الرئيسية » مسابقة القصة القصيرة » خطيئة .مسابقة القصة القصيرة بقلم / خديجة نرجس زيدان من الجزائر

خطيئة .مسابقة القصة القصيرة بقلم / خديجة نرجس زيدان من الجزائر

الإسم : خديجة نرجس زيدان .
البَلد : الجزائر .
البَريد الإلكتروني : nono.001z@yahoo.fr .
قصّة قصِيرة : “خطِيئةٌ” .
ــــــــــــــــ
ثمّة حُزنٌ صَغيرٌ يَجُوبُ المكَانَ فِي صَمتٍ ، يَجرُّ خَلفَه قَبيلَةً مِن الوَجَع ، يَعبَثُ بِملَامِحِ الحيَاة وَ يَكتم أنفاسَ صِغارِ الفَرَح . ثمّة شَيءٌ يتفكّك في الداخِل ، زَهرةٌ تَذبل في القَلب وَ لَا بذرَة تنمو بدلًا منهَا ، شَمعةٌ تَذوب دون أن تُضيءَ المساحات المُظلِمة ، وَجهٌ بَريءٌ يَحترق فِي العتمَة وَ هِي ؟ هيَ عاجِزةٌ عن مَنع كلّ ذلكَ الدّمار ، هي فَقط تُراقبه بِانكِسار ، تَلتَقِط الشظايا المُتراميَة وَ تجمَعُ الرّمادَ المُتناثِر حَولها لَعلّ حياةً أُخرى تَنبعِث منه .
جَسدُها بِطاقةُ هويّة وَ هذَا الوَكرُ المُختنِق بِرائحة السجائِر وَ المشرُوبات الكحوليّة تَخترقهَا بقايَا أنفاسِ رِجالٍ استَنشقُوا عَبِير شَبابِها لِيزَفرُوا نَواياهم المُتعفّنة وَ يَنفثُوا ذُنوبَهم علَى صَدرِها ، هوَ مَوطِنُها .
جاثيَة على سجّادَة الصّلَاة تنظر إلى الأعلَى ، إلَى مَا فَوقَ سَقفِ الغُرفَة الموبوءَةِ بِالفسَاد ، إلى ما فَوق السمَاء اللّامُتناهية ، إلى حَيث تُقاسُ قِيمةُ الأشيَاء بِجَوهَرِها لَا بِمَظهَرِها ، بِبَاطِنِها لَا بِظاهِرِها ، بِقَلبِها لَا بِقالبِها ، بِنَواياهَا لَا بِصُوَرِها ، بِذَاتِها لَا بِأسمائِها وَ انتِماءاتِها. تَرفعُ يَدَيها مُناجيةً مَن لَا ترَاه وَ لكنّها تعلمُ بِوجودِه وَ مُتيقّنة من أنّه يراهَا ، تَرجُو مَغفرةً ، عَفوًا ، إجابةً .
توشكُ على البُكاءِ وَ لكنّها تخجَل مِن فِعل ذلكَ لِعلمِها أنّها أسوأ مِن أن تَبكِي بَين يَديّ الله ؛ هيَ التي تَهرَعَ إلى التَوبَةِ كلّما مَرَّتْ بِخاطِرهَا صُورةٌ ضَبابيّةٌ من الماضِي تَحملها على مُحاولةِ إيجادِ صُورةٍ أكثَر وُضوحًا تُمكّنها مِن مَعرفة مَن تكُون وَ مَا الذِي جَعلهَا ما هيَ عَليه الآن ثمّ تعُود إلى خطَاياها وَ معصيّتها كلّما هدأ نَبضُ السؤالِ فِي قَلبِها وَ خفتَتْ شُعلةُ فُضولِها . هِيَ التِي جَاءَتْ مِن العَدَمِ وَ دُفِعَتْ قَسْرًا خارِج طَريقِ الاستقامةِ لِتَنحرفَ عنها بَعدمَا شَطَبَهَا العالمُ وَ أُغلِقَتْ أبوابُ الفضِيلةِ فِي وَجههَا مجهُول المعالِم فَاحتَضنَتْها أَذرُع الرّذِيلَة وَ ضمّتهَا إليهَا بِحرَارة وَ مَنحتْها مَلامِحَ معرُوفة . هيَ التِي لَا تُعرَّف إلّا بِمهنَتِهَا وَ لَا يَكون لهَا وُجودٌ فِعليٌّ في هذَا العَالمِ إلّا حِين تخلَع ثِيابَها وَ مَا ان تسترَ جَسدهَا حتَى تصِيرَ عَدمًا . هيَ الضئيلَةُ جدًا فِي عيُونِ الآخرين ، اللّاشَيء وَسط الكثِير مِن الأشيَاء ، تؤمِنُ ، على سجّادة الصلاة فَقط ، بِـ أنّها كَبيرةُ في عَين الله وَ “كَائِنة” .
تتأمَّلُ الغُرفةَ بِشَيءٍ مِن الأسَى وَ تُدقِّقُ النَظرَ فِي كُلّ الأغراضِ المُتراميَة حَولهَا بَاحِثةً عَن شيءٍ يُحفّزُ عقلَها الباطِن وَ يُوقِظ الجُزءَ المنسِيَّ مِن ذاكِرتهَا وَ المدفُون فِي اللّاوَعي وَ لكنّ الأشيَاءَ هنَا لَا تشِي بِأكثَر مِمّا تَذكُره هيَ سلفًا وَ يتوقّفُ عندَه شريطُ الأحداثِ المُخزّنةِ في وَعيِها .
“ماذَا قَبل ذلك؟” تُخاطِبُ نفسهَا مُتسائلَةً ثمّ تَشرد مُحدِّقَةً فِي الفراغ ، تُحاوِلُ الإمساكَ بِخيُوطِ ذاكِرةٍ مُهترِئة لعلّهَا تَظفِرُ بِمَا يَشرحُ مَاضِيها وَ يُفسِّرُ حاضِرها .
اليَدُ نَفسهَا التِي امتَدَّتْ ذَات طفُولةٍ إلى العَالَم فَتعفّف عَنها وَ بَترَ براءَتهَا وَ وَصمهَا بِالعارِ وَ لقّنهَا أن لَيس مِن حقّها أن تمتدّ إلى مَخلُوقٍ ، هيَ اليَوم بِكامِل تشوّهها ، دَنَسِها وَ ضَعفهَا مَمدُودةٌ إلى الخالِقِ مُتيقّنَةٌ ، يَقينَ الأنبيَاء ، مِن أنّه لَن يردّها فارِغةً بَل سَيتقبّلها .
الطِفلةُ اليَتِيمةُ التِي أَدرَكَتْ مُبكِّرًا أنّ عَليهَا أن تُقدِّم جَسدهَا وَليمةً لِلعابِرِين لِتَأكُل ، وَ تَخلَع مَلابِسهَا لِتَلبَس ، كَبرتْ وَ ذَنبٌ لَم تَرتَكِبه كَبر معهَا وَ الْتَصَقَ بِها حدَّ التوحّد .
تَدفنُ وَجهَهَا فِي كَفَّيهَا لِكَي لَا تُبصِرَ الفاجِعة ، لِتفرّ مِن الوَصمةِ اللصِيقةِ بِها وَ لكن كَيف تَفرّ مِن شيءٍ صارَ جزءًا منهَا ، كَيف تتملَّصُ مِن نَفسهَا .. كَيف تَهرب مِن الخطِيئَةِ وَ هِيَ الخطِيئةُ ؟
تَشعر بِأنّها تهوِي إلَى الحَضِيض حَيث لَا يُمكن لِأحدٍ أن يَنتشلهَا ، تَرفعُ رَأسَها إلى السماءِ مُجدّدًا ، تَشهقُ وَجعَهَا لِـ تَزفره صَرخةً تَهزّ أركانَ رُوحِهَا .
تَصرخ كَمَن يَعتَذِرُ مُدرِكًا أنّ جرِيمتَه أكبَر مِن أن يَمحوَها اعتِذارٌ ، كَمَن يُبرّر خَطِيئَته بِخَطِيئَةٍ أَسبَق ، كَمَن يَستجدِي رَحمةً تَسعُ ذَنبه العَظِيم ، كَمَن يحَملَ وِزرَ العَالَمِ على عاتِقه ظُلمًا :
“أنَا لَقيطةٌ أيّها العَالَم .. أنَا لقِيطةٌ يَا الله” !

تعليقات

تعليقات

عن همسه

فتحى الحصرى صحفى فنى ومصور فوتوغرافى محترف ..الصورة عندى هى موضوع متفرد قائم بذاته والكلمة هى شرف الكاتب هكذا تعلمت من اساتذتى فشكرا لكل من تعلمت منهم

شاهد أيضاً

سخرية القدر . مسابقة القصة القصيرة بقلم / أمينة بريوق من الجزائر

سخرية القدر:   هي و هو . أمينة بريوق..الجزائر      هي ، كانت بحيرة راكدة لم …

26 تعليق

  1. مبدعةٌ كعادتكِ.. دمتِ متألّقة! ?

  2. قصة صغيرة بمعاني كبيرة و عظيمة
    في قمة الابداع ?

  3. قصة رائعة واسلوب اروع ..

  4. لطالما كنت أرى الأشياء بمظهرها، ولا أبصر لبّ ما تضمره، واليوم صرت أرى كل ما تعني، وعلمت أن الحياة أعمق من مجرد ما نراه ونشتهيه..

    وقد تعلمت من الكاتب الكثير..

    قصة أرى فيها تفلسف الناسك بحكمته، وشعر الشاعر بجمال لفظه ورفعة معانيه.

    عميقة ورائعة.

  5. وفقك الله يا مبدعة ??

  6. رقص اللغة على جرح مفتوح، أجدتِ..

  7. كيف تهرب من الخطيئة و هي الخطيئة ؟
    ابدعت 🙂 كما عهدناك دوما قصة رائعة

  8. كلمات تلتصق بالفؤاد التصاقا من الاعجاب .. بورك في اناملك يا نرجس !

  9. كتبتِ عن قضية مخفية ،عن خطيئة لم ترتكبها وتحملت عاراً ووزراً لم ولن ترتكبه طوال حياتها .. تمنيت لو أنها كانت أطول

  10. أسينات يوسف

    جميلة وصارخة ..حد البكاء *خاصة النهاية اللافتة والمؤثرة ..مزيدا من التألق عزيزتي
    يقول الشافعي :
    ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلتُ رجائي دون عفوك سُلَّما

    تعاظَمَني ذنبي فلما قرنتُهُ * بعفوك ربي كان عفوُك أعظما

    فما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزلْ * تجود وتعفو منّةً وتكرُّما

  11. اسلوبك ,كلماتك,وطريقة سردك ,جعلت منك مبدعة

  12. دمت متألقة

  13. A very impressing way to discribe some of our world’s complexity and injustice, and so the complications of this life… personaly, i loved it (y)

  14. و أنا أقرأ هذه القصة الجميلة شعرت و كأني في عالم آخر مع أن المعنى عميق و في بضعة أسطر لكن المضمون أو المفهوم كبير جدا و لا يستوعبه إلا العباقرة. حقا أنت مميزة في أسلوبك و كتابتك.
    أتمنى ان تحظي بالتشجيع و المزيد من النجاح إن شاء الله وفقك الله
    Fin de la discussion

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *