أخبار مجلة همسة

سعيدة جمال المغربية .أتمنى ان ينطلق صوتى من خلال مهرجان همسة القادموسط النجوم تكريم المخرج يسرى نصر الله فى مهرجان الأقصرعندما بكت ليلى علوى فى مهرجان الأقصرمحمد شرف يغادر العناية المركزة والأب بطرس دانيال يهديه آيات قرءانيةجانجاه ..شقيقة سعاد حسنى .ماذا بعد استغلال اسم شقيقتها الراحلةدار همسة للنشر تتألق بأكثر من 35 إصدارا فى معرض القاهرة للكتابوفاة الفنان أحمد راتب إثر أزمة قلبية مفاجئةوداعا زبيدة ثروت قطة السينما ورحلت صاحبة أجمل عيونمجلة همسة تطلق شعارها لمهرجان العام القادم ويحمل اسم سمراء النيل مديحة يسرىبالصور السفراء والفنانون فى احتفالات الإمارات بعيدها القومى بالقاهرةهام لكل الصحفيين الشباب والصحفياتاللمة الحلوة ” يحتفل بميلاد جارة القمر الـ 81الإمام الأكبر د. أحمد الطيب الأول عالميا فى قائمة أكثر المسلمين تأثيراألبوم صور مهرجان همسة الرابع كاملاخمس حلقان من مسلسل الزعيم على النت فى واحدة من أعنف عمليات القرصنة

ما لم تدونه ذاكرة الحرائق.مسابقة القصة بقلم / مهند يحيى حسن من العراق

Share Button
ما لم تدونه ذاكرة الحرائق
الظهور الأخير لأبي نؤاس البغدادي ( 1 )
_____________________________
مهند يحيى حسن – العراق
الايميل : [email protected]
نوع المشاركة : قصة
رابط صفحة الفيس : https://www.facebook.com/golden.skod
_____________________________
صمت ثقيل جاثم على جنبات الرصيف ، والطريق الأسفلتي المتهدل وسط بقايا تمثال تهشمت ملامحه ، جسده يتفصد عرقا ً .. سأجف حتما ً قبل وصولي .. اعتصر واجهة عمامته ليمسح عرقا ً ضايق رؤيته وعاد ليتطلع إلى الملامح المبعثرة عند نهاية الرصيف المهروس .
– ما أبشع أن يتغير كل شئ هكذا .. !
قبل لحظات كنت متواريا ً في دثاري ، أنعم بنوم هانئ متوسدا ً ذراع جاريتي الجديدة التي أهداها اليّ نديمي الرشيد بعد غزوته الأخيرة في بلاد الفرنجة ، إلا أن كابوسا ً مرعبا ً أقض مضجعي ، وجعلني أغادر ايقاعات أنفاسها الدافئة على حين غرة .. اللعنة على الأحلام ، وما تجره على أصحابها من ويلات
رفع رأسه الى السماء مبهوتا ً ، غاضبا ً .. كانت سحابات سود تتوالد وترعى بهدوء .
– فـ …ـآآآ ..سـ .. !
انتفض بشدة .. العقارب تتنزه في الليالي المتربة .. هكذا قالت جدته وهو صغير .. ذكريات بريئة تتواثب لتنقض على ما بقي في جسده المتعب.. كان يبكي عندما كانت تحكي له قصة لسعتها من قبل عقرب غادر .. لكنه كبر ولا يدري كيف انتقل سم الخوف من مرحلة الطفولة حتى مرحلة النضج.
انتفض لحركة لايعلم مصدرها إلا أنه أحس بدنو عقرب موت يتجه نحوه .
قبل قليل كان برفقة وزير الديوان ، وأخبره أن نديمه الرشيد سعيد بصحبته ، وأنه سيسر إليه بشئ لن ينساه طيلة حياته المقبلة ، لقد تحفز للقدوم مبكرا ً ليغرس مجساته في ناصية الوجع ويعود ليكمل تفاصيل بشارته مع صديقه المخمور.
– اللعنة على الأحلام ، وماتجره علينا من ويلات .. ألم تجد غيري كي تصطاد فرحته بسنارتها المزعجة ، وتحيل موائد الفرح المؤجل فيها الى مأدبة للعزاء
.. يالحظك العاثر ياأبا علي، لم تفترش يوما ً وسادة الفرح إلا وداهمتها دموع الكوابيس ، فما شأنك و تلك العربة المذهبة وبما تصطبغ به من ألوان قاحلة ، ترسم صورة موت مجعد مخفي بين عنق الحكاية ، وعنكبوت الزمن الجاثم فوق أوردة حلمك.
– الـ… فـ..ـآآآ..س..!
لم يستطع أن يرفع رأسه صوب السماء مرة أخرى ، وبخه شيخه في الكُتّاب على تبذيره حبر دواته وهو يحاول أن يتأمل نافذة كُتّابِهِ ِ المتهرئة ليخط من بين شعاع أجنحة حمامها الواقف عليها جملته الأولى
– ..ـلـ..ـب الـ..فآآآآآ .. س .. !
أكنت تظن وأنت تتفاجأ برؤية اسمك محفورا ً على حافة التمثال المقصوف ، أنك ستكون شخصاً مرموقا ً في المستقبل ، حتى تنتعل واقفا ً ما تبقى من حذاء الحكاية ، وتقف مكانه منتهزاً لحظة الفوضى التي عصفت بالموجودين حتى جعلتهم يتسابقون في صراع محموم لتهشيم أروقة بناياتهم الضخمة ، ونهب ما فيها من متاع وأثاث أتعبته يد من استهلكته مثلما هو واضح من آثار ماتقادم عليها من شروخ وخطوط ناعمة ، ثم ماهذا الذي كان يختبأ بين جنبات قدمه اليسرى .. هل كان صندوقا ً مذهبا ً موشوما ً بنقوش فضية .. لا أعلم .. فصرخات أحد الغرباء المتوسدين قطعهم اللاهبة فاجأتني حتى جعلتني أنفض مذعورا ً لأضيع وسط الجمع المتجمهر في وسط الطريق المحتقن
– ..جـ..ـلب .. الفآآآ .. س .. !
بعض بقايا ماتلفظ به هذا الغريب كان عصيا ً على الفهم ، حتى وأنا اتذكر بعض من مفرداتي الأعجمية التي كانت تتلفظ بها جدتي منذ صغري ، ولعل لفظة ( آي فاوند إت ) ذكرتني بأغنية فارسية الا أن لفظة( بوكس ) و (جاك ) الغريبتين ضيعت ما أردت أن أتذكره منها .. يا ترى ماذا كان يقصد ، وماذا كان يوجد في تلك العلبة المذهبة …؟!
– إ..جـ..ـلـب الفأس ..!
وجه والده القابض على فأسه بكل قوة في حقل مولاه البصري كان يرمقه بوجع مسترسل ، مدفون بلهاث قافية موؤدة … مات وهو يضع أنفاسه في الضربة الأخيرة
– اجلب الفأس .. !
الذبابة التي تجري في عروقه جعلته يدرك أنه سيسحق تماما ً تحت فأس القدر ، إذا هو لم يتحرك !
مخالفته لأمر والدته وهي تنهره ، وتأمره بالابتعاد عن والبة بن الحباب والجري وراء ملذاته الفانية .. شنيعة جدا ً
تحركت خطواته المعقوفة باتجاه إحدى الأشجار المعدنية ، المنتصبة على يسار الرصيف المهشم .. توقفت الحياة في داخله فجأة .. لايدري كم من الوقت مر ّ قبل أن تتدفق الدماء في عروقه كسيل هادر لتهدم سد الخوار من داخله
تراجع قليلا ً إلى الوراء .. اتكأ على بقايا الشجرة المعدنية التي لم يجد لها اسما ً ، نظر باتجاه قطعة الحجر التي أعثرته وأدمت كاحله الأيسر حتى جعلته يهدئ من خطوه مستسلما ً لعجلات صمته اللاهث .
قطّب حاجبيه … غير معقول .. وجه لأحد شخوص بني العباس
أحس بشئ يوهنه عن الوقوف ، إلا أن إرادة المفاجأة أذهلته وأمرته أن ينهض بالرغم من وطأة مايحس به من الآم ومشاعر متضاربة .. يتقدم صوب الرأس .. يتأرجح ماشيا ً ، حتى يتمكن من القبض على قطعة من فصّ عينه اليمنى ، تأملها بحذر ، ثم أخذ قطعة أخرى من عمامة الرأس ، المطعمة بنقوش طالما ألفها وتعودت عيناه أن تغازلها في كل سهرة ، حاول أن يتلمس بعضا ً مما أحاطها من تجاعيد وطيات متعجبا ً من دقة من قام بنحتها ، وكأنما صاحبها قد تم تحنيطه وتركه ليتحول مع ماتبقى من ملابسه وحليه إلى قطعة من الحجر .. دقة ماحملته من تفاصيل جعلته يغوص مع ذكريات أمسه ( القريب – البعيد ) متذكرا ً ألوانها وبريق الجوهرة المتربعة على أسفل الجبهة الموالية لغرة حاملها و……
– ماهذا ، هل هذه كلمات منقوشة على حواف الجوهرة .. أم أنها مجرد نقوش أخرى .. انها كلمات فعلا ً منقوشة بطريقة لايفهمها الا أهل ذلك الزمن .. ولكن ماذا جاء فيها : فأس ، كلكامش ، وحش .. ماهذا الكلام ..
مسح على ناصيته وأغمض عينيه قليلا ً ، ثم فتحهما بهدوء ، حاول أن يسترجع بعضا ً من أبجديات علومه التي برع فيها ، ليحاول أن يفكك جزءا ً من خيوط هذه الأحجية الغريبة ، وماهي الا لحظات حتى فغر فاه ، فالكلمات هنا –بالرغم من بعثرتها – واضحة ً جلية ، إنها تقول :- (( إذا كنت قد وجدت تمثال رأسي مهشما ً ، فأبحث عن الفأس التي غرسها كلكامش في عنق خمبابا وحش غابة الأرز ، قبل أن يُفتَح َ باب ٌ من أبواب الجحيم ويُنزل على هذه الأرض وحشا ً أعتى منه ، أو من ثور عشتار المجنح ، أو من كلب مردوخ الأعور ذي الرؤوس الثلاثة ، حارس بوابات الجحيم .. لا تتوجل ، فقد كُتِب َ كُل ذلك على ورق الغيب ، وطالعتنا إياه نجوم السماء من قبل أن ندق إسفين الحجر الأول لهذه المدينة ، وقد قمنا بتخبئتها هنا إلى أن يتمكن الشخص المسافر إلى أثواب الغيب من العثور عليها ، فإن كنت ذلك الشخص ، فلا تتردد في دك رأس هذه الشجرة التي ستنهض من أوردة البذور المخبأة تحت أقدام تمثالك ..أسرع ، قبل أن ينزل الغول الذي يظنه البشر ، أنه طعم الله الموشوم بحريته الموعودة على أيدي الأغراب القادمين من وراء البحر .. أسرع ولتحفظك كل قوافي الشعر ، وليالي السمر التي تنعم بالنوم في أعتاب ذاكرتك الصدئة ))
اندهش قليلا ً من عمق ما تفصح به هذه الكلمات الغريبة ، حتى اهتزت يده وأسقطت ما تحمله على بقايا فم التمثال القاحلة
فتح فمه قليلا ً ليتقيأ جزءاً من بخار الكلمات الصادحة بلعاب ما صادفه من متناقضات ، من لحظة نهوضه من أكتاف كابوسه وحتى سقوطه بين ثنايا فكوك خط استوائه .
حاول أن يتراجع لولا أن أصواتا ً أطلقتها حجارته الملقاة بين قدميه داهمت مسامعه .. لم يكن صوت ارتطامها بالأرض بل كان صوت آخر ، هل يعقل أن تكون معاقرته للخمر قد سلخت عنه الحكمة حتى تحول إلى إنسان لا يفرق بين صوت الارتطام والتأوه ، دس يده بين طيات عمامته علّه ينزع من أذنيه بقايا ذلك الصوت ، حاول أن يهز رأسه ليطفئ طنينه من قطرات الودق المتساقط على هضبته المنبعجة .. لم يفلح
-آه يا الهي ماهذا الصوت الوافد على عذرية مسامعي .. من أين يصدر .. كفى أتركني ، أرجوك .. لم أعد أحتمل
حركاته الهيستيرية لم تمنع الصوت من مداهمة أذنيه بصفيره المدوي ، تتلاقح الأفكار في ذهنه وتتوالد هديرا ً ينتشر بسرعة عاتية ، ومحلقا ً فوق سماوات تشظياته ، تحتويه غمامة من الأفكار الهستيرية تلقيه عند بقايا الفم المثلومة شفته ، بسقوط لثامه
– ما .. ماهذا .. هل هذا هو مصدر الصوت ؟!.. يا الهي أنه يؤلم
ملازمته لمسك صيوانا اذنيه لم يمنع الصوت من اختراقه
– يا ألهي .. هل أنا أحلم مجددا ً أم أنني لا أزال ملقى خارج بوصلة حلمي الأول ؟ ، أنقذني يا الله ..
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
أدعوك رب ِّ كما أمرت تضرعاً
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
إن كان لا يرجوك إلا محسن
فبمن يلوذ ويستجير المجرم
مالي إليك وسيلة إلا الرجا
وجميل عفوك ثم أني مسلم
– ههههه من ماذا تستجير يا فتى ، فأنا الذي تألم من آثار إلقاء جوهرة عمامته على شفته ؟ !
– من .. من أنت ؟؟!
– أنا بقايا التمثال الجاثمة تحتك ألم تعرفني .. ؟!
– ما .. ماذا ، تمثال يتكلم ؟ .. يبدو أنني قد جننت فعلا ً ، أو أكاد أجن ههههههه .. لقد جننت ، لقد جن أبو نؤاس ، يا شماتة كل قوافي الشعر التي قلتها ، وكل كؤوس الخمر التي قبلتها ، يا فرحة شعراء الأمين بهذه اللحظة .
– توقف عن هذيانك يا فتى وأسمع لما أقول فلم يتبق لك الكثير من الوقت .
– ماذا اسمع ، وهل بقي من أذني شئ يستطيع أن يميز شيئا ً بعد الصوت الهائل الذي نفثته فيه .. ثم من أنت ، شكلك مألوف عندي إلا أنني لم أتشرف يوما ً بالتعرف عليك ؟
– الآن لاتعرفني ، أيها المولى الهجين ، لقد كنت تستمتع بمجالس السمر عند وريثي الرشيد ، وتتنعم ببذخ قصوره ، وتسألني الآن من أنا ؟
– الرشيد .. وأين أنا من هارون ، ومن قصره الذي أحيط بأسوار من أبنية وعمارة لم أألفها ، حتى ضيعت ملامح الطريق الذي كنت أحفظه عن ظهر قلب ، من أنت .. هل كنت من رواد مجالس مولاي أمير المؤمنين ؟
– أنا أبو جعفر ..عم والده و جد زوجته ( زبيدة ) ، وباني هذه المدينة العريقة ، وقد هشم المغول الجدد رأسي كما ترى ، وهم يحاولون أن ينفثوا سمومهم بما تبقى من رئتي على هذه الأرض .
– أها ..
– ما بك هذه الأرض التي تقف عليها جزء مني ، وكل ذرة من ترابها تُشكّل خلية من خلايا خارطة جسدي المتعب .
– وماذا تريد مني يامولاي ؟؟ ! .. أنا الآن ضائع وشريد ، خارج حدود زمني الذي أعرفه .. ولا أعلم ان كانت عيناي ستطالعني بشئ من مباهجه ، أم أنها ستقصيني كما أقصت رأسك الى موانئ الوجع الجريح
– أريد منك أن تتشجع ، وتسرع في انجاز الدور الذي وكلت به منذ الأزل
– دور أي دور .. عن ماذا تتحدث يا سيدي ؟
– لا تخف .. هدئ من روعك ، لقد أنتخبتك هذه الأرض لهذه المهمة من قبل أن تولد ، فأحطناك برعايتنا وكلائتنا إلى أن جاء الوقت الذي ترد فيه الجميل ، وتقوم بدورك الذي رسمته لك يد القدر
– يد القدر .. انتخاب .. مهمة عن ماذا تتحدث ، يبدو أن دوي الانفجار الذي بعثر رأسك قد طير ما تبقى من أبراج عقلك المنتهك… !
– تأدب يا فتى ، واستمع لما أقوله لك ، فلم يبق أمامك متسع من الوقت
– إلى ماذا أسمع إلى هذا الهراء .. آدمي يحدث حجرا ً ؟؟؟ هههههه
يهزه صوت الدوي مرة أخرى حتى يعود ليسقطه ذليلا بين ثنايا الفم المتهدل
– اسمع … لقد وجدنا مخطوطة قديمة بين بقايا طوق كسرى ، الذي بنينا من حجارته هذه المدينة تخبرنا عن فأس مخبأة بين قصب الأهوار ، واعلمتنا عن ميزتها وعن من سيستخدمها ومتى فأخذناها وخبأناها حتى حانت اللحظة التي سيتم ايصالها الى حاملها ، فنفثنا في نفوس الحاقدين شيئا ً حتى يتجرَؤا ويحطموا هذا التمثال لنمكنه من الاستدلال عليها وتنفيذ ما رسم منه منذ الأزل
– لا تقل لي أنني هو الشخص المختار .. يالشماتة كل ماعلق في ذهني من علوم وفقه
– اسمع .. عليك أن تسرع ، فالشجرة التي سينبتها حفيد جاك من البذور المخبأة تحت قدمي تمثالك على وشك أن تنهض … هل كنت تظن بأن هذا التمثال قد وضعناه عبثا ً هنا ، أم أنك كنت شيئا ً ذا قيمة في وقت لم يمجد شعرك إلا ماجنيك .. يا لك من شخص مضحك فعلا ً ههههه .
– ها .. لقد تعجبت فعلا ً ، حتى قلت في نفسي ، من هذا الذي يجرؤ على اذلال اسمي بوسم هذه المدينة الطاهرة بواجهة رسمي .. ولكن ، عن أي بذور ، وأية شجرة تتحدث .. لم أفهم هذا الجزء من كلامك ياسيدي .
– عن بذور الشعوبية التي وصمت بها بعد موتك ، وبذور الاباحية والزندقة .. لقد جاء العابرون من وراء الشفق ليعيدوا احياءها ويغذونها بكل ما اعتمل في جوارحهم ، من كراهية وحقد ، حتى يَسِموا أولاد هذه الأرض بأختام النخاسة على جباههم بحجة أنها (( حرية لديمقراطية موعودة ))
– (( ديمقراطية )) لا اعرف عن ماذا تتحدث ياسيدي ، هل نسيت أني من زمن آخر .!
– لا عليك ، فلايهم ان كنت تفهم جزءا ً مما أقوله أم لا ، المهم أن تبحث عن الأداة التي خبأناها تحت مفاصل عنقي كي تهشم بها ما يحاولون غرسه .. أسرع قبل أن يحصل المحذور وحينها لن نستطيع أن نفعل شيئا ً .
– أداة .. أي أداة ؟
– ما بك .. الفأس المذهبة التي قرأت عنها في الكتابة المنقوشة كطلسم حول جوهرتي .. أخرجها ولاتضع الوقت بسؤالاتك الفارغة ..ولكن احذر من أن تظهرها أمام أي شخص إلى أن تصل ، فهي شئ ثمين ، وقد يقتلك الواقفون حولك طمعا ً في قيمتها .
– أمرك ياسيدي
– أخرجها .. وأعلم أنك ستدخل حلبة التاريخ وتنال عظمة لم تنلها طيلة حياتك المزعومة في قصور أولادي
حاول أن يوقظ عيون أصابعه وهو يشرع بتقليب الأحجار المتكتلة على ضريح الرأس المهدم
أصداء صوت والدته وهي تحثه على الخروج من القبو المنعزل ، يخالط شبقه للعثور على عنق الفأس المدفونة
تطالعه غمامة سوداء تتشكل في منتصف المسافة بين تمثاله وقصر الخلد
يأمره الرأس بالإسراع .
تقع عيناه على عجلات مجنزرة مفتوحة ( الفوانيس ) في وضح النهار ، وعلى أشخاص مدججين بمعادنهم اللاهبة وهم يغرسون شيئا ً في رحم الأرض ويسقونها من جثث جماجم َ مشطورة من النصف ويرددون عبارات غريبة مصحوبة برقصات تشبه حلبات القرود
((- ما بالك ياأبا نؤاس لاتضحك .. الا ترى هذا الأعجمي وهو يرقص ويراقص قرده الأحمر
– أعذرني يامولاي ، لقد أهمني أمر جاريتي الحبلى ، وأنا أخاف أن تدهمها لحظة الطلق ولاتجد من يأخذ بيدها أو يسقيها شربة ماء
– لا تخف يا أبا نؤاس .. وأضحك فاليوم (( سمر )) .. وغدا ً (( أمر ))
– نعم يا خليلي اليوم سمر وغدا …..)) بدأت الأرض تهتز وصراخ الرأس له بالأسراع
ظهرت سيقان خضر سرعان مأصفرت حتى اسودت وبدأت تتسارع في الصعود كأذرع أخطبوط عملاق وهي تنث من بين مساماتها دخانا ً أسود ، انقطع الجمع عن الانسياق في هذياناتهم وبدأت العربات المصفحة بمغادرة المكان وهي تردد بأبواق تشبه الحلازين
Came to your Destiny
Came to your Freedom
Ha ha ha ha
وبين هذا وذاك تتسارع الأذرع الخشبية بالتصاعد نحو الأعلى وسط صرخات الرأس ، داعيا ً أبا نؤاس للأسراع في البحث عن الفأس الذهبية ليوقف نهم الغول في الهبوط ، ويفلح في إسقاط هوية الهبة الغريبة ، التي يحاول أن ينزلها الغرباء من أعالي قفصها السماوي المغلق.
*********************************************************************
هامش :-
( 1 ) جاء في مخطوطة ضائعة من كتاب ألف ليلة وليلة تم العثور عليها مدفونة في سرداب غرائبي عند باب الطلسم في بغداد مايلي:
{ فلما انقضت الليالي الألف جلس شهريار متضجرا ً كعادته التي دأب عليها منذ مايقارب الثلاث سنوات من ألعوبة جاريته شهرزاد ، ونادى على سيافه مسرور لينهي الأمر ويعود ليعدّ العدّة لزواج جديد ، الا أن فطنة شهرزاد الحكيمة باغتته بفكرة جديدة تحسم الأمر وتعيده إلى نصابها حيث راهنته على حكاية جديدة وغير مطروقة وعلى نوع لم يتعوده خلال الليالي المنصرمة واشترطت فيها ان كانت لا تتسق ومستوى الطروحات المعهودة في بقية الليالي فسيكون لها الحق في تولي عرش قلبه إلى الأبد ، وأن يطلّق فكرة زواجه وبطشه ببنات جنسها ويسرّح جلاده مسرور من خدمته وينقله إلى دار من دور رعاية العجزة في مملكته المترامية ، وافق شهريار بكل سرور مستمتعا ً بتوغله في هذه اللعبة التي لم يبدو أنها ستصل الى نهاية النفق من يوم بدأتها جاريته الحكيمة قبل ثلاث سنوات .
تربعت شهرزاد على ناصية كرسيها المدور الذي يتوسط غرفة نومها وجلس شهريار بجانبها ، وشرعت تردد لازمتها المشهورة التي عودتنا عليها مدى لياليها الألف وليلة واحدة
قائلة ً :
– { بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد } أن أبا نؤاس الشاعر رأى في منامه أنه واقف بجانب عربة مكتوب عليها لافتة (( كليري )) القدر، وأطلع على لوحة في الغيب لبغداد ..درة المنصور وجوهرة الرشيد مكتوب عليها غورنيكا بغدادية ولاحظ مافيها من تفاصيل مؤلمة وألوان غامقة فقام مفزوعا ً وشرع يلبس ثيابه ، وفتح بابه الذي أصابه الصدأ وأحاطت به حفنة من عناكب ذاوية ليذهب الى قصر نديمه الرشيد ، ويقص عليه رؤياه الغريبة في ليله العجائبي الا أنه تفاجأ بالزمن الذي انتقل اليه من زاوية مغلقة في سماء حلمه الدامي ، وبما رآه قد تجسد أمامه من قتل ودمار وسلب وخراب فأنبرى ليبحث عن قصر سيده في وسط الدخان والسنة اللهب المتصاعد من كل مكان ، وها هو يصول ويجول بحثا ً وتمحيصا ً حتى وصل الى شارع أبي نؤاس ووجد تمثالا ً مقصوفا ً يحمل إسمه فتعجب لوهلة من الزمن فهو لم يسمع بأن احدا ً مجد شعره قبل ماجنيه ليَسِّم احد شوارع مدينته بأسمه او نصب عربدته وسكره وماهي الا لحظات حتى وثب على ما تبقى من النصب واعتلى ناصيته وملأ كأسه بما تبقى في جعبته من خمر ذكرياته الجميلة وشرع ينشد ترنيمته الأخيرة :-
ياغارقا ًفي دُجى الفـَوضى بمنْ تثق ُ؟
والكـون ُحَولك بالأحقاد ِيَحتـرق
والظلم ُمنفلت ٌوالناس ُمُســــــرفة
إنْ لمْ تجد سببا ًللظلم ِتختلــــــق
وأُقصي الحَّقُ من دُنياك َفأحترقت
حتى استبدَ على شطآنــــها القلق
تقاذفتك خـُطـــــــى البلوى مُعربدة
وأمعنت ْفي بقايا الصَبر ِتخترق
حَملت َبينَ جفون ِالأمنيات ِقذى
فكيف َتهنأ ُأحلام ٌوتنعتــِـــــــق
تبيت ُتسْكِب ُفي سَمع ِالدُجى ألما
فيُولدُِ البُؤس ُلحنا ًهَدَه ُالطـَــلقُ
تسير ُفي طرقات ِالشك ِمنكفئا
يَلوكـُكَ الهَّم ُبالأحْشاء ِِيلتصـــق
كم ْمُجرم ٍبات َلا تخفيه ِأقنعة
ودَب َّبالموت كالإعصار ِيَنطلق
يريد ُأن ننحني قهرا ًلطاغــية
وأن يمزقنا عِلــْــــج ٌفنفترق
أنت َالقتيل ُوذِكرى الموت ِباقية
يا موطني طوحتنا بالأســى فِرَق
نغوص ُفي زمن ٍيلهو فيصرعنا
وفي سطــور ِالأماني يُثلِجُ الأرق
كلُ الترانيم ِبالأوجاع ِمثقــــــلة
يَحِفـُها الشؤم ُوالأشباح ُوالنزق
عَناكِب ُالشك ِما زالت ْمُعشعشة
وما تزال ُبها الأحلام ِتـُــسترق
ماتت ْعلى الرمل ِأصداءٌ تنادمنا
فكِدْت ُمن حَنق ِالأحداث ِأختنق
وحُطِمَتْ في زوايا الصبر ِمركبتي
ودَمدَمت ْأغنيات ٌجُلــُّـها الغرق
على شواطئ ِذكرانا قد ْإنقرضت
أحلامُنا وأستفاقَ الحزن ُوالقلق
تلبدت ْفي سَماء ِالعُمر ِقافيتــــي
فأعولي في دُروب الحُزن ِياطرُق
قاطعها شهريار قائلا ً:
– ها وماذا حدث بعد ذلك
فأجابته قائلة :-
ارتشف شيئا ً من نخبه المرير على أنخاب الألم المعتصر ، وقبل أن يفكر بوضعه جانبا ً
لاحظ وجود شئ يلمع تحت حافة القدم اليسرى للتمثال المهشم ، حاول أن يمد اليه يده لولا صراخ أحد الغرباء المتوسد لقطعة معدن لاهبة ، سَمِعَه ُ يصرخ (( وجدناه .. وجدناه .. هلموا الي هنا .. لقد وجدناه .. اين أنت ياجاك كي تحمل هذا الصندوق ، وتخرج حبات الشجرة المقدسة ، كي نعيد بعثها من بعد حين ))
فما كان منه الا أن هب قافزا ً وأنطلق يركض ويهرول بين الشوارع المكنوسة بنكهة الوجع وشبابها كما هم في هرج ومرج بين تهشيم واجهات لبنايات ضخمة وبين الاقتتال على حمل أكبر كمية ممكنة من الأشياء المتناثرة على واجهات الأرصفة والشوارع ، وبينما هو يركض تعثر بمقدمة وجه ِ تمثال مألوفة ملامحه شيئا ً ما ، ظل ينظر اليه ، فملامحه شبيهة بملامح أسياده من بني العباس .. أيعقل أن يكون أحدا ً منهم قالها في نفسه
ثم تقدم صوب الرأس بحذر وأخذ يقلب أحجاره المتناثرة هنا وهناك، حتى عثر على كتابة تعرف عليها حالما رآها ، مكتوب فيها (( اذا كنت قد وجدت تمثال رأسي مهشما ً فأبحث عن الفأس التي أودعها كلكامش في رقبة ثور عشتار السماوي قبل أن ينفتح َ باب ٌ من أبواب الجحيم وينزل على هذه الأرض وحش ٌ أشد ضراوة ًمن خمبابا ، وحش غابة الأرز وثور عشتار ، وتنين مردوخ الأعور ، لا تتوجل فقد كتب كل ذلك على ورق الغيب وطالعتنا به نجوم السماء من قبل أن ندق أساس الحجر الأول لهذه المدينة ، وقد قمنا باخفائها هنا الى أن يتمكن الشخص المسافر الى تخوم الغيب من العثور عليها ، فأن كنت ذلك الشخص فلاتتردد في دك رأس هذه الشجرة التي ستنهض من البذور المخبأة تحت أقدام تمثالك .. أسرع قبل أن ينزل الغول الذي يظنه البشر أنه طعم الله الموشوم بحريته الموعودة على أيدي الأغراب القادمين من وراء البحر .. أسرع ولتحفظك كل قوافي الشعر وليالي السمر التي تنعم بالنوم في أعتاب قصور ذاكرتك الصدئة ))
اندهش أبو نؤاس من هذه العبارة المكتوبة فحاول أن يقلب شطر الوجه المهشم تحت قدميه ، واذا بفم التمثال ينطق ويقول ، أسرع يا أبا نؤاس قبل أن يهشموا مدينتي وعاصمة ملكي مثلما هشموا تمثالي .. أما زلت هنا .. أسرع قبل فوات الأوان .
قفز أبو نؤاس من غشوته وانطلق يبحث عن الفأس المخبأة في عنق التمثال وبعد وقت ليس بالطويل ، عثر عليها فحملها بسرعة وأنطلق مسرعا ً باتجاه غمامة بدأت تتشكل في منتصف الطريق ، لاحظ أن أحد المدججين بالسلاح يسقيها من جمجمة مشطورة من النصف وهو يلوك عبارات غريبة ، بدأت الأرض تهتز فظهرت سيقان خضر سرعان ما أصفرت حتى اسودت وبدأت تتسارع في الصعود كأذرع أخطبوط عملاق وتنث من بين مساماتها دخانا ً أسود َ ، انقطع الجمع الواقف عن الانسياق وراء هذياناتهم وبدأت العربات المصفحة بالرحيل وهي تردد هلموا أيها المظلومين الى حريتكم المنتظرة ، وبين هذا وذاك تستمر الأذرع الخشبية بالتصاعد نحو الأعلى ، فأنبرى أبو نؤاس بالركض هنا وهناك وهو يحمل فأسه المذهبة ، فرآه الجمع الواقف وتسارعوا بالركض خلفه علهم يظفرون بالفأس منه بدلا ً من الجرار المهشمة وأثاث البنايات المنتهية
انطلق أبو نؤاس غير مبال ٍ بالجمع الزاحف نحوه ، وهرع يضرب هنا وهناك على اللحاءات المكسوة بلعاب بارودي أسود ، والجمع يتقدم نحوه
وبينما هم في غفلتهم ، اهتزت الشجرة ولمع برق نازف من مجاهيل الغيب
فأرتبك الجمع وانفض ُ وأبو نؤأس يضرب هنا وهناك حتى سقط عليه الجذع المنتصب دون أن يسمح بهبوط الهبة الغريبة التي حاول أن ينزلها الغرباء من أعلى قفصها السماوي المغلق
Share Button

تعليقات

تعليقات

همسه 2016/03/23 10:59م تعليق 0 356

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *