مسابقة القصة القصيرة

محَاولةٌ للنّسيانْ..مسابقة القصة القصيرة بقلم / محمد بوثران من الجزائر

محمد بوثران
الجزائر
+213797138623
مجال القصة القصيرة
عنوان القصة:محَــاولةٌ للنّســيانْ..

أشعل سيجارة و راح يستنشق دخانها ببطء، متأملا خيوط الدخان المتصاعد منها.. هو لا يذكر متى دخّن أول سيجارة، رغم أنه موقنٌ أن علاقتهما ببعضهما البعض تعود لأعوام مضتْ. لأيام الثانوية ربما، عندمــا وقع في الحبّ أول مرة.. كانت ‘خولة’ أكثر من مجرد شابة جميلة يتهافت عليها الشبان، فهي مع جمالها تحمل مسحة من الطيبة و العفوية في التعامل مع الجميع، رغم أنها بعض الأحيان تغرق في بعض كبريائها.. يحدث ذلك عندمـا تشعر أن هنالك ضحية جديدة تقع في حبائلها، فهي ككل أنثى تحسّ بانتعاش أنوثتها كلّما شعرت بعينين باردتين تتربصان بها.
لا يستطيعُ تجاهل ماضيه الذي يحثه دائما على التدخين، هو لا يدخّن إلاّ لينسى ذكرى حزينة راودته، أو حادثٍ جلل وقع له.. في الحومة التي يسكن فيها، تستند الأجساد التي تصدأ ببطء شديد على جدران المسجد الذي لا تكاد تُأدى الصلاة فيه إلا أيام الجمعة و الأعياد.. من هنا تمرّ قوافل الجميلات. لقد أخبره علي أن خولة تسلك هذه الطريق كلّ مساءٍ عائدة من عملها، لذا قرر أن يتنازل عن كبريائه قليلا، و يحتلّ مكانا له عند الجدار.. نعم، هو يعلم أن من الغباء ملاحقة فتاةٍ كان يوما كل تاريخها، راودته و راودها، اشتهته و اشتهاها.. تجبره هذه الفكرة على تدخين سيجارة أخرى، يشعلها من تلك التي بين أصابعه، و التي انتهت مدّة صلاحيتها، كما ستنتهي مدة صلاحية الأخيرة بعد دقائق معدودات.. كان يعلم أن ثلث الجثث الملقاة على الجدار تنتظر مثله في شغف الأحياء مرور حسناواتها.. يزداد تسارع نبضات قلبه الضعيف، و ترتعش ركبتاه، حتى تكاد تعجز ساقاه عن حمله.. تمر أمامه بمعيّة رفيقاتها، لم تتغير إطلاقا، فهي لا تزال كما كانت في الماضي تحرك يديها في جميع الاتجاهات عندمــا تتحدث.
تمنى لو تلتفت إليه، تبتسم لــه، و يبتسم لها.. لو يعتذر لها عن خلافهما قبل سبع سنوات، ذلك الخلاف الذي نشب لسبب تافه، فكان كالحصى الذي بسببه هلكت المدينة البيضاء، أو كالقطرة التي أفاضت الكأس.. لم تكن مدينة بيضاء و لا كأس ماء، كانت شيئا آخر.. هو متأكد أنها كانت كذلك. تمنى أن يتنازل عن آخر ذرة كبرياء تعتصر قلبه، فيناديها بأعلى صوته -خولة- لكنّ عزة نفسه تمنعه من ذلك.. يرتفع صوت آذان العصر، فيجرّ جسمه النحيف وراءه، مرغما إياه على ولوج باب المسجد الواسعة، يستحضر قول الشاعر “قل للمليحة في الخمار الأسود..سمّرتِ رجلي عند باب المسجدِ” يلعن الشيطان، ثم يفتتح طقوس عبادته اليومية.. بعدمـا يسلّم من صلاته، يسند ظهره إلى الحائط، و يجلس للذكر على غير عادته، و كأنه يدخّن ابتهالاتٍ تختلط مع جملة لا متناهية من الأفكار الشيطانية التي تراوده من حين لآخر. بدأت بعض الذكريات المبعثرة تجد مكانا لها داخل رأسه الصغير، الذي يكاد ينفجر.. يسمع صوتها الأنثوي العذب يهمس له باسمه..منيرْ، منيرْ.. ينتشله هذا الصوتُ من شروده العميق، ساحبا إياه إلى ساحةٍ واسعة تتوسط مدينة كبيرة لم يسبق له أن زارها، تراقصه تحت ضوء المصابيح الكهربائية الخافت، و تضمه بين ذرعيها.. و.. لكنّ صوتـا غاضبا ينتشله كالغريق مما هو فيه، يصرخ في وجهه،”الجامع ماشي بلاصة للنعاس، إن أردت النوم عد إلى المنزل..” إنه صوت عليّ، يعيده لحيث ينتمي، فلا مكان للحلم حيث هما..
بعد خروجه من المسجد، يشعل سيجارة تمنى أن ينسى بعد الانتهاء من اجترارها كل شيء، رغم أنها تبدو هذه المرة عاجزة عن القيام بواجبها المعتاد. إنها السيجارة الرابعة دون جدوى، كأنه كتب عليه أن لا ينسى كما كُتب على الذين من قبله، ممن تآكلوا كعصا سليمان على جدران المبكى التي تكاد أن تنقضّ، و لا فاعل خير يقيمها.
قبل سبع سنواتٍ كانتِ الأحلام تطرق بابه صباحَ مساء.. كان مراهقا في كلّ شيء، حتى في ابتسامته العريضة التي يستقبل بها رفقاء دربه.. و عندما كان يغضبهم لأسباب تافهة جدا، كانوا كثيرا ما يتجاوزون عنه ذلك، مخدوعين باعتذاره المنمق. تعرّف ذات تشرين من عام 2006 على فاتنته الشقراء، صاحبة العينين الزرقاوين. لم تلعب الصدفة دروا كبيرا في لقاءها المخطط له مسبقا، و لو أن خدعته السحرية تلك انطلت عليها، و صدقت أن اصطدامهما الذي أسقط كتبها المدرسية على أرضية الساحة المبتلة كان حادثا عابرا، يحدث مع أيّ كان.. و أنّ محاولاته اليائسة لالتقاطها دليل آخر على طيبته، و حسن نيته.. لم تفكّر ساعةً أن يده التي تسلمها كتبها هي نفس اليد التي أسقطتها عمدا، و أن نشوة ما دفعتها لذلك.. كبر مذ تلك اللحظة في عينيها كما يكبر الوليد في عين أمـه. أصبحت تستقبله بسلام صباحي شهي، يجتره في صمتٍ كأبكم يعجز عن الردّ، و يكتفي بابتسامة صامتة تختزل كلّ تحية صباحية ممكنة تهمس بها شفتيه في صمت.. لم تسأله يوما عن اسمه، كما لم يسألها بدوره.. كأنهما اتفقا للمرة الأولى في شيء و إن كان صغيرا، و هما المختلفان في كل شيء، في طريقة حديثهما، في مشيتهما، و حتى في درجاتهما الدراسية.
أحبَّها و ربما أحبته حدَّ الجنون، حتى أن قصة حبهما أصبحت على كل لسان.. هكذا تجري أمور العشق في ثانوية تخبأ بين جدرانها ألف قيس و ألف ليلى. كل سبورة و كل طاولة داخل أقسامها، يمكن أن تشهد ضدّهما في محكمة لا كرسيَّ اعتراف لها. فيسجنا داخل قوقعة من الشوق الأبدي الذي يغرّب جسديهما عن بعضهما البعض، غير أنّ السبورة ظلّت صامتة، حتى بعد سنوات من جريمتهما التي لا تُغتفر. فقطْ شهدتْ طاولة لم يرسمْ عليها حروف اسمها بالطبشورِ الذي يُمحى، بل ذبحَ خشبها الفتيَّ في حالةِ عشقٍ غبية، ليخلّد ذكرى لم يفكّر لحظتها أنه سيدخّن يوما محاولا نسيانها.. شكته الطاولة التي احتضنت قلبه ذات حبٍ، و شهدت ضده الحروف التي نقشها بيديه..
عندما ينتهي الآن من استنشاق النيكوتين المحترق في سيجارته الرابعة، يبدأ شباك الذكريات بالانغلاق شيئا فشيئا، كأن أنثى يعشقها لم تجتز مجال رؤيته الضيق قبل ربع ساعة من الزمن.. أو أنه لم يلعن طاولة احتضنته قبل سبع سنوات لخطأ اقترفه هو، و دفع الثلاثة ثمنه شوقـا و غربة.

الوسوم

همسه

همسة هى مجلة كل الناس وكل الأعمار . المهنية والصدق شعارنا .ننقل الخبر من مصدره الحقيقى ونسعى دوما للتجديد من أجل القارئ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق