مسابقة القصة

ملخص (مفتش فى ورطة) مسابقة الرواية بقلم / عرفات سعيد عادلى .مصر

خاص بمسابقة مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون 2020

ملخص رواية “مفتش في ورطة”

عرفات سعيد عادلي

مصر

صفحة الفيس باسم(شاعر الجنوب) 👇

 

https://www.facebook.com/profile.php?id=100003574996561

 

ت/01281844660

في موقع منعزل نسبيًا على طرف الصحراء، وعلى بعد  نحو 2,5 كم إلى جنوب غرب بلدتي يوجد المعبد الإغريقي الروماني الذي أعمل به، تسللت أشعة الشمس لقدس أقداس المعبد في موعدها السنوي الذي يتكرر يومي الرابع من فبراير والثامن من نوفمبر من كل عام، يتوافد الزائرون من أنحاء العالم لمشاهدة هذه الظاهرة الفلكية الفريدة، كم كنت أشعر بالفخر والزهو كلما رأيت نظرات الإعجاب والانبهار بما تراه أعينهم .. تلك النقوش والرسوم المحفورة بدقة متناهية، تلك الألوان التي تضوي ببهاء وكأن الفنان الذي رسمها قد انتهى منها الآن!

ما سمعته من حقائق أو خرافات وحتى حكايات الخفر ورواد المعبد عما سمعوه ورأوه يجعلني أؤمن بما أفكر به دوما.. هذا المعبد بسراديبه الغامضة سيفتح لي أبوابه يوما ويبوح بكل أسراره.

قضيت في عملي ثماني سنوات، أمر على خدمات الغفر في الأماكن الأثرية، أستمتع بعملي كثيرًا، بالرغم من المسؤولية التي تقع على عاتقنا في حمايتها والمحافظة عليها، بالإضافة لما تمثله لأبناء الصعيد، فهي شغفهم والبحث عنها دأبهم، وأنا اقتربت منها وأعرف ما تحمله من سحر، تكاد الرسوم والتماثيل تنطق من فرط إتقانها، لا أخفيكم سرًا كنت أسمعها تناديني، ومنهم من رأيته يبتسم لي، أحلم أن يبتسم لي الحظ يومًا، وتفتح لي بابًا وتمنحني سرها، حينها لن يأسرني الجمال الروسي، ولن أظل أتابعه في صمت، أعدكم أن أقتني إحداهن، ما بالكم؟! أتحسبون أنني أهذي؟ لا بأس “سيد” صديقي أيضاً يتهمني دائمًا أنني أعيش في الخيالات.

حل المساء، واشتدت الريح، وزادت برودة الجو، خرجت من المنزل لأستطلع ما فعلته الرياح بحديقتي، وجدت شجيراتي التي غرستها مؤخرًا قد تضررت، قضيت بعضًا من الوقت للعناية بها، لكن نظرة واحدة للسماء تكفي لإخبارك أن الليلة لن تمر دون أن تمطر، تجمعت الغيوم والسحب السوداء واتخذت أشكالًا عجيبة، وفعلت الريح فعلها، الأتربة والرمال ملأت الأجواء.. الهواء يمشط الطرقات ويداعب النوافذ وتتراقص معه الأشجار بعنف وتتمايل وكأنها انضمت للتو لحفلة زار.

امتطيت دراجتي البخارية، ارتديت غطاء الرأس الواقي وقفازًا من الجلد وانطلقت.. شعرت وكأن أحدهم يلتصق بظهري، نظرت في المرآة، لم أر أحدًا، وتكرر الأمر فترجلت عن دراجتي، ووقفت أنظر حولي فلم اجد أحدا خلفي كنت وحدي ابتسمت فربما هذه الخيالات سببها تلك الوجبة الدسمة التي تناولتها على العشاء.

 وصلت بوابة المعبد.. حجازي ليس في مكانه المعتاد، أمين شرطة محترم، ومعروف عنه الالتزام، مسؤول عن الدخول والخروج، أكملت طريق المعبد من الداخل سيرًا على قدمي، حتى بلغت البوابة الأثرية، فالمعبد ينقسم جزئين الأول جزء إداري بعد بوابته الرئيسية ثم ردهة تصل من خلالها إلى الجزء الأثري، لم أجد أحدًا من الغفر وأثار ذلك دهشتي..

مررت عبر البوابة الأثرية، إلى أن وصلت لبوابة جسم المعبد من الداخل، وهي عبارة عن أربع صالات متداخلة، مدخلهم الوحيد  باب رئيسي مغلق ببوابة حديدية ضخمة، تغلق في الخامسة مساء، وتظل مغلقة حتى السابعة من صباح اليوم التالي، الغريب أني وجدتها مفتوحة، والأنوار مضاءة بالكامل، فكرت ربما زيارة من مسؤول أو مدير المنطقة.

دخلت ولم أكد أجتاز الصالة الأولى صالة بهو الأعمدة إلا و غرقت في ظلام دامس حتى يدي لم أكد أراها، وتذكرت هاتفي النقال، فأخرجته من جيبي مستعينا بضوء كشافه إلى أن تعود الكهرباء، و فجأة هوى أحدهم على وجهي بكفه ليصفعني صفعة أدارت رأسي.

استدرت للخلف وقد نويت الهرب، لن انتظر عودة الإضاءة، وقبل أن أرفع قدمي اليمنى لأستدير، إلا وقد قيدتني يدان فتسمرت مكاني..

حاولت مرارًا السير، فوجدتني أجر قدمي جرًا، وكأنما ربط فيها أجوله مملوءة بالرمال، أخذت ألهث فقد حلقت فوق رأسي خيالات سوداء زادت  رعبي.

بدأت أتلو آيات قرآنية، وخرجت الآيات مرة صحيحة ومرة  أخرى خاطئة من شدة خوفي..  تذكرت ترنيمة أخناتون الشهيرة، حدثتني نفسي أنهم ربما صموا آذانهم عن سماع القرآن، والمؤكد أنني لم أكن أقرأ بشكل صحيح، قررت تجربة الترنيمة ربما تنجح، وبدأت وقد دب الحماس في وكأنني أعتلي مسرح الأوبرا وبصوت عالي بدأت:

•        تظهر في أفق السماء أيها الشمس الحية، مشرق أنت، قوي كل الأذرع للملك، واع سرعة لكل قدم، منذ أن أسست الدنيا، فقد أنشأتها من أجل ابنك الذي نشأ من بدنك ملك القطري المصريين “نفر خبرو رع_أوان رع_إبن رع” الذي بعث من ماعت سيد التيجان اخناتون.. كبير في حياته.

وفي نهاية آخر مقطع من الترنيمة عادت الكهرباء ومعها  صوت جماعي يأتي من ناحية درج الغروب يرتل معي، وجدتني وقد قوي قلبي شعرت أني سيد التيجان وسيد القطرين و.. و.. و… وسيد صديقي كأنني سمعته يناديني؛ صعدت مسرعًا لسطح المعبد وأنا اهندم مظهري وأرتب شعري وكأني سأتقدم لخطبة عروس جديدة، إلى أن وصلت إلى سطح المعبد.

انقطعت الكهربا مرة أخرى وحمدت الله أنها لم تنقطع وأنا أصعد الدرج، الغريب أنني لم أجد سيد!!

مرة أخرى أرى هذا الخيال الذي قابلني  في طريقي للمعبد، ارتعبت جدًا حتى كدت أسقط من سطح المعبد، حينها كنت  سأصبح في عداد الأموات وما كنت لأحكي لكم الآن.. بدأت أصدح بترنيمة الملك العظيم جدنا ” اخ نا تو ن”!

قررت الخروج من المعبد والذهاب لمنزلي فورًا، لن أظل هنا دقيقة واحدة بعد الآن، ولو تنتهي بفصلي من العمل.. وينقض عليَّ ذكر وطواط  ويغرس أنيابه في رقبتي.. ظللت أصرخ وأحاول الإمساك به من هنا .. من هنا فلم استطع التخلص منه، رأيت دمي يغرق قميصي، وكدت أطرق الحائط برأسي من شدة الألم.. تذكرت المدية وامتدت يدي مرتجفة تبحث عنها في جيبي وجدتها أخيرًا وما إن فتحتها حتى اختفى كل شيء، فقط  حبات العرق تتفصد من جسدي!!

انتبهت لصوت أتاني كطوق نجاة، إنه الغفير “أبو شلوفه”  اسمه متولي لكني أناديه دائمًا بهذا الاسم، دائما يدعي المعرفة والنباهة لكني أفهمه وأكشف حيله .. تنفست بعمق وهممت بالذهاب لمقابلة متولي إلا وقد التصق أحدهم بظهري، أصابني الهلع.. من يكون؟! والتفت فلم أجد أحدًا، وبدأت أتحرك فشعرت بهواء بارد يلفح وجهي ويمر من جانبي أدقق النظر مرة أخرى ومجددا لم أجد أحدًا، أسير خطوة ..خطوتان وأشعر به يلتصق بي مرة أخرى.

انتشيت فجأة وغمرتني السعادة وتبدل خوفي بفرحة لم أستطع السيطرة عليها وتسمرت مكاني، ودارت الأفكار في رأسي..

فإذا بها تقترب مني، وتضم وجهي بين كفيها بحنان، وراحت أناملها تتحسس ملامحي بخفة، وجدتني أقف أمامها كالتمثال بين يدي نحاته، وفجأة جذبتني نحوها لا أعرف كيف استسلمت لها، قبلتني بشراهة وقد أحاطت رقبتي بذراعيها، و انقطعت الكهرباء مجددا، فانسلت من بين يدي وأخذت أدور حول نفسي، وأسبح في الظلام باحثًا عنها.

تسلل الخوف لقلبي، فقد تأخرت عودة التيار، ولم تعمل المولدات وظللت أصرخ وأنادي على الغفر، لكن ما من مجيب واستبد الرعب بي عندما فكرت أن تلك السيدة قد أصابها مكروهًا.. تلاحقت أنفاسي حتى كدت ألهث، وجلست مكاني فلم تعد تحملني قدماي.

وعادت الكهرباء فجأة كما انقطعت فجأة، لأجدني أمام عفريتة من الجن، عيناها ضيقتان محمرتان بشكل مرعب فهما تتوسطان وجهها، أذناها طويلتان كآذان الخفاش، جسدها نحيل جدا يشبه عود القصب الجاف، أنفها مدبب كأنف الذئب، ملامح أصابتني بالرعب لم أستطع الحراك من مكاني ولم أعرف كيف أتصرف؟!

تحسست جيوبي بعد أن تذكرت تلك القطعة من البخور، أهداها لي أحد أصدقائي، يسمى بخور العنبر وقد كان نصحني بإشعالها عندما أشعر بخيالات في عملي، وفعلاً أخرجت قداحتي واقتربت لأشعل البخور.. لكن ريح قوية هبت لا أعرف مصدرها وجدت حيات تسعى تحت قدمي وعقارب سوداء كبيرة الحجم… بدأت في العودة للخلف.

وجدتها فرصة لابد وأن أحسن استغلالها، سأوافق على شروطها وليحدث بعدها ما يحدث.. ولم تطلب إلا معطف أخي العائد من سفره منذ أيام.. وطلب آخر أرجأته حتى تنفذ لي ما أتمناه.

خرجت من السرداب ألفظ أنفاسي بصعوبة .. ما بين سعيد وخائف ومصدوم، لكن الغرور بالقوة المنتظرة منها كان هو سيد الموقف وركزت تفكيري على مقابلتي معها.

تخطيت باب المعبد الحديدي، ووجدت الغفر بأكملهم في وجهي، يسيطر الاندهاش على وجوههم منهم المبتسم، ومنهم المتجهم، كأن الكلام قد توقف في حلوقهم، يصارع  ليخرج، أعينهم ترمي بشرر يملؤها كلام مخنوق وكأنك أمام شخص نهبت منه ميراثه وأتى لينتقم منك.

وغلبني الانفعال فاندفعت الكلمات من فمي كالقذائف أسألهم من فتح بوابة المعبد بعد الساعة الخامسة ؟ وزاد انفعالي عندما أنكروا معرفتهم بالأمر واتهامهم لي بأنني من فتحها!!

 اتجهت للجبل واخترت ربوة عالية وجلست  أنتظرها كما اتفقنا لكنها لم تأت فاضطررت للانصراف.. وصلت منزلي وأخذت استمع لسورة البقرة وحاولت النوم فلم أستطع إلا بعد الفجر، استيقظت وبداخلي نار تستعر، تمنيت أن أعرف السر، وما هي حكاية تلك الجنيه، وماذا تريد مني؟ لكنها لم تظهر ثانية ولا  أعرف كيف سأصل إليها؟

أخذت المعطف وذهبت لصديق لي يعالج حالات ممن يصيبهم المس والسحر.. بدأ يقرأ بصوت منخفض  لم أسمعه، إلا أن عيناه احمرت وجحظت كأنها ستخرج من وجهه.. ظل ينتفض ويقرأ ويقرأ وهو مغمض العينين، ثم رفع صوته فجأة “أينما تكونوا يأتي بكم الله…”

تعالى رنين هاتفي أكتر من عشر مرات وأنا أتجاهله…. أخيرا اضطررت للرد، لأتخلص من إزعاجه، كان المتصل يستنجد بي للحاق بأخي الأصغر ” سلمي”

اصطحبت الشيخ فورًا للمنزل لنعرف ماذا حدث؟

وصلنا لنجد زحامًا أمام الباب و أربعة من أخوتي وأبناء عمي يحاولون تقييد “سلمي”،  وطلب الشيخ ان يظلوا موجودين ربما الأمور تتطور.. ثم بدأ  يقرأ.. كان صوت صراخ  “سلمي” يزداد وهو يحاول التخلص من الحبل ويحاول الشباب إحكام سيطرتهم عليه، إلى أن تغيرت عيناه لتزداد احمرارا.. تبدلت  ملامحه والشيخ يردد الآيات، ثم امسك بقداحة وأشعل النار في ورقة وضعها أمام عين “سلمي”، وظل يحركها.

وقبل أن ينطق سلمي دخل والدي الحاج “مؤمن”، وعندما رأه إخوتي وأبناء عمي ركضوا كل واحد منهم في ناحية، إلا أنا تسمرت مكاني، اقترب مني بهيبته ونظرته التي شعرت بها تكشفني، كأنه يقرأ أفكاري، وبمنتهى الهدوء وبدون أن ينفعل وقف بيني وبين الشيخ واتهمني أني لا أسعى إلا لتحقيق مصلحتي وأن هدفي الأول تسخير الجان لخدمة أغراضي وأنني أتصرف بجهل ورعونه منساقا وراء صديقي برهام الذي يؤمن أبي أنه هو سبب مشكلات القرية كلها والقرى المجاورة بأعمال السحر.

خرجت أنا والشيخ برهام، كان مستاء مما فعله أبي معه، أما أنا فقد كنت مقهورًا على تلك الفرصة التي ضاعت  من بين يدي.

وعدت للمنزل، لم أكد أغمض عيني حتى رن هاتفي، مددت يدي.. أغلقته وعدت للنوم ، لكنه واصل الرنين وكل مرة كنت أغلقه حتى هرب النوم من عيني، كان والدي يدعوني لمرافقة سيد والذهاب لمقابلته، وقبل أن أنطق بكلمة أغلق الهاتف دون أن يسمع ردي، تركني واجمًا، هبطت الدرج قفزًا لأجد سيد في انتظاري.

لم يكن المكان بعيدًا، نجع يبعد عنا مسافة صغيرة، وبمجرد وصولنا  لم يدخر سيد وقتًا، وأشار لأول شخص مر بنا، وفورًا ركض الصبي أمامنا، بدا لنا أن هذا الشيخ محبوبًا هنا، وصلنا وبعد السلامات وواجب الضيافة رمقنا والدي بنظرة غضب جعلتنا نلتصق ببعضنا، فجأة أصبح “سلمي” شخص آخر يتحدث بصوت غريب حتى ضحكته، ومشيته غريبة، اقترب مني وبصوت أنثوي سألني هل ما زلت أرصد تصرفات متولي وحسان؟ واتهمني أن انبهاري بالسائحين الروس وحلمي بالزواج منهم والهجرة هو سبب بلائي.

قفزت واقفًا كمن وجد كنزًا، وتدفقت مني الأسئلة كالسيل يحاولون السيطرة عليه كيف لا يسمعون ما يقوله؟ كيف لا يرون بأعينهم تصرفاته وأصررت أنه متلبس بالجان وأنهم هم من يتحدثون بلسانه واندفعت تجاه سلمي لأسأله من أين له معرفة أمر حسان ومتولي والسائحين الروس.

ضحك الشيخ حتى كاد أن يستلقي على ظهره ونظر لي وهو يتلو آيات من محكم التنزيل ( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).

  (صدق الله العظيم)

حينها شعرت أنني لابد وأن أستغل تلك الفرصة كنت أفكر في التخلص من الشيخ بأية وسيلة، وأستغل الجن لصالحي.. علاج.. كشف.. آثار.

 خرجت وبعد خمسة دقائق ناديته وأخبرته أن الحرائق قد اشتعلت غربي البلدة و الجميع يردد  أن تلك الحرائق تشتعل بفعل الجن.. ليخرج الشيخ مهرولا وهو يحوقل ويستغفر.

وبمجرد خروج الشيخ “سلامه” مصطحبًا والدي معه، توجهت أنا وسيد ومعنا أخي سلمي قاصدين محطة القطار..

وصلنا الجيزة في التاسعة صباحا وعلى أول مقهى قابلتنا جلسنا، ثم اتصلت “بأبسطاوي” يأتي لمقابلتنا.

 سيد استبد به القلق، وسلمي شارد عنا، طلبت فطورًا وشاي لكن سيد وقف مرة واحدة، وأقسم برأس خاله أنه لن يمد يده ولن يتناول لقمة واحدة قبل أن يعرف إلى أين نذهب، وماذا سنفعل؟

وبدأت أحكي له عن ليلة المعبد، والجنيه التي تسكن سلمي، وما فعلته مع الشيخ لكي آخذه وأستفيد من الجنيه التي وعدتني أن تخدمني، إلا أن سيد أخذ يضحك ويصفق بيديه، واقترب مني جدًا، وفجأة يقف سلمي ويرفع يده ويهوي بها ليضرب سيد على قفاه فاصطدم وجه الأخير في صينية الشاي.

وفي تلك اللحظة دخل أبسطاوي علينا ليخبرنا أن الشيخ سلامه سيصل قريبا ليلتقي بنا.. نهضت لأمسك سلمي في يد، وسيد في اليد الأخرى لكنه اعترضني وظللت  أجذبه وهو يجذبني حتى تجمع رواد المقهى، وكلمة من هنا، ودفعة من هنا، هاجت الدنيا لنجد الشيخ سلامه في مواجهتنا يلقي التحية ويرد عليه الجميع  إلا أنا وقفت واجمًا كالطفل الذي ارتكب خطأ ويخشى العقاب والشيخ يقترب مني ينظر في عيني.. يلومني على خداعي له لأفر بأخي من البلدة.

إلا أن هدفي كان أقوى ووجدت عندي من الشجاعة ما يكفي لأرفض طلبه بالعودة معه وأعقد العزم على البحث في المكان الذي أشارت إليه العفريته ولن أسمح لأحد باعتراض طريقي.

وخطف سيد كف الشيخ سلامه ليقبلها إلا أن الأخير سحبها مستغفرا ووافق على طلبنا بشرط أن يصحبنا ليثبت لنا أن ما نفعله مجرد أوهام.

وبعد أسبوع من البحث صمم الشيخ أن يكون هذا آخر يوم لنا، ورفض أن يترك سلمي لنصطحبه معنا، وكان حديثه حاسمًا لا رجعة فيه.

جلست أمام الشيخ سلامه أتمنى لو  يصدق أني على حق ورجوته أن يقرأ عليها لتحدثنا كما حدثتني من قبل في المعبد ووعدتني أن تدلني على كنز كبير.. لكنه أخبرني أنه كان يجاريني في أوهامي فقط ليحميني من نفسي.

وجن جنوني كيف يصف كل ما حدث معي وسمعته ورأيته بأنه أوهام؟!  إنها تأتيني في المنام، وتخبرني بالكثير من الأمور آخرها ابنة  أبسطاوي التي تتمنى لو تنجب طفلا ووعدتني العفريته أن تساعدها.

لكن الشيخ “سلامه” رد بقول الله تعالى في محكم آياته بسم الله الرحمن الرحيم{إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}

ودخلت زوجة أبسطاوي وابنتها لم أكن أمتلك صبرا، كنت أشعر أني منقذهم، وأني لو استطعت حل مشكلتها سيتركونني أنفذ ما أريده وبسرعة.

تحدثت ابنة “أبسطاوي” على استحياء وأخبرتنا أنها تعاني الأمرين من معاملة زوجها  وتعديه عليها بالضرب والسب فتركته ولجأت لبيت والدها وعندما علمت بحملها خشيت أن لو علم أباها لردها لزوجها.

ووجدتني لا أملك  ردًا، كنت أشعر أنهم قد اتفقوا علي.. أمسكت بيد الشيخ سلامه، وأقسمت عليه بأبنائه أن يقرأ على سلمي ويخرج هذه الجنيه ويتحدث معها، ولكنه رد بهدوء وكأنه لا يشعر بوجودي أن طبيعة الجن تختلف عن طبيعة البشر، مستحيل جني يتلبس بإنسي.. يمسه نعم، يتسلط عليه بالسحر ممكن، لكن ليس أكثر من ذلك.

جن جنوني بين ما أسمعه من الشيخ السلامه وما أراه بعيني من أحوال سلمي ومن يتحدثون على لسانه.

ولم أجد بدا من قبول اقتراحهم بالذهاب للطبيب لسماع رأيه في حالة سلمي.

اعتدل الطبيب وبدأ يشرح لنا عاقدًا ذراعيه أمام صدره، ناظرًا لي من تحت نظارته وعلى وجهه ابتسامة لا أعرف سببها:

·   اضطراب الهوية الفصامي أو الانفصالي والذي كان يسمى سابقاً باسم اضطراب تعدد الشخصية، يندرج تحت مظلة الاضطرابات الفصامية، وهي اضطرابات نفسية تسبب عوائق وتعطيل للذاكرة، الإدراك، والوعي، وعند حدوث خلل في هذه الوظائف تظهر أعراض هذا الاضطراب، فيقوم بتطوير شخصية أو أكثر مع أو بدون وعي الشخص. هذه الحالة تعتبر نادرة جداً، وتحدث في أي عمر، وقد تكون أعراض بسيطة، أو شديدة إلى درجة تداخلها مع الشخصية الأساسية في حياتها الشخصية أو في العمل، وتسبب مشاكل عديدة.

سحبت نفسًا عميقًا وسألته عن أسباب تلك الحالة .. وأجاب:

·    أن حوالي 90% من حالات هذا الاضطراب عانت من الصدمات والإيذاء وسوء المعاملة، و يمكن اعتباره من ميكانزمات الدفاع، بمعنى أنه عندما يختبر الشخص موقف أو تجربة مؤذية، عنيفة، صادمة، ومؤلمة، يعزل أو يفصل نفسه عن الواقع فتتكون هذه الشخصيات.

شعرت أني أبلهًا، تركتهم وخرجت مسرعًا وظللت أركض وأركض لا أعرف إلى أين ستقودني قدماي وسيد يركض خلفي حتى لحق بي.

·   وظل سيد يذكرني بأزمة سلمي ومعاناته في الغربة وغرق أعز أصدقائه أمام عينيه هو يبحر في رحلة يملؤها الأمل لتحقيق مستقبل آمن.. ولم يدخر سيد وسعا ليقنعني أن ما أنا فيه مجرد اعتقاد، اعتقاد ملعون لابد أن أتخلى عنه وإلا ستحل اللعنة علينا جميعا .

·   اعتقاد ؟! إذا كان ما حدث ل سلمي اعتقاد والمعبد وما حدث اعتقاد، وتلك الجنيه التي حدثتني وحدثتها، لقد لمستها، صحبتها في سراديب المعبد، كل هذا اعتقاد؟!

وانتشلني سيد من بين براثن أفكاري – وقد تمزقت مقاومتي وأنهك الصراع روحي – ليفجر مفاجأة من العيار الثقيل واستمعت له وقد تملكني الذهول يحكي عن تلك الليلة عندما ذهب للمعبد بعد أن هاتفته وسماعه لحديث الغفر حسان ومتولي ترافقهما ضحكات ماجنه لنساء بصحبتهم لتختلط أصواتهم  برائحة الدخان المحملة بالحشيش.

 استطاع سيد أن يميز صوت متولي وهو يثني على احدى السيدات وكيف استطاعت إقناعي بأنها عفريتة من الجن وكيف تمسكت أنا بها وكأنني كنت في انتظارها منذ زمن.

وصف لي سيد  مديح السيدة لحسان- وهي تطلق الضحكات وتخرج كلماتها من بين شفتيها تترنح من أثر الحشيش- وكيف ساعدها الزي الذي جلبه لها وقطعه للكهرباء في الوقت المناسب واقناعه لي بأن بوابة المعبد كانت مغلقة ولم يدخل أحد إلا أنا و ما كانوا استطاعوا التبديل من سائحة روسية جميلة لعفريتة.

وما زاد حنقي أن فكرة الثعابين والحيات والعقارب وحتى الخفاش كانت لمتولي.. ما زالت كلمات سيد وما سمعه من متولي عن شغفي بالجن والعفاريت واعتقادي في قدرتهم تدوي في أذني وأنهم فعلوا كل هذا للانتقام مني لتضييقي الخناق عليهم وتهديدي لهم برفع مذكرة لكبير المفتشين بالمعبد لاصطحابهم للنساء وسهراتهم المشبوهة كل هذا وعليه ضيق حسان من اللقب الذي أطلقته عليه “أبو شلوفه”

أحسست الدم يغلي في عروقي عندما أخبرني سيد أن تلك الصفعة المدوية التي تلقيتها في الظلام ولم استطع ردها أو دفعها كانت من حسان.

برر سيد عدم إخباره لي بما سمعه من حديثهم بأنني مهووس بالجن والعفاريت ولا أستمع لنصحه عن خطورة هذا الاعتقاد  وفضل الصمت  ليعطيني درس عمري لعلي أفيق من وهمي.

نمت كالقتيل.. لم أشعر بنفسي إلا وجسدي يتصبب عرقًا وضربات قلبي تتسارع وتعلو وكأنه سيخرج من صدري وصرخت صرخة خرجت رغمًا عني جَعلت سيد يقفز من مكانه ودخل الشيخ سلامه ومعه والدي، وسيد، وأبسطاوي .. القلق يسكن ملامحهم جميعا حتى قطع الشيخ سلامه الصمت ليسألني عما حدث فرحت أهذي وأدور في الغرفة كالمجذوب أقذف الجميع بالتهم أنهم أغضبوا تلك العفريته وأفسدوا عملها وحالوا بيني وبين سماع أوامرها وها هي تطالبني بتنفيذ طلبها.

وهنا أمسك سيد بعنقي يشدني إليه وبصوت اخترق جمجمتي  صرخ أنه يعرف الطلب وأنه لابد ابن من أبنائي.

وبلهفة غريق يتعلق بقشة سألته إن كانت العفريته أخبرته وأن المقصود ابنتي ياسمين.

وفجأة خلع والدي نعله وانقض علي وهو يرغي ويزبد ويحاول الجميع إبعاده عني وهو يحث أبسطاوي للإمساك بي.

لا أذكر كيف نزلت للشارع أنا وسيد، لا أذكر إلا أنه سألني :

·        ما العمل الآن يامفتش؟

·        هدبح فدو لياسمين وأعزم عليه أول زيارة لروس يزورون المعبد.

·        حسان ومتولي  ما العمل معهم؟

·        هل يوجد أفضل منهم لنضحي به؟ ادعو الآن ألا يدركنا أبسطاوي.. اجرررري  يا سـيييــــــــــد.

 “تمت”

الوسوم

همسه

همسة هى مجلة كل الناس وكل الأعمار . المهنية والصدق شعارنا .ننقل الخبر من مصدره الحقيقى ونسعى دوما للتجديد من أجل القارئ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق