أخبار متنوعة

قصة : حظ سئ .مسابقة القصة القصيرة بقلم / رشاد رداد . الأردن

حظ سيء
القصة القصيرة

إذا أردت أن تصل ” كحلة ” فما عليك إلا أن تصعد في تلك الشاحنات القذرة المعدّة أصلاً لنقل الماشية ، وما عليك إلا أن تلتهم صوتك الجريح بصمت ، وترسله مادة عسرة لمعدتك المنخورة بديدان التواطؤ والتخلف ، وتفتح فمك للغبار والدخان وأشياء أخرى ، وأنفك ليبتلع تلك الروائح التي خلّفتها المواشي في بطن هذه الحافلات .

من كان ينظر في وجوه الرجال المقذوفة بالطعنات والمؤامرات يراها تبكي بلا دموع ، تموت بهدوء مخيف .

إذا ما ودّعتْ عيوننا ” الشوكة ” المزدحمة بالفوضى وبالأصوات المذبوحة ، حتى تظهر لك بيوت شبه مدمّرة من الطوب والصفيح ، هادئة كمقبرة تحرسها كلاب ضالّة تنتشر على جنباتها .

اقتربنا من بيتها الموبوء ، البيوت كانت شبه نائمة ، وصوت شخيرها الذّبيح يعطيك مدى الفجيعة والوجع البشريّ المدفون في تلك البيوت المترنحة .

رجال ذابلون ، مريضون بالأمل ، ونساء مقتولة الرغبات ، وكم تحس بالتعب الإنساني المجّاني ، وبالظلم الذي يفرضه الوجود على هذه الفئات المضطهدة .

قرب استراحة ” الورود ” كان هناك مقهى صغير ، تديره امرأة مع بناتها فيما كان الزوج مغيّباً ، قابعاً في منزله المتفسخ .

سحبت كرسيّاً خشبياً وجلستُ ، أشعلت سيجارة ، ومرّ بخاطري ذلك الوجه القمريّ الذي كان مختبئاً في هذا المقهى العفن ، نسيت كل التعب وكل وجع الطريق مشيت باتجاهها

لم أُعر نظرات أمها الغضبى أي اهتمام

قلت لها : أنتِ من أتى بي إلى هنا

ابتسمتْ وغابت داخل المقهى الصغير

بلدة ” الشوكة ” قبور يلوذ بها سكارى ومتسكعون ، نساؤها جرار مفتوحة لكل الظامئين .

في ذلك اليوم كانت المرأة القاسية وبناتها في شاحنة صغيرة ، وقد حملوا مقهاهم الصغير بعد أن قرروا الرحيل لأمور غامضة .

جريت باتجاههم ، رفعتُ يدي ، صرخت ُ وعندما طواهم الطريق ، طرف الكحلة في عينيها قد أدمى فؤادي الجريح .

لم أكن أفهم معنىً لهذه المشاعر كما اللحظة اليوم

قرية ” الشوكة ” هجرتها الفراشات واعتزلها اليمام البري ، وأرغول الرعاة ، أصبح فزاعات ونباح كلاب جائعة ، والنساء فقدن كل أمل على هذه الأرض ، إذا كان ” على هذه الأرض ما يستحق الحياة ” .

عبرنا بيوتاً متلاصقة ، وقصيرة تضج بالفوضى ، وبأطفال تغوص أرجلهم بالوحل ، وبنساء تقرأ في وجوههن الكالحة كل مآسي الوجود .

قال أحدهم : إنه المخيم

وعلى أطرافه تترامى بيوت شعر وخيام مزركشة وبيوت طين وطوب إنهم الغجر .

توقفنا ، دخلتُ إحدى البيوت ، كان ينبعث منها صوت قهقهات أنثوية ، وضوء أحمر خافت يناسب الجلسة .

اقتربتُ من سيدتين كانتا تجلسان خلف الباب ، دخلتُ الى غرفة ملحقة بالبيت ، كانت فتاة تخفي وجهها بين ساقيها وشعر أسود يستر ما بقي من رجليها ، اقتربتُ بخوف وحذر

رفعت رأسها

وكانت المفاجأة ، تلعثمتُ لم أستطع الكلام

قالت بصوت مترجرج : لم أختر هذا الطريق

تذكرتُ وفتحت دفتر الذكريات على تلك الليالي الجميلات . فرّت من عيوني دمعات كالنار ،بينما كانت هي تعوم في بحر من الدموع

تركت الغرفة المظلمة سحبتها خلفي ، لقد كانت ذابلة كوردة أطفأت يناعتها مزهرية رخيصة ، كأنه حلم .

أخذتنا أقدامنا التائهة نحو مزرعة ” كحلة ” دون وعي ، كانت شبه ميتة . ما إن وصلنا البئر حتى تقافزت ضفادع وطيور ، كانت مختبئة في فراغات البئر المهجورة ، وتباعدت كلاب نابحة تاركة المكان لميتين جاءا يبحثان عن قبر لهما .

لقد رأيتك الليلة الماضية . كنت وحيدة كعروس البحر متوهجة ثم قفزتِ في البحيرة جريتُ خلفك لكنك تماهيتِ في الماء .

لم تتكلم . والدّيكة بدأت تستعد لإطلاق صيحاتها عندما ينسلّ أول خيط للفجر ، لمّا قالت : لن تراني أبدا

بدأت أقتفي أثرها على الرمال الخشنة ، أحسست بكل نخل المزرعة قد تكوّم على صدري الهرم .

بدأت بالصراخ بينما سيل جارف فجأة قد اندفع باتجاهي . عندما أحسست أني كبرت كثيرا .

فكّرت قبل هذه التفاصيل بكل هذه المتناقضات ، وكيف التصقت بذاكرتي الهشّة .

أسدلت الستارة على الشرفة المحترقة وعلّقت قميص الذكريات على مسمار العزلة المدقوق في جدار النسيان ، وتابعت مسيري حيث دخان الشرفة المتسلق نحو السماء .

قصة : حظ سيء

مسابقة القصة القصيرة
رشاد جودة رداد
الشهرة : رشاد رداد
الأردن
ت: 0795631848
الايميل: [email protected]
الوسوم

همسه

همسة هى مجلة كل الناس وكل الأعمار . المهنية والصدق شعارنا .ننقل الخبر من مصدره الحقيقى ونسعى دوما للتجديد من أجل القارئ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق