الرئيسية » الشعر والأدب » حكايات من على مقهى شارع الكاريكاتير.(2) حجازى ….. فنان الحارة المصرية

حكايات من على مقهى شارع الكاريكاتير.(2) حجازى ….. فنان الحارة المصرية

حكايات من على مقهى

شارع الكاريكاتير.(2)

حجازى ….. فنان الحارة المصرية                                 نواصل الحكى عن فنان الحارة المصرية  حجازى كما صورها  الكاتب محمد بغدادى فى روز اليوسف من خلال كتابه الرائع      (حجازى ..فنان الحارة المصرية ) الذى تحدث فيه عن تفاصيل شديدة الإنسانية والفنية عن حياة وفن حجازى .

كتب : محمد بغدادى

 فى الصيف كان أبى يصطحبنى معه.. فرأيت مصر كلها عبر نافذة القطار.

علاقتى باللوحة تنتهى بمجرد أن أنتهى منها.. وبعد نشرها لا أتأملها!!

أعوذ بالله.. وهل أعلق رسومى أمامى على الحائط لأراها كل يوم..!!

ألقيت بكل رسومى التى جمعتها زوجتى السابقة فى القمامة.. فأعادها لى الزبال.. فمزقتها وألقيتها مرة أخرى حتى لا يعيدها ثانية!!

وأشعر بالخجل عندما أطالع رسومى وهى مطبوعة فى المجلات!!

بعد صدور الكتاب قال لى: كنت مثل الكلمات المتقاطعة.. حروفاً متفرقة.. الآن أصبحت جملة مفيدة.

عندما توقف حجازى عن الرسم للكبار.. وقال لى: لم يعد لدى أمل فى الكبار والأمل كله فى هذه الأجيال الجديدة.

كنا نشعر دائما بأنه لدينا مهمة وطنية وأننا مهمون وسنكون الحدث القادم الذى سيغير الواقع.

رغم أهمية الحديث عن رسوم حجازى الرائعة .. وكائناته المدهشة إلا أن الحديث عن حجازى الإنسان قليل جدا.. خاصة بعد عام من رحيله.. ومظاهر الاحتفاء به تتم على استحياء.. وبشكل غاية فى التواضع وبطريقة لا تتناسب مع قامته الرفيعة.. وقيمته الفنية العظيمة.. ومن اقتربوا من حجازى بالقدر الكافى لرؤيته بلا رتوش يعلمون تماما أسرار عالم حجازى الغامض والمجيد.. ولكن من سمح لهم حجازى من اقتحامه والاقتراب منه بهذا القدر الكافى لمعرفته قليلون جدا.. وربما يعدون على أصابع اليد الواحدة بلا مبالغة.. لأن حجازى فنان مرهف.. وإنسان ذو طبيعة خاصة جدا نادرا ما يحرك شفتيه ليتكلم إلى أحد.. لا يهاتف أحدا.. ولا يرد على أحد إلا نادرا.. له عالمه الخاص الذى نجح فى تحديد ملامحه.. ورسم حدوده فى بساطة متناهية.. ودقة صارمة فى ذات الوقت.. ويبدو أن صمت حجازى أخذه عن والده.. فوالده كان صامتا دائما.. ونادرا ما يتحدث حجازى عن نفسه أو عن والده.. فإذا تحدث فببساطة مفرطة.. واعتزاز كبير.

ويحكى حجازى عن صمت والده الذى كان سائقا للقطارات فيقول:

أبى صامت مثلى.. ولكنه كان يكلمنى أحيانا عن الأوضاع فى عمله.. وكان يكتب شكاوى كثيرة لمظالم يتعرض لها فى العمل.. وأحيانا يقرأ لى بعضا من شكواه عن تأخر قطاره دقيقتين مثلا لأنهم فى الورشة لم يسمعوا نصيحته بضرورة إصلاح (الباكم).. كانت مشاغبات صغيرة.. ولكنه كان يكتبها باهتمام كبير واعتزاز بمعرفته بالكتابة بخط جميل.. يحلق ذقنه ثم يكتب الشكوى شاعرا أنها أهم شىء فى حياته.. وفى فترة الصيف يصطحبنى أبى معه فى القطار (أبو فحم) وأبيت معه فى استراحات السكة الحديد.. رأيت مصر كلها عبر نافذة القطار.. أجسام السائقين المكدسة على الأسرة.. الأكل على رزمة الجرايد.. طعمية وجرجير غير مغسول جيدا.

كان لحجازى طقوسه الخاصة فى الحياة.. فهو محدد للغاية يعرف ما يريده من الدنيا.. فلم يطمع يوما أن يأخذ أكثر مما كان يريده بالتحديد.. فى تمام السادسة صباحا يكون على مكتبه فى مجلة «صباح الخير».. يخرج الأقلام وأوراقه البيضاء.. يشرب القهوة.. يدخن بشراهة بلا توقف.. قبل أن تأتى الثامنة يكون قد انتهى من كل أعماله.. يغادر مبنى «روز اليوسف» قبل أن يمتلئ بالموظفين والكتاب والمحررين.. ينطلق فى شوارع القاهرة.. عينه الراصدة كزرقاء اليمامة تلتقط ما لا نراه نحن البشر العاديين هو يبرى أكثر منا.. وأبعد منا.. ينتقى ويختزن ويملأ ذاكرته بآلاف الصور والمواقف والشخصيات.. يجلس على مقاهى مصرية بعينها يرتادها بسطاء ولكنهم حقيقيون.. مرة فى مقهى «إيزافيتش».. ومرة فى «قهوة البرابرة».. ومرة فى «الكاب دور».. بعض هذه الأماكن أزيلت وتغير نشاط البعض الآخر أو تحول إلى شركات سياحية.. وبعضها ظل كما هو.. ولكنها أماكن فقدت هويتها وملامحها الحقيقية.. لذلك فى نهاية الثمانينيات قرر أن يستيقظ فى السادسة صباحا ويجلس إلى مكتبه فى منزله بالمنيل.. يرسم ويأتى «عبدالعزيز خطاب» ــ خازن أسراره.. ورسوله إلى العالم الخارجى ــ يأخذ الرسومات ويحضرها إلينا فى مجلة «صباح الخير».. وبدأ فى عزلة اختيارية.. لا يستقبل أحدا طوال الأسبوع.. وصباح الأحد يفتح باب «اليوم المفتوح».. تجلس عند حجازى كل يوم أحد فتجد مائدته عامرة بكل أنواع اللحوم والدواجن والأسماك وفواكه البحر.. ولأنه كريم بلا حدود.. وبسيط بلا اصطناع.. فهو يفعل ما يحب أن يفعله.. ولا يستطيع أحد أن يجبره على شىء..

جاء ذات يوم إلى مكتبه فى مجلة «صباح الخير».. وكان رئيس مجلس الإدارة «عبدالعزيز خميس».. وكنت أجلس مع حجازى وهو يواصل استكمال رسم لوحاته.. وطلبنى رئيس مجلس الإدارة وسألنى عن حجازى.. فقلت له: موجود.. فقال: سأحضر فورا لأراه.. فلم يكن قد رآه من قبل.. وقالوا له أنه يأتى فى السادسة صباحا ويغادر فى الثامنة.. وسألنى حجازى: من الذى كان يتحدث معك فقلت له الحكاية.. فما كان من حجازى إلا أنه لملم أوراقه وأقلامه بسرعة.. وأخذها معه.. وقال لى: أرسل لى عبدالعزيز خلال ساعة سأكون قد انتهيت من الرسومات قلت له والأستاذ خميس ماذا أفعل معه.. ضحك قائلا: اجلس معه أنت.. واطلب له قهوة على حسابى .. أنا فى حياتى لم أر رئيس مجلس إدارة.. ولست على استعداد أن أجالسه.. سلام.

ومضى حجازى.. وجاء عبدالعزيز خميس بعد دقيقة واحدة فلم يجده.. تعجب وراح يسألنى عن أسباب عدم انتظاره.. فقلت له إنه حجازى.. ولا أحد يستطيع أن يجبره على شىء.. ولا تعليق لدى!!

ذات يوم زرته ومعى د.عبدالرحمن بسيسو سفير فلسطين فى بلاد التشيك الآن.. وكان ذلك فى نهاية الثمانينيات حين كان بسيسو بصدد إصدار مجلة للأطفال تسمى «فرح».. وكان معنا رجل الأعمال رفيق عبدالناصر شقيق الرئيس الراحل الأصغر.. وعرضنا عليه العمل فى المجلة.. وقال له بسيسو كلاما طيبا.. ووعده بأن كل طلباته مجابة.. وتحدثنا جميعا.. وأطلنا فى الحديث والإغراءات.. وظل حجازى صامتا يضايفنا بأدب جم.. ويضع المأكولات والمشروبات بانتظام.. وفى نهاية اللقاء تحدث حجازى بعد صمت طويل فقال: بصراحة أنا عندى شغل باعمله لمجلة «ماجد».. وبعد ما باشتغل باخد الفلوس اللى اشتغلت بيها أستمتع بصرفها.. وكل الوقت المخصص للشغل يستنفد فى رسوماتى لمجلة ماجد.. ولا يصح أننى بعد أن أشتغل.. أشتغل مرة أخرى .. الإنسان بعد ما يشتغل يأخد الفلوس اللى اشتغل بيها ليدخل بها سينما ويشاهد مسرحا.. ويأكل ويشرب وينبسط!! هذا هو حجازى الذى يصرف ما يريد.. ويعمل ما يحب.

حجازى: أنا مش رسام مهم!!

جاءت فكرة عمل كتاب أضم فيه أعمال حجازى وأوثقها عبر سببين رئيسيين.. الأول عشقى الشديد لحجازى ورسومه قبل أن ألتقى به.. وأقترب منه بالدرجة التى توقعك فى حبائله وتصبح من ضحاياه ودراويشه.. والسبب الثانى ظهر عندما توليت مسئولية المدير الفنى لمجلة «صباح الخير» عام 0891. ومنذ ذلك اليوم وجدت أن هناك معركة تدور فى صمت بين عدة أفراد من أجل الحصول على أصول رسومات حجازى والاحتفاظ بها واقتنائها.. لجماله الآسر.. وروعة ريشته.. خاصة أن لوحاته الأصلية كانت شديدة الدقة.. فهو بارع فى تصميم لوحاته، وخاصة ما أطلقت عليها فى كتابه «منمنمات حجازى المصرية» وكان فرسان هذه المعركة.. شيخ رسامى الكاريكاتير زهدى العدوى الذى كان يأتى كل صباح إلى قسم تجهيزات الأوفست الدور الرابع ويجمع أصول كل الرسامين ويقتنيها ويأرشفها بعناية.. وبين المهندس عزيز المصرى رئيس قسم التجهيزات الذى كان يعشق حجازى إلى حد الهوس.. وكان من أصدقائى.. أما الفارس الثالث فهو رفيق عمره الشاعر فؤاد قاعود الذى كان يعتبر أنه هو الأحق بلوحات حجازى خاصة التى كانت ترسم خصيصا مصاحبة لأشعاره.. أما صاحب هذه الرسومات فهو حجازى نفسه فلم يحتفظ فى حياته بأى لوحة رسمها وكان يقول لى:

– أعوذ بالله.. وهل أعلق رسومى أمامى على الحائط لأراها كل يوم..!!

وعندما تأملت هذا المشهد المركب اكتشفت أن حجازى هو رسام الكاريكاتير الوحيد الذى ستندثر رسومه ولن يصبح لدينا أية مرجعيات لتوثيق أعماله الهامة التى كنت أرى أنها تسجل (التاريخ السرى للإنسان المصرى البسيط) وأنها سجل اجتماعى وسياسى واقتصادى حقبة امتدت لأكثر من أربعين عاما من العطاء بدأت عام ,5591. وحتى يوم صدور الكتاب عام 5991.

وعندما راودتنى الفكرة كان ذلك فى بداية عام 0991. ورحت أجمع رسومه من المجلات على مدى خمس سنوات إلى أن اكتملت لدى مجموعة تمثل مجمل عطائه عبر أربعين عاما.. وكان البحث عن هذه الرسوم وتبويبها أمرا يكاد يكون مستحيلا.. ناهيك عن المشقة والتعب اللذيذ.. وفى النهاية كان لابد من عمل دراسة فى بداية الكتاب.. وإطلالة على مسيرة حياته.. فطلبت منه مرارا أن أجلس معه وأسجل قصة حياته ليرويها هو.. لكى تكون وثيقة للأجيال القادمة.. ولكنه كان يتهرب.. وفى النهاية أرسل لى رسالة قصيرة ضمنها مداعبة شعرية.. هذا نصها:

الصديق العزيز محمد بغدادى

تحياتى وتمنياتى بالصحة والتوفيق وشكرا على رسالتك الشعرية الرقيقة.. وشكرا على الكتب التى أرسلتها لى.. وقريبا سوف أتصل بك لتحديد موعد أراك فيه لأنك واحشنى جدا.. وأنا طبعا مش قافل الباب فى وجه الأحباب أبدا.. وبالمناسبة:

أنا مش بعيد ولا بتبغدد.. كله إلا دى..

مين ده اللى يقدر يتبغدد على بغدادى..

وشكرا لك وإلى اللقاء.

حجازى

وعندما طلبت منه أن أحضر جهاز التسجيل.. ونبدأ فى عمل الحوار أرسل يقول لى:

يا بغدادى .. أشكرك على رقتك واهتمامك.. وطبعا يسعدنى أن أراك فى أى وقت لكن بلاش جهاز التسجيل لأنى بصراحة مش شايف إنى رسام مهم ولا أى حاجة.. الحكاية كلها إنى جيت من طنطا للقاهرة أشوف شغلانة آكل منها عيش وسجاير.. وطلعت الشغلانة فى الصحافة.. لأنى كنت فى ثانوى بعرف أرسم شوية.. بس كده.

تحياتى وحبى لك وإلى اللقاء..

حجازى

إلى هذا الحد من التواضع.. كان حجازى عازفا عن التكريم، وقد روى لى حكاية عن عدم احتفاظه بأصول لوحاته فقال: فى أيام الزواج.. كانت زوجتى وهى السيدة سلوى المغربى.. قد بدأت فى جمع أصول رسوماتى وعمل أرشيف لها وملفات.. وكنت لا أرغب فى ذلك.. فلما انفصلنا أخذت هذه الملفات وألقيتها فى القمامة على باب شقتى فى المنيل.. فجاء جامع القمامة ووجدها مرتبة ومنتظمة فشك فى الأمر.. فدق جرس الباب وقال لى: لقد وجدت هذه الرسوم على الباب.. ربما تركها أحد لك.. فقلت له: ضعها على المكتب فوضعها.. وبدأت كل يوم أمزق كل ملف إلى قطع صغيرة وألقيها فى القمامة حتى لا يردها لى الرجل مرة أخرى!!.. هكذا كان حجازى ذلك الفنان العظيم يتعامل مع رسومه بهذا القدر الذى لا يمكن فهمه.. إلا إذا عرفنا لماذا كان حجازى يرسم.. إنه كان يريد أن يغير الواقع برسومه.. فقد قال لى عن علاقته برسومه: إن علاقتى باللوحة تنتهى تماما بمجرد أن أنتهى منها.. وبعد أن تنشر لا أتأملها.. ولا أنظر إليها مطلقا.. وأشعر أحيانا أننى فى غاية الخجل عندما أطالع رسومى وهى مطبوعة فى المجلات.. لذلك لا أتوقف أمامها وأعبر صفحاتها دون أن أراها.

حجازى .. فنان الحارة المصرية

ظلت علاقة حجازى برسومه على هذه الوتيرة وأذكر أننى بعد أن انتهيت تماما من إخراج الكتاب وتبويبه وكتابة المقدمة أخذت كل الرسم و(الماكيت) والغلاف وذهبت إلى حجازى بالمنزل.. وكان يجلس معه الزملاء.. الكاتب الصحفى عادل حمودة والفنان عبدالعال.. والفنان طه حسين.. ودخلت ووضعت كل عناصر الكتاب على الطاولة.. فقلت له: لا بد أن تلقى ولو نظرة أخيرة على محتويات الكتاب.. فنظر إلى بدهشة وقال لى: أى كتاب تقصد؟! قلت له: كتابك.. رسومك!! فقال لى: لملم أوراقك أنا لا أريد كتبا.. وهذا كتابك أنت.. إذا كنت مصمما على عمله فهذا شأن خاص بك!!

فقلت له: طيب أرجو أن نتفق على اسم الكتاب

فقال: وهذه أيضا أمور ليس لى دخل بها.. وعرضت الأمر على الصديق عادل حمودة.. وكنت قد قررت أن يكون عنوان الكتاب «كاريكاتير حجازى».. فتأمل حمودة العنوان قليلا واقترح إضافة صفة للفنان حجازى.. وقال لى: فليكن «كاريكاتير حجازى.. فنان الحارة المصرية» وبالفعل كان اقتراحا رائعا وقبل أن أغادر منزل حجازى طلب منى بعض الرسومات وجزءا من المقدمة ينشرها على أربع صفحات كاملة فى مجلة روزاليوسف أول مجلة تحتفى بكتاب حجازى على هذا النحو الرائع وتوالت الصحف فى مصر وخارج مصر تواصل الاحتفاء بهذا الكتاب ليس لأننى بذلت فيه جهداً كبيراً ولكن لأننى نجحت فى إقناع حجازى فى أن يكون له كتاب يضم معظم أعماله.

التحول الذى أصاب حجازى

وكل هذا لا يهم الآن.. ولكن الأهم هو التحول الذى حدث فى حياة حجازى.. فقد فوجئت به يدعونى لسهرة خاصة ليحتفل بصدور الكتاب بعد أن تلقى مكالمات تلفيونية من عدد كبير من كل الأصدقاء وكبار الرسامين والفنانين والمفكرين المصريين والعرب يهنئونه على الكتاب.. فذهبت إليه وسهرنا نتجاذب أطراف الحديث وأردت أن أسأله عن رأيه فقال لى:

لقد كنت مثل الكلمات المتقاطعة.. حروفاً متفرقة لا معنى لها.. الآن أصبحت جملة مفيدة.. وضحكنا.. وتداعت الأحاديث حول الفساد والظلم.. والنهب المنظم الذى تعيشه البلاد.. فانتابتنى حالة من الاكتئاب.. فنظر إلى ساخرا.. وقال: لأ.. إنت هتكتئب من أول الليلة.. إحنا جايين هنا عشان نحتفل.. فقلت له إننى خائف على مصير مصر.. وماذا بعد؟ فقال ضاحكا: لا.. لا تخاف على أى شىء فى مصر.. مصر طول عمرها يحدث لها ما هو أفظع من ذلك.. وتظل مصر باقية.. ويزول الظلم بحكامه.. ولو رجعت إلى كتاب (النجوم الزاهرة فى سماء مصر والقاهرة) ستجد أن كل ما يحدث لنا الآن سيأتى فى سطر واحد يقول: وقد حكم مصر حاكم ظالم اسمه حسنى مبارك.. من سنة 2891 حتى عام.. كذا.. وستبقى مصر هى مصر رغم كل شىء.

 

وهذا التحول الذى أصاب حجازى ما كان يمكن أن يحدث لولا أن هذا الكتاب صدر فى توقيت أعتقد أنه عبقرى.. ولكن للأسف توقف حجازى بعد ذلك من الرسم للكبار.. وقال لى إنه لم يعد لديه أمل فى الكبار وأمله كله فى هذه الأجيال الجديدة.. فربما تصنع شيئا مفيدا.. وبالفعل عاش حجازى حتى رأى الجيل الذى رسم له فى مجلة سمير وماجد يغير وجه الواقع.. لأننى سألت حجازى سؤالا محددا: لماذا نتوقف أحيانا عن الرسم.. فقال لى: حكايتين بعد كل منها توقفت لفترة طويلة..

الأولى: كنت قادما من منزلى فى المنيل قاصدا مكتبى فى صباح الخير.. وكانت هناك جمعية تعاونية فى شارع أمين سامى.. وكان ذلك فى منتصف السبعينيات.. وكان حسن فؤاد رئيسا للتحرير.. ووجدت طوابير الناس الفقراء يقفون منذ ساعات قبل أن تفتح الجمعية أبوابها من أجل الحصول على دجاجة مجمدة.. وليس للمواطن الحق فى أخذ دجاجتين.. وعندما مررت على شارع (أفراح الأنجال) وهو المتاخم لمؤسسة روزاليوسف.. حيث يوجد الباب الخلفى للجمعية.. اكتشفت أن هناك عربات مديرى المصالح الحكومية تقف والسائقون يضعون فراخ الجمعية بالكرتونة.. وعرفت أن هذه الفراخ المدعومة يذل عليها المواطن.. ويأخذها الكبار.. فتوجهت إلى مكتبى ورسمت مجموعة من الكاريكاتير اللاذع جدا أدين به هذا الفساد.. وكانت نكات ساخنة جدا.. وعندما عرضتها على حسن فؤاد الاشتراكى واليسارى المنحاز مثلى إلى الفقراء.. وهو الذى سجن فى معتقل الواحات من أجل هؤلاء الفقراء.. فما كان منه إلا أنه أخذ يضحك ويقهقه بشدة حتى دمعت عيناه.. وقال لى: هايل يا حجازى.. برافو.. رائع ثم طلب محمد سليم المشرف الفنى آنذاك.. فقال له: أنا عايزك تفرد رسومات حجازى على أربع صفحات.. وخد منهم واحدة على الغلاف ونظر إلىّ وقال لى: تشرب إيه يا أبو الحجز !!.. بالطبع بعدها توقفت أكثر من ثلاث سنوات عن الرسم.. ليس لأن حسن فؤاد تعامل مع الرسومات بهذه الطريقة، بالعكس.. ما فعله حسن فؤاد.. أفضل احتفاء يمكن أن يحظى به فنان.. ولكن ما جعلنى أتوقف هو أن حسبة الكاريكاتير اختلفت.. وأصبحت رسومى مادة للفكاهة تزين معها صفحات المجلة.. وأنها عاجزة حتى عن أن تغير الواقع.. أو حتى تغير مفهوم رئيس التحرير الذى توقعت أن يرسل فريق عمل من قسم التحقيقات لعمل ملف للفساد فى المجمعات الاستهلاكية.. فأدركت عدم جدوى رسومى فتوقفت.

فسألته: والمرة الثانية.. فقال: المرة التانية عندما كنت أعمل فى جريدة الأهالى وكان سقف الحرية قد ارتفع كثيرا عن الرسم فى مجلة صباح الخير وروزاليوسف.. ولكن بعد قليل اكتشفت أننى أكثر براءة منهم فى جريدة الأهالى.. فاعتذرت عن مواصلة العمل.. فسألته: كيف هم أقل براءة منك؟ قال لى ساخرا: وأنت أيضا أكثر براءة منهم.. وإلا ستكون أكثر سذاجة.. وأنا أعرف جيدا أنك لست ساذجا إلى هذا الحد.

 

الحديث عن حجازى ذو شجون وهو لا ينتهى ولكن كنا جميعا نضحك على رسومه ونستمتع بها.. ونحتفى بنشرها فى كل مكان.. ولكننا جميعا لم ننتبه إلى أنه كم كان يتألم مرة من الواقع ومرة من المرض ومرات عديدة من الإحباط الشديد الذى عاشه جيله وجيلنا أيضا، فنحن أبناء ثورة يوليو التى كنا نشعر دائما بأنه لدينا مهمة وطنية وأننا مهمون.. وسنكون الحدث القادم الذى سيغير الواقع.. ويرفع الظلم على حد تعبير حجازى نفسه.. ولكننا ظلمنا جميعا ولم يتغير أى شىء.. أما (الحدث القادم) فلم يكن لنا بل كان للصوص والفاسدين والداعرين والقوادين فى السياسة والحياة وإلى أن نلتقى يا صديقى العزيز.. فليكن العالم فى مثل جمالك.. وعطائك العظيم.

                        عرض وتقديم

                           الخبير الإعلامى

                             فاتن التهامى

تعليقات

تعليقات

عن همسه

فتحى الحصرى صحفى فنى ومصور فوتوغرافى محترف ..الصورة عندى هى موضوع متفرد قائم بذاته والكلمة هى شرف الكاتب هكذا تعلمت من اساتذتى فشكرا لكل من تعلمت منهم

شاهد أيضاً

ألفْتُكَ حُبٍّا..قصيدة للشاعرة / وردة ايوب عزيزى . الجزائر

ألفْتُكَ حُبٍّا تعاتبُ روحًا وتهجُر قلباً فلستُ الضعيفَ وأنتَ المُلام تعاتبُ عِشْقاً وتُنْكِرُ وصْلاً ووجد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *