة هي التي يطغى عليها طابع المجاملات غير الصادقة، والتهديدات الصادقة الوعيد.. .
إثر انشغالي باطنيا بتحليل إشكاليتي المطروحة، ألتزم الصمت.
لذا تعتقد أنَّ ما يسكتني خوفي من تهديدها ..هذا ما دفعها تكرير وعيدها كلما تدخلت…
..على غفلة من مغامرات البطلة سامية، دق جرس الباب معلنا عن قدوم ضيف مفاجئ..
فتح لك الباب..دخلت..فترنح عالم جوارحي بمقدمك، وازدادت سرعة ضربات قلبي.. بحضورك نبض فؤادي اختلف عن نبض باقي البشر..الوضع غير طبيعي هنا..
خاطبته رادعة: على مهلك يا هالكي..أتريد الخروج إلى شخص دخل لتوه؟ من أين لك هذه الجرأة؟ متى اتخذت أسلوب نبض جديد؟ ثم كيف قررت الرحيل دون إذني من بين ضلوعي إلى ضلوع رجل لا أعرف عنه شيئا؟
شئت أم أبيت يا عقلي هذا ما كان من قلبي الخائن…
في نقطة إعجاب تقاطعت نظراتنا.. قرأت هذا في عينك..
راودني إحساس أني أعرفك من قبل ملامح وجهك، حركات يديك، ابتسامتك..
مسحة الظلام التي عمت غرفة الجلوس أربكت ذاكرتي من استرجاع متى و أين رأيتك؟.
على حافة لحظة هروبي من انهيار أنوثتي أمام سحر رجولتك، خاطبتني:
-السلام عليكم…
سلام الله..سلام الحب..سلام يعقبه برد و إعصار، هزة ودمار..سلام ما بعده سلام…
الصوت صوته، إنَّه صوت ماضي، صوت ذنبي…لا ربما أنا أتوهم..
على عجل من أمر امرأة تدعوها اللحظة هامسة للبكاء بشدة، رددت عليك تحيتك:
-وعليكم السلام..
انصرفت مسرعة أحبس الدمع بين أهداب خجلة من إفشاء حزن مضى و في آن واحد خوفا من إظهار سعادتي من تحقق حلم راودني كثيرا.
أخيرا وجدت من هزَّ كياني كرة أخرى..حرك عرش أحاسيسي… فجر معها عواطفي الأدبية دون تكلف مني ولا حتى ذرة عناء أو جهد عضلي.
قلبتني الصدفة من شتاء الكآبة الحزينة، القاسية إلى ربيع العشق وأزهار الكتابة.. .
دون أنَّ أفتح معك مجال للتعارف المعروف عادة، توجهت إلى غرفة أخرى لحقت بي سامية قاطعة علي وحدتي..
ولركب أسئلة عفوية طرحتها عليها..ألحقت أسئلة أخرى تحترق بنار قناديل علامات استفهام فضولية، تبحث عن زيت لتنير لي طريق الحقيقة..
بتتابع سألت :
-من هذا؟ أين يسكن؟ لم تحدثيني أن لك قريبا يملك مواصفات الرجل الذي أحب؟.. إنَّه يشبه إلى حد كبير ضحيتك الأخيرة..ما كان اسمه؟..
مراد أليس كذلك؟ابن خالة أمك..صحيح؟.
أذكر أنَّي سألتها كثيرا..تخونني ذاكرة كانت ثملة آنذاك بكأس الأحاسيس العالية الجودة، لذا تعذر عليها تخزين كل ما كان.. .
بنفس السخرية التي طرحت بها سؤالي الأخير أجابت:
-نعم..إنَّه يشبه ضحيتي.. فهو أخوه..ألم تتعرفي بعد على ضحيتك الأخيرة؟..لمعلوماتك مراد وسليم ابنا خالة أمي..
أقسم أني عرفت صوتك، و نظرتك، وحركة يديك..لكنها الأربع عشرة سنة أنستني التفاصيل عندما كانت تمر على ذاكرتي.. .
أضافت سامية مأساة أخرى على كاهلي بقولها:
-..واطمئني هو لم يرتبط بعدك..
سكتت قليلا ثم واصلت حديثها قائلة:
-للأمانة له علاقة واحدة بعدك..لكنهما افترقا سريعا لأسباب لم أطلع عليها بعد..سأسأل مراد عنها…
على عزف ذهولي الحزين، تابعت سامية سخريتها:
-سأحدثك عن أخباره عندما يغادر،لكن بشرط أن تذهبي إلى المطبخ لتعدّي لضحيتك القهوة..وحاذري أنّ تضعي فيها سمك..لا أسمح إلا بوضع السحر الأدبي والفني.أرجوك زهراء، فأنا سأذهب لأجلس معه.. .
أعجبتني عباراتها، فرحبت بفكرتها، وبالمطبخ نفذت طلبها، ملبية رجاءها.
كنت شاردة بفكري في موجات صوتية منبعثة من غرفة الجلوس وأنا أعّد القهوة لصاحبها.
فجأة نزل صمت مريب،تحسست السبب وأنا منشغلة بترتيب الفناجين..
بعد لحظات قليلة عاد انبعاث الصوت بقوة،لأنّه كان على مقربة مني عند باب المطبخ…
مازلت على جرأتك وثقتك بنفسك وللأسف على نفس اندفاعك..
اشتقت إليك..لكن الماضي حرّم على بصري أنّ يمتد إليك..اكتفيت بمعانقة سحر صوتك، والاستمتاع ببديع كلماتك وهي تلتف بجسدي لتستقر في الأخير بقلبي.. .
اللهفة تطفو فتنكشف الأسرار.قمت من مكانك متظاهرا بالتجول في أرجاء المنزل..إنتهى بك المطاف بالوقوف عند باب المطبخ..
سألت سامية عني مظهرا لهفتك و إعجابك بي:
-من هذه الآنسة الخجولة؟..عرفينا بها..
فيما ادعيت انشغالي عنكما بوضع الحلويات بالصحن المخصص لها..و أنا أترقب ما ستقوله صديقتي.. .
لسامية لسان عذب..تصيبه نوبات مرضية بين الفترة و الأخرى فيصير لاذعا، قاسيا. ولحسن حظي أنَّ هذا يوم سعدي، لأنّه وقف إلى جانبي فبكل تنميق وإغراء أجابته بعد أنّ تأكدت من أنَّه حقيقة لم يتعرف علي :
-هذه أعزّ صديقاتي..طيبة وحنونة..حاصلة على شهادة الماجستير في المالية..لكنها لا تعمل ولن تفعل مادام مصيرها متعلقا بزوج أمّها..
لأنَّه يتحسس من كلمتي العلم و المرأة..وهي عاشقة (تضحك ثم تواصل ) أقصد أنَّها تعشق الكتابة و الشعر..و ما إلى ذلك من الفن الراقي..
قاطعتها سائلا:
-وصديقتك الحنونة ألا تستطيع التكلم عن نفسها بنفسها؟.
قالت سامية:
-لا أعتقد أنَّها ستستطيع التكلم..
سألتها مستغربا:
-ولماذا لا يمكنها ذلك؟ ما الذي يمنعها؟.
أجابتك:
-يمنعها ذنبها الوحيد الذي اقترفته منذ أكثر من أربعة عشر سنة..
وقفت كالمذهولة، لا أنا موافقة على ما قالته، ولا أنا قادرة على استيقافها..
على مرأى من عيني أحرجتني صديقتي بقولها:
-ذاك الذنب الذي لم تستطع أنت مغفرته لها، حبيبتك الأولى زهراء.
لم تنبس ببنت شفة.. تنظر إليّ بطرفة عين..لم تحرك ساكنا..لكنك جاهدت لإرسال سهم نظراتك الغاضبة إليّ..
في غمرة التحريض…وبينما كنت على أهبة تنفيذ قرار توجيه بضع كلمات إليك..رأيتك تستدير عني إلى صاحب الصوت الذي ناداك من الخلف:
– سليم صح عيدك.
سرقك مني أخو سامية..
آه منك يا جمال دائما تأتي في التوقيت غير المناسب..الله يعطيك ضربة.
هي من الدعوات الشائعة في مجتمعنا، ويمكن أنّ نضيف إليها شوكة يجيبلك موت، يجيبلك محنة..وشوكات دعوات جدتي حسب الأسماء كدعواتها على ربيبتها حين تناديها :
– يا سعدية الله لا يعطيك سعد..
الحمد لله أنّ دعوة بلا ذنوب في راس مولاها اتذوب ..
عليَ سحب دعوتي..
سلَّم عليك جمال بحرارة، فيما تبادل معي التهاني عن بعد..قام بسحبك إلى غرفة الجلوس، وتبعتكما سامية تحمل الصينية التي اعتنيت بترتيب فناجينها.
صحن الحلويات ذو الثلاث الطبقات ، اخترت حباته بعناية، دسست مشاعري داخل حبات الحلويات علك تقرؤها.
وضعت في الطابق الأول كبرياء أنوثتي داخل البقلاوة..وأسفل منها خزنت حزني داخل نوع آخر، واريته بابتسامات وسعادة لمرآك يسمى بوسو لا تمسو..فيما اكتفيت باستئجار الطابق السفلي للتقاليد والأعراف التي تشبع بها قلبي عن رفض..
تلك الأعراف التي تفرض علينا ونضطر للمحافظة عليها لأننا شعب له قابلية الاستعمار..
خزنت ماضينا داخل حبات المقروط..لكن للأسف فقد ظهر بعض ما أخفيت..
لم أمتلك الجرأة الكافية لأنضم إلى مجلسكم..فمن جهة خوفي من ردة فعلك، ومن جهة أخرى نظرات جمال التي تضايقني.
فنحن النساء شعلة من الجرأة يطفئها خوفنا من صد الحبيب..
الحب الزائف عرفته في نظرات جمال. هذا الشاب الذي ما يفتأ يراني إلَّا ويلقي طعمه في بحر أنوثتي..
يجيد فن التلاعب بمشاعر الفتيات.اعتاد على وقوع الجميلات في حبه.. بوسامته ومهارته في نصب الفخاخ لهن تنبهرن به.. لم تنج من فخه كثيرات.
أول مرة أتنبه أنَّ بلاء إذاقة ويلات الحب الزائف والتلاعب بمشاعر الغير هي هواية هذه العائلة..بدءا بالوالدة العفيفة السمعة..الظالمة المظلومة..
قفل باب قلبي من زمن بعيد بمفتاح ألم الفراق..
لم أقع في شرك حب جمال..ليس لأنّي حاذقة ولا لأنّي متميزة عن اللواتي تمكن منهن..
كلا..فأنا مثلهن يغريني الثناء، وتهزني الكلمات العذبة، ويسعدني الغزل المصحوب بنظرات الإعجاب..لكن لأني مجروحة من جَرحي لحبيبي عمدا..لذا لم أبالي بجمال ولا بغيره..
زيادة على ما سبق يأتي سبب سذاجة رجولته المغرورة بأمور تافهة. من بينها إيمانه بأنّه يملك ما لا يملكه رجل في جعل أي فتاة تقع في حبه إن هو أراد..
لست من تأتي رجلا طوعا أو كرها..
صرت أتحاشاه لأنّ عقدة التملك فيه تنرفزني.وتزيد من اتساع الهوة بيني وبينه.
لم تتبقى إلا أشلاء صداقة مزّقها بلوغ الحب..
صداقة عاشتها طفولتنا أنا وسامية وجمال وأنت..
لازالت تدفعني بقايا جرأتي إلى الانضمام إلى مجلسكم؟.
لكن ارتباكي من رجولتك سيكشف سر أنوثتي وستعقبه موجة فضيحة مذلة لشخصية رغم الصد والبعد كسبت احترام جمال.
مقتنع هو أنّ رفضي له ليس لوجود رجل في حياتي..بل لأنّ قلبي عقيم من إنجاب الحب الآن..لم يدرك أنّه في واقع الأمر قد وضع رجولته في موقف محرج وأنّه منّاها بأوهام كاذبة.. .
واهم هو أنَّه سيكون ضيف الشرف وبلا منازع يوم افتتاح معرض حواسي..
كما يقول المثل: يؤمن بوجود الغول..
ويضرب مثلا عند استحالة أو استبعاد حدوث أمر ما..
أذكر انشغال فكري وتساؤلي عن ما تفكر به بعد لقائنا ذاك.. تبادر إلى ذهني سؤال غبي وهو إذا ما كنت ممتن لي لأنّي أعدت لك القهوة؟..
سمعتك تقول لسامية أنَّك عزفت عن القهوة..لكنك ستشربها اليوم استثناء بما أنَّها أعدّت لك خصيصا..
لكنك لم تخبرها عن أيّ نوع من الحلويات ستختار..ليتك سرت على نهج القهوة وأطلعتني بماذا سترافق فنجانك..؟.
أملت لو أنّك قلت: لا أحب الحلويات..لكني سأتنازل وأتناول قطعة مقروط..أو أنَّك ستقدم قبلة خفيفة دون لمس لتلك المسكينة القابعة في الوسط، المعلقة بين رفعة الملائكة، وذل الشياطين..تلك التي تحب ارتداء اللون الأبيض الحلوة القبلة..
أو تراك تحب الرفعة وستمد يدك لتراقص بمستو راق من اللمسات حبات البقلاوة.. .
عند الرابعة مساء استأذنت بالرحيل..خرجت فاهتز عالمي حزنا.
قبل خروجك، عند خروجك، لحظة خروجك.. عدت وقلت:
-أيا..السلام عليكم يا جماعة..
سلام الحب سيدي..سلام الوداع بعد اللقاء.أتراني أسلم عليك ذات عيد؟ ذات صدفة؟ أم أنَّ كل شيء سيفسد كعادته، ويمحى بيد الخوف والتردد أو بيد الحاجة.. .
ما عسى ذاكرتي تخزن صوت بلا صورة واضحة المعالم مؤكدة. فقد راودني شك في أنّي لن أتمكن من التعرف عليك إن التقيتك أو مررت علي..
سعيدة هي حاسة السمع،إذ تفوقت في درس الحواس الخمس على حاسة النظر..ألحقت بها هزيمة نكراء، أرسلتها بذكائها إلى عالم الغباء البصري الذي تشيخ فيه الصور بالتقادم.. .
للحظة تخيلت هاتين الحاستين كامرأتين تنافستا على كسب قلب رجل ففازت به المرأة ذات الشخصية المستمعة.. .
قرأت في إحدى المجلات العلمية موضوعا عن الإعجاز القرآني فيما يخص السمع عند الإنسان. كيف أنَّ المولود يتعلم بواسطة السمع أضعاف ما يتعلمه بالبصر. أمَّا الأصمّ منذ الولادة فلا يستطيع أنّ يتعلم اللغة أبدا فهو أبكم، بينما المولود بالسمع دون البصر فيستطيع تعلم اللغة
بكل يسر.
ومن دلائل الإعجاز أن يكون السمع أول ما يِؤدي وظيفته في حياة الإنسان. فالطفل ساعة الولادة يسمع قبل أن يرى، كما أنّ الإنسان إذا نام فكل شيء سكن فيه إلَّا سمعه. لأن الأذن لا تنام.
وهذا ما يفسر نوم أهل الكهف، فعندما أراد الله جلَّ جلاله أن يجعلهم ينامون مئات السنين عطل السمع لديهم (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا…).
البصر حاسة يمكننا التحكم فيها بإرادتنا، فتختلف الرؤية من شخص إلى آخر حسب الجهة التي ننظر إليها، رغم أننا في مكان واحد بينما نجد أنفسنا نسمع نفس الشيء، لذا فإنّ الأبصار تختلف، والسمع واحد.
والسمع آخر حاسة تتوقف عند موت الإنسان.
صدق من قال أن الأذن تعشق قبل العين أحيانا.. .
على هامش إصغاء أنوثتي للحن حب رجولتك، عشت فيها حولين كاملين بعد لقائنا في منزل سامية..بعد أنّ فقدت الأمل في عودتك إلى حياتي مجددا.. .
بلغ إعجابي بك حد النصاب إلَّا أنني نسيت التزكى منه، بتدوينه على صفحات مذكرتي وإلى جانب تجاهل الإحتفاظ بصورة لك.
كنت سببا في جمعي لثروة الأحاسيس الراقية. فعلى الأقل من الواجب شكرك..حتى ولو برسالة قصيرة مختزلة الكلمات..
إيمانا من جنوني أنَّه من الواجب الاعتراف بجميلك..قمت بمراسلتك عبر هاتفي النقال.. .
شقت رسالتي القصيرة رحلتها إليك على باخرة عشر أرقام متسلسلة أولها صفر العرب.. .
منذ علمت أنَّك ضممت فنجان القهوة بكلتا يديك الحنونتين..وأنك كنت تتحسس حوافه بشفتيك الدافئتين..و أنَّك اكتفيت بتأمل هرم الحلويات بغير تحيز لنوع دون آخر.من حينها أدركت أنَّك بطلي…
..على أنقاض ما تبقى من فنجان ذاك المساء الحزين، وفي خفاء عن أعين الناظرين مرَّرّت شفتي..آآآه..
طريق الشوق شاق، والسفر إليك مبحرة على سفينة جنون الكتابة أشق.
ما أنا إلَّا امرأة مبتدئة، لا تجيد هجاء أبجديات الحب. فكيف لها أنّ تخط عبارات الأدب بأبجديات لغة الضاد؟.
لأكتب يجب أن أحصل على رخصة حب..و لأحصل عليها لابد من تلقي دروسا نظرية، وأخرى تطبيقية تدعيمية..هذا قانون الحب.
لكن تهوري ألزمني على التشبث بمقود الحب دون رخصة..وعلى الانطلاق بحرية غير آبهة بما قد أصطدم من حواجز الواقع المر…
في سبيل إرضاء الذات ، في سبيل الوصول إلى الغاية ، اعتمدت -في بحثي عن راحة بالي لأكون راضية- على جهاز الخفقات…
كلما خفق قلبي خائفا أو مترددا أو للحاجة، علمت أنَّ الطريق التي أسلكها مسدودة.
مثلث الخفقات هذا يهدم طموحاتي، ويلغي سحر أنوثتي بألسنة لهب تطال أحلامي فتحترق وتتلاشى.فيصير مآلها رمادا…
قد تتحول حياتي إلى مأساة أنثوية.. يصعب إصلاحها، إلَّا أني أتدارك الحريق وأطفأ نيرانه بتراب الإنكار، وماء اللامبالاة…
رغم علمي أن أسلوب الإنكار أقسى من إضرام النار.. .
فأن تتنكر لنفسك لمجرد خوفها مما سيكون، أو لترددها في اختيار خيار ما، أو لحاجتها الماسة للحصول على بطل روايتها-التي قد لا ترى النور على أية حال-تعني أنك تمارس لعبة الجور والظلم عليها..وهي لعبة لا يتقنها إلا يائس محبط.
علمت منذ جمعتنا الصدفة، وقررت السفر إليك من مدينة الأحلام إلى مدينة الحياة أَّنَّه تلزمني حقائب كبيرة جدا، لأحمل كل حاجياتي الأدبية وثيابي الفكرية.
أحتاج بشكل أكبر إلى مساعدة صديق يمتلك فائضا مهما من الحنان وقدرة هائلة على إضفاء الدفء، لينكسر جليد حواسي في فصل الملل…
أحتاج لدفء فنجان قهوة…
أحتاج لحنان علبة شكولاطة…
رشفة تعقبها رشفة من فنجان قهوة عربية أصيلة، تكفي لإيقاظ جيوش أفكار طالها الخمول، تحرضها للقتال بأبرع الخطط الحربية.
بين سياسة الكر والفر، وأسلوب الحل والربط، معالم فتح أرض الأنوثة تلوح لي من بعيد…
أرى قدرتي في كسر قيود مثلث خفقات الانهيار…
على ذكرى حافة فنجان القبلة الأولى..يراودني سؤال عن آلية عمل فنجان قهوة..كيف له أن يصنع بنا كل هذه الصنائع..؟.
أستحضر مقولة أحد فلاسفة الغرب عن سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم أنَّه لو كان في عصرنا لاستطاع حل مشاكل العالم كله وهو جالس في مكانه وبيده فنجان قهوة.. .
ربما العبرة ليست في الفنجان أو ما يحويه..هي حتما تكمن في قدرات حامله التي لا تظهر إلَّا عندما تداعبه الأنامل والشفاه، لتنفجر على إثرها سيل الأفكار المخزنة بباطن الذاكرة…
تلبسني أفكار مزركشة بألوان الحب، كلما راقصني فنجان أنيق مرتب الشكل ،وتدب نار الغيرة في قلبي إذا ما رافقته عشيقته السمراء.
تغريني هزاتها المتمايلة على جوانبه لكتابة لحظات فاتنة، تسكنها أراوح هادئة. وعند مخالطتهما ببعض تنتج نفسا مترامية الأطراف.. .
تحسست يومها فنجانك بشفتي..لألتقط بعضا من أنفاسك العذبة…
بصمات الشفاه أصدق ما يعبر عن خلجات القلب. تعطي سبب تسارع الدقات لحظة اللقاء الأول. وتزود بنبأ اللهفة عند حلول فصل الشوق.
أرعدت وأبرقت سماء أسراري حتى أمطرت السعادة على قلبي ممزوجة بغبار حزن مؤلم.
صدفتنا تلك تسعدني كعاشقة وجدت لها متنفسا، وتحزنني كأنثى ضاعت فرصة لقائها مرة أخرى بمحرك حواسها.
لم نتفق على موعد..تركنا عناء تحديده للصدفة…
لكن…
مرت الأشهر ولم يأتي هذا الموعد، وما من مسكن لألم ألَّم بروحي إلَّا أن أستغل صفحة من صفحات رسائل هاتفي النقال. أدون عليها رسالة قصيرة، تحمل كلمات مبعثرة، منتقاة المعاني.. سرقتها حينذاك من بستان قلبي خلسة عن حارسه الليلي…
وكان ردك إنجليزيا..سألتني بعد طول انتظار من أكون؟وأجبتك باللغة نفسها أني لا أستطيع إخبارك الآن..و أني لم أستوعب ما فعلته…
في عصر النت هل ستصدق كاذبة ضائعة فيك؟أم أنك لن تصدق عاشقة تخونك كلما سنحت لها الفرصة؟.
لست أدري لما أتورط فيك مجددا..كان من الممكن خنق شغفي بك من أول خفقة..إلَّا أنَّ تساهلي مع مشاعري جعلها تضيق الحصار بتمردها عليّ..وما بوسعي الآن إلَّا مجاراتها، والغوص معها في متاهات التراسل.
من يدري قد نطورها إلى مكالمات، فلقاءات، فقبلات، فرواية…
كان يجب أنّ نتكلم، وأن نسمع صوت بعضنا البعض،وأنّ نترك الأمور تسير في مجراها لتصل إلى المصب المقدر لها بأمان وسلام…
كم أخطأت عندما رحت أنتقي أجمل الألوان لصوتي التي استأجرتها من خزانة أشعار العشاق..فقد كلفتني مالا يقل عن الساعتين لأحفظها عن ظهر قلب..وهذا كله استعدادا لحفلة تجمع لهفتي بحيرتك…
لكن…
ما إنّ اتصلت بي حتى قلبت الموازين، وألغيت كل تحضيراتي…
على نغمة الولع رقص الهلع والخوف رقصة الصالصا..لم تكن ضرباتهما وتصفيقاتهما إلّا دقات قلبي..
تبعثرت مساعي برياح كلامك. صعب عليّ جمعها من جديد، لتعلقها بأشواك حقائق نبتت في حياتك…
مصارحتي لك جاءت متأخرة..ليس لي حول للتخلص من مشاكاة حقائقك المدمية إلَّا أنّ أتحاشاها وأن أمنّي نفسي بغد أسهل، وأحثها على الصبر.
…بعد رنة طويلة كادت تشرف على الانقطاع، بتردد فاضح ضغطت على زر الإجابة، ولفظت كلمة الرد على الهاتف:
-ألو…نعم؟.
أجبتني:
-السلام عليكم ورحمة الله…
أخيرا تحققت أمنيتي..سمعت صوتك..سلام،سلام…
حييتك:
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..واش راك؟.
-لست بخير؟
سألتك:
-ماذا بك..؟
أجبت:
-بي أنت..بي الشوق..
للحظة فكرت في أنَّك قد تعرفت عليّ..وأنك تحاول الإطاحة بي من أول فرصة لتنتقم لرجولتك…
لذا سألتك باندفاع دون إعادة التفكير فيما سأقول:
-الشوق؟هل تقصد أنّك اشتقت إليّ؟.
ضحكت ساخرا ثم قلت:
-العفو منك..ولكني لست أعرف من أنت..أقصد أنّي على شوق لأتعرف بصاحبة الرسالة المحيرة…
انحرجت من غبائي فألحقت سؤالا أغبى من سابقه:
حقا…؟
بنبرة أكثر جدية قلت:
-نعم..حقا أود معرفة من تكونين؟.
-أحقا لم تتعرف عليّ؟..ألا يخبرك حدسك أيَّ شيء؟.
-على كل حال أعلم أنّ أيّ امرأة تقدم على اعتراف مراوغ، مكابر بطريقتك..هي تريد الحلال وليست…
قاطعت تخميناتك البعيدة كل البعد عن حقيقة ما أريد معتذرة:
على رسالتي..ما كان يجد ربي إرسالها.. I AM SORRY-
سكت ثم أضفت:
-لست أدري ما ستقوله عني..ولكن أرجو منك أنّ تفهم أنّه حين يصير الحمل ثقيلا على المرأة المراوغة، والمكابرة يصعب عليها الاستمرار ولا يعود يعنيها من الرجل الذي تحب لا الحلال ولا الحرام..كل ما أريده..أظن أنك لن تفهم ما أريده حتى لو شرحت لك..أنا حقا أعتذر منك…
هدأتني بأسلوبك اللبق، ولملمت ما ضاع مني من حروف..قائلا:
-لا داعي للاعتذار..يمكنك أن تعَّبري عن كل ما تريدينه وكيفما تشائين..لكن من حقي أنّ أعرف أين أنا من كل هذه الدوامة..؟ ما الذي يحدث..؟و الأهم هل أنا المقصود بالحب..؟.
تملكني إحساس يائس، وتأنيب ضمير عندما شعرت أني أتلاعب بك وأتخذك بطلا لرواية دون استئذان ..لمجرد أنَّك تستهويني…
لا مستقبل لعلاقتنا لو توطدت، ولا سبيل للنجاة إلّا أن أمنع الوصال من جديد..و ذلك بتجنب إخبارك عن من أكون..
عدت وقدمت بالغ أسفي واعتذاراتي على ما كان. لأنَّه حدث في لحظة ضعف وملل، وأن رسالتي وصلت إليك بالصدفة..وطالبتك بنسيان كل ما حدث…
لكن…
وقع تراجعي المفاجئ ، كان شديدا عليك…شعرت بذلك عندما تغيرت نبرة صوتك ورحت تتلوا على مسامعي عدم اكتراثك بي، وأنَّ لك مشاريع مستقبلية كثيرة أهمها موضوع ارتباطك بإحداهن من فترة وجيزة، وأنّي حتى لو كنت جادة فاعترافي قد وصل متأخرا…
زدت الطين-تمرميدا-بقولك:
-لو أنَّك سابقتي قليلا لكنت ربما فكرت بك…
أصبت بعمى التفكير..لم أفكر،لن أقول شيئا..
بإلحاح عنيد رحت تسحب مني الكلام :
-ماذا بك؟لما صمتك؟قولي شيئا أرجوك؟..هل أنت معي على الخط..؟.
بصوت مخنوق وعبرة ما قبل البكاء أجبت:
-وماذا تريدني أن أقول..؟.
-فقط من أنت..؟هل أنت…؟.
-إن كنت تقصد زهرة..فنعم أنا هي…
غاب الوعي..وراح الإدراك….أجبرني قدر مجهول الهوية أكبر من الإعجاب..أقوى من الحنين لأيامك الخوالي..وأعند من جنون الحب.لأن أخبرك كل شيء بدافع شغف أنوثتي في كتابتك…قررت كتابتك بقلم الحب لا بقلم الأدب…

الوسوم

همسه

همسة هى مجلة كل الناس وكل الأعمار . المهنية والصدق شعارنا .ننقل الخبر من مصدره الحقيقى ونسعى دوما للتجديد من أجل القارئ

مقالات ذات صلة

‫9 تعليقات

  1. أغرتني هذه العبارة لأخذ فنجان قهوة وأحاول الكتابة:
    تلبسني أفكار مزركشة بألوان الحب، كلما راقصني فنجان أنيق مرتب الشكل ،وتدب نار الغيرة في قلبي إذا ما رافقته عشيقته السمراء.
    تغريني هزاتها المتمايلة على جوانبه لكتابة لحظات فاتنة، تسكنها أراوح هادئة. وعند مخالطتهما ببعض تنتج نفسا مترامية الأطراف.. .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق