أخبار مجلة همسة

بالصور السفراء والفنانون فى احتفالات الإمارات بعيدها القومى بالقاهرةهام لكل الصحفيين الشباب والصحفياتاللمة الحلوة ” يحتفل بميلاد جارة القمر الـ 81الإمام الأكبر د. أحمد الطيب الأول عالميا فى قائمة أكثر المسلمين تأثيراألبوم صور مهرجان همسة الرابع كاملاخمس حلقان من مسلسل الزعيم على النت فى واحدة من أعنف عمليات القرصنةعاجل ..ننفرد .تصدعات بالجهة اليمنى لسد النهضةوفاء الفنان ممدوح عبد العليم إثر أزمة قلبيةبالصور” مـادلـين طـبـر”  تـحصد الجـائزة الثامنه لعام 2015 بــــ مهرجان اوستراكا الدولىالحلقات المفقودة فى مقتل الصحفى تامر بدير ” مادلين طبر ”  لـــــ همسه   فريق عمل  ” ابله فاهيتا ”  موهبون” امير الغناء العربى ”  يدعو لتنظيم حفلات ”  بشرم الشيخ  “مـنـار  تـنـتـهى مـن تسجيل ” خمسة فرفشة “الإمارات لبريطانيا الإخوان جماعة إرهابية أو وقف جميع الصفقاتالحملة الشعواء ضد الفنانين  من يقف وراءها بقلم / فتحى الحصرى

انضم الى صفحة همسة على الفيس بوك

Please wait..10 Secondsمجلة همسة

الوجع المتبـقي مسابقة القصة القصيرة بقلم /كريمة كرايمى من الجزائ

Share Button

الوجــــع المتبـــــقي
كريمة كرايمى من الجزائر

عجوز عقيم…
آخر ما قالته له و ما فهمه من الصراخ ومن وابل التهم الخارجة من شفتيهـا. ترمقــه بعينـي غل و تنصـرف، تغيب عن ناظريــه فارة منـه ثم عائدة إليـه، و تعود تمـارس الاختفــاء بين أثـاث الغـرفـة، تـحـت شراشف السرير، و على خزانة ثيابه، تنتعل أحذيته حذاء حذاء ثم تتوارى خلف ستار النافذة. يتبعها بعينيه يحاول اللحاق بها، فتخونه رجلاه، و يسقط أرضا.
بين صراخها و بياض منثور خلف غبار الانفجار يتمتم بكلمات عجماء، ثم يضيع في غيبوبة قاتلة، أسماء تعود إلى ذاكرته، تصارع النسيان بالعودة إلى الحياة من جديد. و يصرخ هو..
– أنا بروتوس..
– أنا صاحب القيصر
خنجر الوشاية مسموم يمسك به كفه
صدى صوتها يلحق به في عز غيابه، يخنق أنفاسه، يحاول الوقوف فتصده دورية تقتنص الفارين إلى الحياة المكرهيـن على المـوت. بدلات عسكريـة و أوجـه سوداء مغطـاة بقلنسوات حمـراء تصل بطولهــا إلى الرقبــة.
خائن عقيم..
في زوبعة جنونهـا قبل التسلل إلى مرقدهــا، ترفل بين يدينه، تحوم حول سريره و تعاود الفرار من جديد، تضيع في قهقهات خرساء لا يسمعها سواه. محاولة إيقاظه كلما ركن إلى النوم فتحول بينه و بين السكينة.
هي هي…
تلك الـ “عائشة” تعود كلما أجبر نفسه على قبر ذكراهــا، على الخلاص منهـا و من ماضيها، على فصـل تاريخه عنها فتعــود إليه بقوة أكبر تُجددها كلما أضعفتــه. تحمل بين مرة و مرة رضيعا تضمه إلى صدرهـا. و هو المرمي على سرير الوحدة يضم ركبتيه إلى يديه و يغوص في الغيبوبة. غبار الانفجار و عتمة الطريق حالا بينه و بين الهروب، دورية العسكـر تحيط به من كل جانب، أرجل تركله و أياد مـمسكة برشاشات تحاول تفتيت رأسه. عويل الليل يؤنسه و ينسيه العذاب، إلا أن عائشة تذكِّره كلما حاول الفرار.
– ماذا فعلت بحميد؟
– لم أكن أنا. إنه من فجر الجسر. إنه من حاول قطع قافلة الشياطين لألاَّ تبني لها أوكارا و تنتشر في زقاقات مدينة تاهت عن الحلم .
– كان رجلا.
– أنا أيضا.
– أنت خائن عجوز.
كلاليب من حديد تمــزق جسده و ملـح يــرش علـى لُحم مجروحـة. صراخه يعــلو فيشق على الجميـع هدوءهم و يوقظ كل النائمين. يهرول ولده إليه و يحاول إيقاظه. ينظر إليه بغيظ ثم يطلب منه ترك الغرفة.
يتناول جرعة من الدواء ثم يحاول الجلوس. رجلاه لا تتحركان، يتحسَّسهما بيده، يحاول تحريكهما… لكنه لا يستطيع. دموع غزيرة تسقط على خدين محروقتين… يتناول ألبوم الصور المخبئ تحت وسادته، يقلب الصفحات، يتمعن الأشخاص المصفدين داخله، يحاول اقتلاع حكاياتهم و رميها في سلة النسيان، لا يريد لهم رسما.. لا يريد لهم تفاصيلا و لا وجود لهم بحياته لكن ارتباطه بهم ظل قدرا يلاحق خطواته، أنفاسه، حركاته و سكناته…
يسقط كل مرة في سفينة الرجوع تلك التي لا تبحر إلا عكس الزمن. يلقيه أرضا ثم ينتشله، و يعيده تحت الوسادة.
ألا يفترض أن الوسادات للنوم؟
لماذا تراها تحت رأسه مخزن الآلام و الذكرى. يتورم الفرح ليصبح قبحا، و تبدأ رجله بالتوجع.
إنه خائف.
أجل إنه خائف من طيف ما يترصده، يترصد إغفاءته ليثأر لنفسه منه. يفزع لفكرة الثأر فيُدس في فرشته مغطِّ رأسه بانزلاقه على سريره الحديدي.
يأتيه حميد ، يرفع إزاره، يبتسم ابتسامته الرجولية ثم يمضي، يحاول اقتفاء أثره فيتعثر في الجثث المرمية، جماجم مبعثرة خلف هذا التل الكبير، يسقط و يحاول النهــوض فتخونـــه قدماه الموكوتة. يحــاول مـــرة أخرى .. يمسك بغصن من شجرة زيتون لم تحرقها النار بعد… يتمسك بقوته فيأتيه طيفها، يدغدغه.
أجل هي مرة أخرى بثوب العرس، مخضبة اليدين. آثار دم عالقة بفستانها، شعرها الكستنائي صار أسودا، يغطيه الرماد، تنتعل ألمها و لا تكف عن الدوران حوله. تحوم كنسر يضرب بجناحيه، يترصد طريدته من بعيد بقهقهاتها المتصاعدة. تختفي و تظهر بين صخور الوادي، هناك فقط على الجسر الرابط بين المدينتين المتناحرتين منذ زمن على الأسبقية في الظهور “ميديوس” أم “كونستانتينوس”. ثم تصعد الجبل الأخضر تحاول اللحاق بحميد ، لكنها لا تدركه فتعود مكرهة تبكي و تنفش شعرها و كأنها ترقص على آخر نغمة للحياة، تضرب برأسها الأرض فيتموج شعرها كساحرة تمارس طقوس الشعوذة. و تحوِّر بين يديها طعام الأشباح.
عجوز عقيم و خائن.
صوت رضيعها يعلو بعد صوتها فتركض إليه و تضمه إلى صدرها. تنسى نحيبها و عويل الليل و زوجها لترمي بنفسها قرب طفلها، ضامة إياه إلى صدرها.
– بني: لا تبك، والدك بطل.
يصرخ من جديد و يحاول الفرار من ظلها، يسحب الإزار على وجهه و جسده المحموم يتصبب عرقا تارة، و خوفا تارة أخرى، ينادي ولده فيركض إليه مفزوعا:
هل عادت إليك الكوابيس؟

الصبح يزحف نحوه، و أصوات الموتى بدأت في التلاشي يطرق ولده الباب طرقا خفيفا ثم يلج إليه يسأله عن صحته، فلا يرد عليه سوى الصمت. يحاول أن يحرك له ساقيه لكنه يرفض ذلك بل و يغلق عينيه، فيتركه و يمضي نحو عمله. ينادي حفيده بعد ما سمع الباب يُصك، و يطلب منه الاقتراب. يدنو منه الصغير و يسأله:
– أتريد شيئا؟
– اسأل صيدلي الشارع، قل له ما معنى الكارسينوم ؟
ينظر إليه بتمعن، ثم تنفرج شفتيه بابتسامة هادئة.
ماذا ؟ الكـــ ا ر ســـيـ……
– ألا تفهم أيها الولد العاق، تشبه والدك كثيرا، بل تشبه والدتك.
ثم يتمتم .
– بل جدك كان هكذا.
– إذن أشبهك
– أسكت يا ابن الـــــ…
تجره والدته من ذراعه و تخرجه من الغرفة و يبقى هو وحيدا يصارع الوحدة و الألم.
ليلة أخرى تعود مثقلة إليه، تحمل معها سينفونية الموت، و تعزف على جثث القتلى أنغام الرحيل..
القبور تحوم حوله، تُخرج ساكنيها، و حميد يجلس فوق شجــرة الزيتــون كمـــا آخر مرة التقى بــه، يبتســم و بين يديــه بعض المتفجــرات يجمعهــا ببعضها البعض ثم يوصلها بخيط الكهرباء. ينزل و يتجـــه نحـــو الجسر، يدفن الديناميت تحت صخرة على الحافة ويوصل الأسلاك الكهربائية على بعد عدة أمتار. ثم يقترب منه.
– هيا اضغط.
– لا أستطيع.
– يجب ذلك…
يدس وجهه بين يديه ولا يجيب فيسمع دويا يهز المكان.
يحاول الهرب
تحيط به دورية العساكر، و تأخذه.
لست الفاعل.. إنه حميد ..
رشاشات تدق رأسه، و أرجل تركله بشده، تحاول معرفة مكــان الفاعــل، يضيع وســـط الضجة و الخـــوف، و حروق تملأ جسده، بل آثار تتموضع في كل خلاياه.
نار… نار و تمزق في عضلات الرجل اليمنى، يحاول حمل نفسه و لا يستطيع، حميد يواصل صعوده نحو الجبل دون كلل، دونما تردد، يتسلق أشجار الزيتون يقطف من ثمـــر الجنــة و يلقي إليه بأوراقها علها تستــر عورته.. تتبــعه الغربان المتقاتلة تنبش أرضا طهورا تواري بهــا سوءة الخائنين .. و تعلمه كيف للقبور أن تخفي الطُّهر و كيف للحياة أن تحمي الجبناء.
طفله يعوي في حضن كليل و أم تلطم وجهها تشق جيبها، ثم تزغرد، كما المجانين، تزغرد ثم تعود إليه بشعر اسودَّ من بقايا شظايا قنابل ألقتها الطائرات الصفراء في شوارع مدينتها.. في حارتها.. قرب بيتها .. بفستانها الأبيض البراق، و بقع الدم القاني مختلطا بسواد الرماد .. برائحة دخان قوية تغتال عبق الياسمين و زهر العطرشان المنثور على بيوت صغيرة تنتشــر خلف كل شجرة و قرب كل واد. يشحب وجهها أكثر و تصرخ …فتدوي فلكه و يضيع في حفر الخوف، يبحث عمن ينتشله و يذهب به إلى مملكة الصمم.
– أيها الوغد زوجي بطل…
يجمع قواه و يمد كفه للطمها فتصطدم بالفراغ، و تقهقه هي بصوتها الصاخب الممزوج بنحيب طفل جائع في ليلة من ليالي شتاء الجبل الأخضر
– خائن عقيم…
– دعوني، أريد أن أموت
صوته يهز، المكان يزلزله، كنعيق البوم عندما يخيف طريدتـه فتتدحرج الجماجـم حتى تبلغ قدميه، يهرب منهــا فيصطدم بحميد أمامه. يسأله في أيّ عام هم ؟ فيجيبه أنهم في شاء 1959 . إنهما هنا في هذا السفح يختبئان بين أشجـار الزيتـون و التين الملكي، هما هنا ليفجرا ممر شاحنــات العسكر، على هذا الجسر الصغير، إنهمــا لا يريدان موتا آخر . لا أرامل و لا ثكلى و لا حتى يتامى مجهولي الهوية. يولدون كل يوم في هذا الوادي المقدس.
ستهرب الشياطين من رائحة الياسمين و رائحة الرجولة
الشياطين !!!
لقد رآهم بقلنسوات حمراء يسحبونه سحبا إلى مدينة الموت. إلى سجن لا يعود الذاهبون إليه إلى أهليهم أبدا. حتى والدته أبكت جاراتــهـــا عندما انفجرت البيضة في الكانون… جـلست تنعــي المتبـقي الغائب المرمى في جب “السيلون” تُمزَّق أطرافه بالكلاليب و يوصَل جسده بالكهرباء إلى أن يُلقى به في عفن الغرفة السوداء المظلمة جدا.
المدينة تبكي رجالها..
لكنها دفعتهم إلى الثورة
كيف لمدينة أن تأكل أبناءها و تتآمر عليهم ؟ فتقذف بأحدهم في رحم الموت و تُبقي على الآخر يلوك خزي الحياة و عارها.
لكنها الثورة…
رائحة الخيانة تفوح من أفواه الجبناء، أولئك الذين يقتاتون على ألم الآخرين
لكنه حرم من عائشة
ليس مهما مادام للوطن بقية تحبه.
يهرول إليه ولده، يجلس بجانبه على حافة السرير ثم يناوله جرعة من الدواء، لكنه يرفضها، لا يريد الشفاء و لا الحياة، بل يريد أن يذهب دون رجعة كمــا أصدقاءه الذيـن رحلــوا فتمردت أرواحهـــم على أجسادهــم و تحررت من أسر أرض تبلع عاشقيها. كان رجلا، أجل رجل عاش حياة واحدة و مات رجلا. أما هو فعاش مبتئسا و يموت في اليوم ألف مرة.
يتفتح صبح جديد و تتفتح جراحات جديدة..
طاولة خشبية بجانب سريره، فنجان قهوة ساخن أعدته كنته و جريدة خرساء تثرثر في صمت، تنقل إليه أخبار العالم. يتألم كثيرا، لعجزه عن الحركة عن الفعل.كان صانعا و صار مصنوعا فيه. لا يحرك رجليه إلا بتعب شديد، و لا يقوم إلا على عكازات بمساعدة أحدهم.
يكره منظره و هو ملقى على السرير كقطعة أثاث عتيقة بقيت من الماضي السحيق تثقل بوجودها على المكان، يتمنى الموت فلا تأتيه و ينكر على القدر هذا الفعل بل و يعاتبه على إقعــاده فيتصدى له القدر بأن يريه بين مــرة و مــرة وجعا جديـدا و جراحـات خالدة، طاغيـة الحضور تُقوِّي تواجـدها بفـعـــل التذكــر و ترفض الرحيل و النسيان. يزيد ألمه عندما يقرأ موت المجاهد الكبير عبد الحميد مهري فترقـص بيـن عينيه صور الموتى و تعاود الكوابيس طقوس المباغتة، صوت عبد الحفيظ و هو يضع يده على كتفه، إنها الليلة و علينا الصمود، صوت طفل صغير لم يبلغ الرجولة بعد وُشي به من عـاذل مجهـول أراد أن يبث الرعب في الجماعة المتحدة لتتفرق عن خيانة. فجرَّ سكينه على خط حياة كانت له و صارت لغيره بوريد حمل نبضا إلى وريد يحمل ذنبا.
-لكل ثورة أخطاؤها
هكذا يرد على صوت التأنيب القادم من زمن الخوف، لا يريد خونة بينهم و لا يريد للثورة أن تفشل بسبب طفل سواء أكانت الوشاية حقيقة أم مجرد كذبة تفتعلها المدينــة كلما حاولت تقديم قربان جديد لـزيـوس حتى ترى مدى ولاء أبنائها لـها.
لم ينتبه بأن الجريدة قديمة جدا و أن الأخبار الموجودة فيها أصبحت مستهلكة و باردة كيومــه هذا. فألقاها بعيدا ثم أدار رأسه نحو النافذة يحاول رؤية الشمس لكن السحب تخونه و تغطي عنه بريقـــــها.
قاب جنون .. تهجره أنفاسه حينما تحط عائشة بين يديه، تلثم الوجع باشتهاء ثم ينتظر منها حبا كسيحا مضت عليه عقود و هو مدفون تحت لحـد التعتيم. يبدأ صوتها بالبعـد عنـه و بالرحيل إلى حيث لا يراها، ينادي صوتها الجميل:
– هلا انتظرت قليلا أمتع سمعي بك ؟
فيجد نفسه يوشوش لنفسه يستفيق على وقع الخيبة
يضيع…
ينصهر…
و يمني نفسه بالموت فلا تحضره..
متكئا على خضاب ماضي تلك الخيانة يتمنى لو يستطيع الهرب، لو تكف حواسه عن العمل فلا يرى و لا يسمع و أكثر من ذلك لاَ يتذكر. تتلقفــه الحقيقة فيحترق بهــا في حيـن احتـرق الآخــرون بلحظة ضعفـــه. تتدحرج الجمرات بين أنامله،.. في راحته كلما لامست أصابعه ألبوم الصور، يحاول العد: في أي عام نحن؟
تجيبه الصور:
عام 59
رقم موقع على جدران السجون.. على أشجار الزيتون .. و على طريق قُطع فقَطع معه اسما سقط من سجلات الأحيـاء و بقي حيا في ذاكرة الأمكنة و الأزمنة..
حميد ! ..
….
لم أخنك أبدا..
شدَّدوا علي العذاب و لم أدر كيف نطقت اسمك و لا كيف أريتهم الطريق لبلوغ بيتك.. لو تسامحني؟
يحاور نفسه، يلومها، يتوسل للنسيان أن يحضر فلا يرد عليه سوى صمت الليل، و ابتسامة حميـد الهادئة التي لا تفارق وجه و لا تغيب أبدا عن محياه الرجولي.
يراهن نفسه على النوم فيراهنه الأرق على اليقظة، و يمضي الليل طويلا مزعجا، و باردا كثلج المحطات عندما تدوسه القطارات.
لا أحد من الأحياء يذكره، لا أحد يزوره نهارا عدا القبور التي تتفتق كل ليلة على ساكنيها فيحيطون به من كل جانب، يذَكرونه بأقل التفاصيل. لم ينس وجها آخر برجلين مربوطتين بحصان و رأس يمسح طرقات المدينة في زقاقـات تعج بالشياطين . يتـفـتـت رأسه و يروي كل المساحـات التي مر عليها لتنبت بعـدد الحصى زهور الكرامة. “بن شولاق” اسـم أٌعطي لشارع يكتض بالمقاهي و على طرفيه أمن و محكمة.
ها قد قام بعد وقت طويل من الرقاد يرفع كأس التــحدي ليحــتسي منه نخب نصر صنعته الهزيمة، إنه بروتوس يحمل السكين ليحرر روما لما صوب يديه على ظهر قيصر
– قتلتني يا بروتوس،..
– حميد لم أقتلك.. لست أعلم كيف استلوا اسمك من شفاهي؟ ..كيف تواطأت معهم رجلاي بعد أن ألبسوني قلنسوة حمراء و جروني إلى بيتك جرّا..؟
رأيتهم يرجمونك بالرصاص ككلاب أحاطت بهارب في سهل خانته الجبال بالبعد، لباسي يحتفظ بأثر دمك
و عيني لا ترى غير صورتك..
خذ السكين و خلِّصني من هذا العذاب، لا الموت فيه رحمة و لا لحياتي ما يستحق البقاء.. خلصني أتوسل
إليك.
– لا يا بروتوس كان عليك أن تعلم أصابعك اليقين و ألاَّ تستعذب بحتي فيما ترميني المرتزقة بوابل من رصاص.
الرصاص لم يقتلني فقط طعنتك بظهري من أهلكني. إنك بعد موتي اجتثثت ذكراي من الأرض و حرمتني من تناسل اسمي. حكمت علي بالعقم بعدما حكمت علي بالموت. ثم تطلب بعد ذلك الغفــران؟ !.
تصيبه نوبة بكاء، شهقاته متلاحقة. طيفها و ظله ونحيب صغير يقتربون من بعضهم، يتحدون … و يغوص هو في سواد الحزن، يلعق الحسرة و يقتات من بقايا ليل زائل .
مطر مطر..
سيارات تعطس من فرط البرد، تبحث عن أمكنة تختبئ فيها و تلوم أصحابها على إيقاظهم إياها في هذا الصباح الباكر، رائحة الفطائر تدغدغ المدينة. فتفيق مبتسمة، تنتظر يوما جديدا.
فوضى، و ضجيج، و عالم مليء بالحركة يسير برأسه. يجلـس على طـرف سريره يسحب الجريدة و يقرأ المزيد من الأخبار.
يقاسمه ابنه التصفح و يحزن بشدة على سقوط اسم جديد في ثنائية التسجيل تضم تاريخين، واحد للولادة و الثاني للرحيل
– الشاذلي مات، كان سياسيا محنكا.
لكن الجريدة قديمة
تضجر مما سمع، و من هذه العزلة التي لزمته لكنه راح يواسي نفسه بأنه القادم في القائمة …ثم سأل:
– متى موعد الطبيب ؟
– الأسبوع القادم
رغم أن كل الجرائد قديمة إلا أنها تحمل شيئا بداخلها، تحفظ أصواتا و أسماء لعابريها و مُحبريها.
يعـود الصمت ثالثـا بينهما إلـى أن يدخل حفيده بخفة، و يخبره عن عشاء اليـوم. عـن قصعـة يملؤها الرقـاق و ديك رومي اشتروه من السوق الأسبوعي. يفرح لذلك كثيرا و يمني نفسه بعشاء دسم، كأنه تذكر شيئا يحبه و يربطه بالحياة أما ابنه فيرمق صغيره بعين غاضبة على ما قالـه و يذكره بمرضه و بضرورة اتباع الحمية.
يغضب لذلك كثيرا و يقسم على الصيام إذا حرموه مما يحب. أجل، إنه يحبه و إنه كان يشتهي المطر لأن هذا الطبق خاص بالشتاء. لعل ششناق أحبه أيضا و هو من سن هذا العيد. فلكل نصر عيده و لكل عيد نكهته.
كراس كثيرة و مآزر بيض تتنقل بعشوائية بين الأوجه المختلفة و المرمية في هذه القاعة الضيقة. إنها المؤسسة الوحيدة المختصة بالمسالك البولية على مستــوى الشرق، مصب الروافد لكل مدينة شرقية أعياها المرض. لا تستطيــع عندما تلج إليها التفريق بين العليل و السليم و لا بين الممرض و الطبيب. دخان السجائر يخنق المرضي و يسقم الأصحاء.
إنه جالس على كرسي خشبي بارد بعد سفر متعب في هذا الصباح البارد. قد ودع مدينته علّ الكوابيس تهجره، تتركه و لو للحظات فيجد الموت يبتسم له في وجه كل مريض قادته الحاجة و قلــة الأخصــائيين و ندرة الدواء. ودع مدينة تبدأ بمحشر و تنتهي بسجن فاستقبله مشفى يبدأ بمشرط و ينتهي ببراد. يفتش عن ولــده بقربــه فلا يجده. و تحضر عائشة تسترجع وليدها المسلوب منـهــــا. إنــه من أخذه. نعم هو أخــذه من تــحت سقف مسه الخراب بعدما أحرقت الطائـرات الصفراء كل المداشر، كل القــرى، و أحرقتهـا و فستانها.. لكنه ذهب ليبحث عن وسيلة تُمكنة من معاينة الطبيب له قبل الآخرين، قبل أن يبدأ في التألم مرة أخرى و قبل أن يضيع في غيبوبة الأشباح.
يسأل شخصا كان مارا بجواره.
– بني.. ما معنى الكارسينوم؟
– إنه السرطان

الوجــــع المتبـــــقي

عجوز عقيم…
آخر ما قالته له و ما فهمه من الصراخ ومن وابل التهم الخارجة من شفتيهـا. ترمقــه بعينـي غل و تنصـرف، تغيب عن ناظريــه فارة منـه ثم عائدة إليـه، و تعود تمـارس الاختفــاء بين أثـاث الغـرفـة، تـحـت شراشف السرير، و على خزانة ثيابه، تنتعل أحذيته حذاء حذاء ثم تتوارى خلف ستار النافذة. يتبعها بعينيه يحاول اللحاق بها، فتخونه رجلاه، و يسقط أرضا.
بين صراخها و بياض منثور خلف غبار الانفجار يتمتم بكلمات عجماء، ثم يضيع في غيبوبة قاتلة، أسماء تعود إلى ذاكرته، تصارع النسيان بالعودة إلى الحياة من جديد. و يصرخ هو..
– أنا بروتوس..
– أنا صاحب القيصر
خنجر الوشاية مسموم يمسك به كفه
صدى صوتها يلحق به في عز غيابه، يخنق أنفاسه، يحاول الوقوف فتصده دورية تقتنص الفارين إلى الحياة المكرهيـن على المـوت. بدلات عسكريـة و أوجـه سوداء مغطـاة بقلنسوات حمـراء تصل بطولهــا إلى الرقبــة.
خائن عقيم..
في زوبعة جنونهـا قبل التسلل إلى مرقدهــا، ترفل بين يدينه، تحوم حول سريره و تعاود الفرار من جديد، تضيع في قهقهات خرساء لا يسمعها سواه. محاولة إيقاظه كلما ركن إلى النوم فتحول بينه و بين السكينة.
هي هي…
تلك الـ “عائشة” تعود كلما أجبر نفسه على قبر ذكراهــا، على الخلاص منهـا و من ماضيها، على فصـل تاريخه عنها فتعــود إليه بقوة أكبر تُجددها كلما أضعفتــه. تحمل بين مرة و مرة رضيعا تضمه إلى صدرهـا. و هو المرمي على سرير الوحدة يضم ركبتيه إلى يديه و يغوص في الغيبوبة. غبار الانفجار و عتمة الطريق حالا بينه و بين الهروب، دورية العسكـر تحيط به من كل جانب، أرجل تركله و أياد مـمسكة برشاشات تحاول تفتيت رأسه. عويل الليل يؤنسه و ينسيه العذاب، إلا أن عائشة تذكِّره كلما حاول الفرار.
– ماذا فعلت بحميد؟
– لم أكن أنا. إنه من فجر الجسر. إنه من حاول قطع قافلة الشياطين لألاَّ تبني لها أوكارا و تنتشر في زقاقات مدينة تاهت عن الحلم .
– كان رجلا.
– أنا أيضا.
– أنت خائن عجوز.
كلاليب من حديد تمــزق جسده و ملـح يــرش علـى لُحم مجروحـة. صراخه يعــلو فيشق على الجميـع هدوءهم و يوقظ كل النائمين. يهرول ولده إليه و يحاول إيقاظه. ينظر إليه بغيظ ثم يطلب منه ترك الغرفة.
يتناول جرعة من الدواء ثم يحاول الجلوس. رجلاه لا تتحركان، يتحسَّسهما بيده، يحاول تحريكهما… لكنه لا يستطيع. دموع غزيرة تسقط على خدين محروقتين… يتناول ألبوم الصور المخبئ تحت وسادته، يقلب الصفحات، يتمعن الأشخاص المصفدين داخله، يحاول اقتلاع حكاياتهم و رميها في سلة النسيان، لا يريد لهم رسما.. لا يريد لهم تفاصيلا و لا وجود لهم بحياته لكن ارتباطه بهم ظل قدرا يلاحق خطواته، أنفاسه، حركاته و سكناته…
يسقط كل مرة في سفينة الرجوع تلك التي لا تبحر إلا عكس الزمن. يلقيه أرضا ثم ينتشله، و يعيده تحت الوسادة.
ألا يفترض أن الوسادات للنوم؟
لماذا تراها تحت رأسه مخزن الآلام و الذكرى. يتورم الفرح ليصبح قبحا، و تبدأ رجله بالتوجع.
إنه خائف.
أجل إنه خائف من طيف ما يترصده، يترصد إغفاءته ليثأر لنفسه منه. يفزع لفكرة الثأر فيُدس في فرشته مغطِّ رأسه بانزلاقه على سريره الحديدي.
يأتيه حميد ، يرفع إزاره، يبتسم ابتسامته الرجولية ثم يمضي، يحاول اقتفاء أثره فيتعثر في الجثث المرمية، جماجم مبعثرة خلف هذا التل الكبير، يسقط و يحاول النهــوض فتخونـــه قدماه الموكوتة. يحــاول مـــرة أخرى .. يمسك بغصن من شجرة زيتون لم تحرقها النار بعد… يتمسك بقوته فيأتيه طيفها، يدغدغه.
أجل هي مرة أخرى بثوب العرس، مخضبة اليدين. آثار دم عالقة بفستانها، شعرها الكستنائي صار أسودا، يغطيه الرماد، تنتعل ألمها و لا تكف عن الدوران حوله. تحوم كنسر يضرب بجناحيه، يترصد طريدته من بعيد بقهقهاتها المتصاعدة. تختفي و تظهر بين صخور الوادي، هناك فقط على الجسر الرابط بين المدينتين المتناحرتين منذ زمن على الأسبقية في الظهور “ميديوس” أم “كونستانتينوس”. ثم تصعد الجبل الأخضر تحاول اللحاق بحميد ، لكنها لا تدركه فتعود مكرهة تبكي و تنفش شعرها و كأنها ترقص على آخر نغمة للحياة، تضرب برأسها الأرض فيتموج شعرها كساحرة تمارس طقوس الشعوذة. و تحوِّر بين يديها طعام الأشباح.
عجوز عقيم و خائن.
صوت رضيعها يعلو بعد صوتها فتركض إليه و تضمه إلى صدرها. تنسى نحيبها و عويل الليل و زوجها لترمي بنفسها قرب طفلها، ضامة إياه إلى صدرها.
– بني: لا تبك، والدك بطل.
يصرخ من جديد و يحاول الفرار من ظلها، يسحب الإزار على وجهه و جسده المحموم يتصبب عرقا تارة، و خوفا تارة أخرى، ينادي ولده فيركض إليه مفزوعا:
هل عادت إليك الكوابيس؟

الصبح يزحف نحوه، و أصوات الموتى بدأت في التلاشي يطرق ولده الباب طرقا خفيفا ثم يلج إليه يسأله عن صحته، فلا يرد عليه سوى الصمت. يحاول أن يحرك له ساقيه لكنه يرفض ذلك بل و يغلق عينيه، فيتركه و يمضي نحو عمله. ينادي حفيده بعد ما سمع الباب يُصك، و يطلب منه الاقتراب. يدنو منه الصغير و يسأله:
– أتريد شيئا؟
– اسأل صيدلي الشارع، قل له ما معنى الكارسينوم ؟
ينظر إليه بتمعن، ثم تنفرج شفتيه بابتسامة هادئة.
ماذا ؟ الكـــ ا ر ســـيـ……
– ألا تفهم أيها الولد العاق، تشبه والدك كثيرا، بل تشبه والدتك.
ثم يتمتم .
– بل جدك كان هكذا.
– إذن أشبهك
– أسكت يا ابن الـــــ…
تجره والدته من ذراعه و تخرجه من الغرفة و يبقى هو وحيدا يصارع الوحدة و الألم.
ليلة أخرى تعود مثقلة إليه، تحمل معها سينفونية الموت، و تعزف على جثث القتلى أنغام الرحيل..
القبور تحوم حوله، تُخرج ساكنيها، و حميد يجلس فوق شجــرة الزيتــون كمـــا آخر مرة التقى بــه، يبتســم و بين يديــه بعض المتفجــرات يجمعهــا ببعضها البعض ثم يوصلها بخيط الكهرباء. ينزل و يتجـــه نحـــو الجسر، يدفن الديناميت تحت صخرة على الحافة ويوصل الأسلاك الكهربائية على بعد عدة أمتار. ثم يقترب منه.
– هيا اضغط.
– لا أستطيع.
– يجب ذلك…
يدس وجهه بين يديه ولا يجيب فيسمع دويا يهز المكان.
يحاول الهرب
تحيط به دورية العساكر، و تأخذه.
لست الفاعل.. إنه حميد ..
رشاشات تدق رأسه، و أرجل تركله بشده، تحاول معرفة مكــان الفاعــل، يضيع وســـط الضجة و الخـــوف، و حروق تملأ جسده، بل آثار تتموضع في كل خلاياه.
نار… نار و تمزق في عضلات الرجل اليمنى، يحاول حمل نفسه و لا يستطيع، حميد يواصل صعوده نحو الجبل دون كلل، دونما تردد، يتسلق أشجار الزيتون يقطف من ثمـــر الجنــة و يلقي إليه بأوراقها علها تستــر عورته.. تتبــعه الغربان المتقاتلة تنبش أرضا طهورا تواري بهــا سوءة الخائنين .. و تعلمه كيف للقبور أن تخفي الطُّهر و كيف للحياة أن تحمي الجبناء.
طفله يعوي في حضن كليل و أم تلطم وجهها تشق جيبها، ثم تزغرد، كما المجانين، تزغرد ثم تعود إليه بشعر اسودَّ من بقايا شظايا قنابل ألقتها الطائرات الصفراء في شوارع مدينتها.. في حارتها.. قرب بيتها .. بفستانها الأبيض البراق، و بقع الدم القاني مختلطا بسواد الرماد .. برائحة دخان قوية تغتال عبق الياسمين و زهر العطرشان المنثور على بيوت صغيرة تنتشــر خلف كل شجرة و قرب كل واد. يشحب وجهها أكثر و تصرخ …فتدوي فلكه و يضيع في حفر الخوف، يبحث عمن ينتشله و يذهب به إلى مملكة الصمم.
– أيها الوغد زوجي بطل…
يجمع قواه و يمد كفه للطمها فتصطدم بالفراغ، و تقهقه هي بصوتها الصاخب الممزوج بنحيب طفل جائع في ليلة من ليالي شتاء الجبل الأخضر
– خائن عقيم…
– دعوني، أريد أن أموت
صوته يهز، المكان يزلزله، كنعيق البوم عندما يخيف طريدتـه فتتدحرج الجماجـم حتى تبلغ قدميه، يهرب منهــا فيصطدم بحميد أمامه. يسأله في أيّ عام هم ؟ فيجيبه أنهم في شاء 1959 . إنهما هنا في هذا السفح يختبئان بين أشجـار الزيتـون و التين الملكي، هما هنا ليفجرا ممر شاحنــات العسكر، على هذا الجسر الصغير، إنهمــا لا يريدان موتا آخر . لا أرامل و لا ثكلى و لا حتى يتامى مجهولي الهوية. يولدون كل يوم في هذا الوادي المقدس.
ستهرب الشياطين من رائحة الياسمين و رائحة الرجولة
الشياطين !!!
لقد رآهم بقلنسوات حمراء يسحبونه سحبا إلى مدينة الموت. إلى سجن لا يعود الذاهبون إليه إلى أهليهم أبدا. حتى والدته أبكت جاراتــهـــا عندما انفجرت البيضة في الكانون… جـلست تنعــي المتبـقي الغائب المرمى في جب “السيلون” تُمزَّق أطرافه بالكلاليب و يوصَل جسده بالكهرباء إلى أن يُلقى به في عفن الغرفة السوداء المظلمة جدا.
المدينة تبكي رجالها..
لكنها دفعتهم إلى الثورة
كيف لمدينة أن تأكل أبناءها و تتآمر عليهم ؟ فتقذف بأحدهم في رحم الموت و تُبقي على الآخر يلوك خزي الحياة و عارها.
لكنها الثورة…
رائحة الخيانة تفوح من أفواه الجبناء، أولئك الذين يقتاتون على ألم الآخرين
لكنه حرم من عائشة
ليس مهما مادام للوطن بقية تحبه.
يهرول إليه ولده، يجلس بجانبه على حافة السرير ثم يناوله جرعة من الدواء، لكنه يرفضها، لا يريد الشفاء و لا الحياة، بل يريد أن يذهب دون رجعة كمــا أصدقاءه الذيـن رحلــوا فتمردت أرواحهـــم على أجسادهــم و تحررت من أسر أرض تبلع عاشقيها. كان رجلا، أجل رجل عاش حياة واحدة و مات رجلا. أما هو فعاش مبتئسا و يموت في اليوم ألف مرة.
يتفتح صبح جديد و تتفتح جراحات جديدة..
طاولة خشبية بجانب سريره، فنجان قهوة ساخن أعدته كنته و جريدة خرساء تثرثر في صمت، تنقل إليه أخبار العالم. يتألم كثيرا، لعجزه عن الحركة عن الفعل.كان صانعا و صار مصنوعا فيه. لا يحرك رجليه إلا بتعب شديد، و لا يقوم إلا على عكازات بمساعدة أحدهم.
يكره منظره و هو ملقى على السرير كقطعة أثاث عتيقة بقيت من الماضي السحيق تثقل بوجودها على المكان، يتمنى الموت فلا تأتيه و ينكر على القدر هذا الفعل بل و يعاتبه على إقعــاده فيتصدى له القدر بأن يريه بين مــرة و مــرة وجعا جديـدا و جراحـات خالدة، طاغيـة الحضور تُقوِّي تواجـدها بفـعـــل التذكــر و ترفض الرحيل و النسيان. يزيد ألمه عندما يقرأ موت المجاهد الكبير عبد الحميد مهري فترقـص بيـن عينيه صور الموتى و تعاود الكوابيس طقوس المباغتة، صوت عبد الحفيظ و هو يضع يده على كتفه، إنها الليلة و علينا الصمود، صوت طفل صغير لم يبلغ الرجولة بعد وُشي به من عـاذل مجهـول أراد أن يبث الرعب في الجماعة المتحدة لتتفرق عن خيانة. فجرَّ سكينه على خط حياة كانت له و صارت لغيره بوريد حمل نبضا إلى وريد يحمل ذنبا.
-لكل ثورة أخطاؤها
هكذا يرد على صوت التأنيب القادم من زمن الخوف، لا يريد خونة بينهم و لا يريد للثورة أن تفشل بسبب طفل سواء أكانت الوشاية حقيقة أم مجرد كذبة تفتعلها المدينــة كلما حاولت تقديم قربان جديد لـزيـوس حتى ترى مدى ولاء أبنائها لـها.
لم ينتبه بأن الجريدة قديمة جدا و أن الأخبار الموجودة فيها أصبحت مستهلكة و باردة كيومــه هذا. فألقاها بعيدا ثم أدار رأسه نحو النافذة يحاول رؤية الشمس لكن السحب تخونه و تغطي عنه بريقـــــها.
قاب جنون .. تهجره أنفاسه حينما تحط عائشة بين يديه، تلثم الوجع باشتهاء ثم ينتظر منها حبا كسيحا مضت عليه عقود و هو مدفون تحت لحـد التعتيم. يبدأ صوتها بالبعـد عنـه و بالرحيل إلى حيث لا يراها، ينادي صوتها الجميل:
– هلا انتظرت قليلا أمتع سمعي بك ؟
فيجد نفسه يوشوش لنفسه يستفيق على وقع الخيبة
يضيع…
ينصهر…
و يمني نفسه بالموت فلا تحضره..
متكئا على خضاب ماضي تلك الخيانة يتمنى لو يستطيع الهرب، لو تكف حواسه عن العمل فلا يرى و لا يسمع و أكثر من ذلك لاَ يتذكر. تتلقفــه الحقيقة فيحترق بهــا في حيـن احتـرق الآخــرون بلحظة ضعفـــه. تتدحرج الجمرات بين أنامله،.. في راحته كلما لامست أصابعه ألبوم الصور، يحاول العد: في أي عام نحن؟
تجيبه الصور:
عام 59
رقم موقع على جدران السجون.. على أشجار الزيتون .. و على طريق قُطع فقَطع معه اسما سقط من سجلات الأحيـاء و بقي حيا في ذاكرة الأمكنة و الأزمنة..
حميد ! ..
….
لم أخنك أبدا..
شدَّدوا علي العذاب و لم أدر كيف نطقت اسمك و لا كيف أريتهم الطريق لبلوغ بيتك.. لو تسامحني؟
يحاور نفسه، يلومها، يتوسل للنسيان أن يحضر فلا يرد عليه سوى صمت الليل، و ابتسامة حميـد الهادئة التي لا تفارق وجه و لا تغيب أبدا عن محياه الرجولي.
يراهن نفسه على النوم فيراهنه الأرق على اليقظة، و يمضي الليل طويلا مزعجا، و باردا كثلج المحطات عندما تدوسه القطارات.
لا أحد من الأحياء يذكره، لا أحد يزوره نهارا عدا القبور التي تتفتق كل ليلة على ساكنيها فيحيطون به من كل جانب، يذَكرونه بأقل التفاصيل. لم ينس وجها آخر برجلين مربوطتين بحصان و رأس يمسح طرقات المدينة في زقاقـات تعج بالشياطين . يتـفـتـت رأسه و يروي كل المساحـات التي مر عليها لتنبت بعـدد الحصى زهور الكرامة. “بن شولاق” اسـم أٌعطي لشارع يكتض بالمقاهي و على طرفيه أمن و محكمة.
ها قد قام بعد وقت طويل من الرقاد يرفع كأس التــحدي ليحــتسي منه نخب نصر صنعته الهزيمة، إنه بروتوس يحمل السكين ليحرر روما لما صوب يديه على ظهر قيصر
– قتلتني يا بروتوس،..
– حميد لم أقتلك.. لست أعلم كيف استلوا اسمك من شفاهي؟ ..كيف تواطأت معهم رجلاي بعد أن ألبسوني قلنسوة حمراء و جروني إلى بيتك جرّا..؟
رأيتهم يرجمونك بالرصاص ككلاب أحاطت بهارب في سهل خانته الجبال بالبعد، لباسي يحتفظ بأثر دمك
و عيني لا ترى غير صورتك..
خذ السكين و خلِّصني من هذا العذاب، لا الموت فيه رحمة و لا لحياتي ما يستحق البقاء.. خلصني أتوسل
إليك.
– لا يا بروتوس كان عليك أن تعلم أصابعك اليقين و ألاَّ تستعذب بحتي فيما ترميني المرتزقة بوابل من رصاص.
الرصاص لم يقتلني فقط طعنتك بظهري من أهلكني. إنك بعد موتي اجتثثت ذكراي من الأرض و حرمتني من تناسل اسمي. حكمت علي بالعقم بعدما حكمت علي بالموت. ثم تطلب بعد ذلك الغفــران؟ !.
تصيبه نوبة بكاء، شهقاته متلاحقة. طيفها و ظله ونحيب صغير يقتربون من بعضهم، يتحدون … و يغوص هو في سواد الحزن، يلعق الحسرة و يقتات من بقايا ليل زائل .
مطر مطر..
سيارات تعطس من فرط البرد، تبحث عن أمكنة تختبئ فيها و تلوم أصحابها على إيقاظهم إياها في هذا الصباح الباكر، رائحة الفطائر تدغدغ المدينة. فتفيق مبتسمة، تنتظر يوما جديدا.
فوضى، و ضجيج، و عالم مليء بالحركة يسير برأسه. يجلـس على طـرف سريره يسحب الجريدة و يقرأ المزيد من الأخبار.
يقاسمه ابنه التصفح و يحزن بشدة على سقوط اسم جديد في ثنائية التسجيل تضم تاريخين، واحد للولادة و الثاني للرحيل
– الشاذلي مات، كان سياسيا محنكا.
لكن الجريدة قديمة
تضجر مما سمع، و من هذه العزلة التي لزمته لكنه راح يواسي نفسه بأنه القادم في القائمة …ثم سأل:
– متى موعد الطبيب ؟
– الأسبوع القادم
رغم أن كل الجرائد قديمة إلا أنها تحمل شيئا بداخلها، تحفظ أصواتا و أسماء لعابريها و مُحبريها.
يعـود الصمت ثالثـا بينهما إلـى أن يدخل حفيده بخفة، و يخبره عن عشاء اليـوم. عـن قصعـة يملؤها الرقـاق و ديك رومي اشتروه من السوق الأسبوعي. يفرح لذلك كثيرا و يمني نفسه بعشاء دسم، كأنه تذكر شيئا يحبه و يربطه بالحياة أما ابنه فيرمق صغيره بعين غاضبة على ما قالـه و يذكره بمرضه و بضرورة اتباع الحمية.
يغضب لذلك كثيرا و يقسم على الصيام إذا حرموه مما يحب. أجل، إنه يحبه و إنه كان يشتهي المطر لأن هذا الطبق خاص بالشتاء. لعل ششناق أحبه أيضا و هو من سن هذا العيد. فلكل نصر عيده و لكل عيد نكهته.
كراس كثيرة و مآزر بيض تتنقل بعشوائية بين الأوجه المختلفة و المرمية في هذه القاعة الضيقة. إنها المؤسسة الوحيدة المختصة بالمسالك البولية على مستــوى الشرق، مصب الروافد لكل مدينة شرقية أعياها المرض. لا تستطيــع عندما تلج إليها التفريق بين العليل و السليم و لا بين الممرض و الطبيب. دخان السجائر يخنق المرضي و يسقم الأصحاء.
إنه جالس على كرسي خشبي بارد بعد سفر متعب في هذا الصباح البارد. قد ودع مدينته علّ الكوابيس تهجره، تتركه و لو للحظات فيجد الموت يبتسم له في وجه كل مريض قادته الحاجة و قلــة الأخصــائيين و ندرة الدواء. ودع مدينة تبدأ بمحشر و تنتهي بسجن فاستقبله مشفى يبدأ بمشرط و ينتهي ببراد. يفتش عن ولــده بقربــه فلا يجده. و تحضر عائشة تسترجع وليدها المسلوب منـهــــا. إنــه من أخذه. نعم هو أخــذه من تــحت سقف مسه الخراب بعدما أحرقت الطائـرات الصفراء كل المداشر، كل القــرى، و أحرقتهـا و فستانها.. لكنه ذهب ليبحث عن وسيلة تُمكنة من معاينة الطبيب له قبل الآخرين، قبل أن يبدأ في التألم مرة أخرى و قبل أن يضيع في غيبوبة الأشباح.
يسأل شخصا كان مارا بجواره.
– بني.. ما معنى الكارسينوم؟
– إنه السرطان

Share Button

تعليقات

تعليقات

همسه 2015/03/31 10:25م تعليق 2 330

2 تعليق علي الوجع المتبـقي مسابقة القصة القصيرة بقلم /كريمة كرايمى من الجزائ

  1. جمال كربوش

    ـ مسابقة القصة القصيرة ـ
    الأسم : جمال
    اللقب : كربوش
    العنوان : شارع كحال احمد ولاية جيجل. الجزائر.
    الهاتف : 05.50.62.48.28
    البريد الإلكتروني : djamelkerb@yahoo.com
    ـــــــ
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين
    جمال كربوش

    كنت أسير على طرف الطريق، رفقة صديق لي، كنَّا نتجاذب أطراف الحديث، وفجأة لمَا وصلنا إلى المفترق رأينا جمعا عظيما من الناس وهم يتدفقون تدفق أمواج البحر؛ هذا عن يميني؛ أمَّا عن يسارنا وجدنا حشدا كبيرا من رجال الأمن يبدوا عليهم العزم على تفريق المتظاهرين.
    اندهشنا لهذا الموقف، وقرَّرنا الرجوع من حيث أثينا، ألحّ أحمد للبقاء ومشاهدة ما سيحدث ولو لفترة قصيرة، لكنَّ الخوف سكن ضلوعي، وهممت بالعودة حتى ولو كنت وحدي، وما إن اتفقنا وهممنا بالفرار حتى سمعنا طلقات الرصاص، ودوي القنابل، وصيحات المتظاهرين.
    انطلقنا مسرعان باتجاه حيّنا القريب، وإذا بنا نصادف عمّي السعيد وهو في حالة نفسية سيئة، أسرعنا لنبتعد عن المواجهة، وكان علينا أن لا نتركه لأنه طلب منّا المرافقة.

    أسرعنا..
    فسرع،
    وكذلك بعض المتظاهرين الذين التحقوا بنا ورجال الأمن يطاردونهم.

    لم نجد سبيلا للهروب إلاّ الاحتماء داخل قبو عمارة، رغم الوسخ المتراكم فيه، ورغم الروائح الكريهة المنبعثة منه.
    ارتمينا أرضا، وقبل أن نجد مكانا للجلوس، التحقت بنا فتاة لم نستطع التعرف إليها إلاّ بعد أن نطقت ووجهت لي الكلام :
    أنا جميلة …
    جارتك …
    ألم تعرفني يا …

    لم أتركها تكمل ندائها وطلبت منها الجلوس بجانبي.

    إن المسكينة لم تجد مفرًا سوى اللحاق بنا، فدخلت واستلقت على الأرض، وما كان همنا سوى الهروب من ساحة المواجهة.

    ساد بعض الهدوء بيننا، وفجأة تغير وجه عمّي السعيد ، وتبدلت سماته، وتحولت إلى عبوس.
    لقد حُكي لنا أن هذا الرجل أسطورة، وأنه جُنَّ مع نهاية حرب التحرير، وبداية المواجهة بين أبناء الجزائر، بين جماعة تلمسان وأنصار الرئيس، كان هذا الرجل شابا، مثقفا قوي البنية، برتبة قائد كتيبة في الولاية الثانية، بالمنطقة الثانية، أي أنه عاش قسوة وهمجية فرنسا في الشمال القسنطيني بضواحي مدينة الميلية في عمق جبال بني صبيح.

    ولم نهنئ بهدوئنا حتى صاح فينا عمّي السعيد مدويا قبو العمارة قائلا :
    انبطحوا ..
    انبطحوا ..

    وما إن هممنا بذلك حتى صرخ مرة أخرى هاتفا بحياة الجزائر :
    تحيا الجزائر …
    تحيا الجزائر …
    تحيا الجزائر …

    ارتعدت قلوبنا، وارتجفت أبداننا من هول غضبه …
    وبدون شعور انبطحنا أرضا، وكان خوفنا منه لا من ضجيج الشارع.
    سكت عمّي السعيد قليلا واتكأ على رجلي، وبعد ثوان تحركت جميلة؛ وأخرجت هاتفها النقال من حقيبتها، وشغلت الراديو لتلتقظ إذاعة الجزائر وهي تذيع أناشيد وطنية بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثون للفاتح من نوفمبر.

    أنفزع عمّي السعيد …
    وخطف الهاتف من يد جميلة، وراح يردد تلك الأناشيد، ومع حماسه الشديد سقط من يده وانكسر لينقطع الصوت. أما عمّي السعيد فلم يتوقف عن الغناء إلاّ بعد دقائق، ثم قال :
    وكأن الزمن عاد به إلى زمن الثورة، إلى زمن كان فيه هذا الرجل واحد من أطراف المعادلة التي كانت موجهة ضد الإستعمار الفرنسي.
    هدأ ثم قال : إنه خطاب التاسع عشرة من مارس، أو خطاب يوم النصر وتوقيف القتال عام اثنين وستون، حملق هنيهة في ظلام وسكون القبو، وراح يردد خطاب بن خدّه التاريخي، وكأنه هو، تحدث طويلا، وما هزني من كلامه عندما قال :
    أيها الشعب الجزائري … لقد تجند أكثر من مليون جندي فرنسي لقهر شعبنا … وبلغ بفرنسا أن أنفقت ثلاث مليارات فرنك في اليوم في هذه الحرب، وكانت مع ذلك تستفيد من الإعانات الضخمة التي يمدّها بها الحلف الأطلسي… إن الثورة قد انتزعت إعجاب الجميع وهي اليوم تتمتع بسمعة عالية وبتأييد عدد كبير من الأصدقاء في العالم، أيها الشعب الجزائري، يجب أن تستعد لتحقيق الاستقلال …
    نصر الله الشعب الجزائري المناضل… وعاش استقلال الجزائر.

    أختلط خوفي وإعجابي بعمّي السعيد، فرحت شاردا أستمع لخطابه ـ عفوا بن خده ـ وكأنني أعيش الحدث في حينه، وما أن انتهى حتى رحت هاتفا :
    تحيا الجزائر …
    تحيا الجزائر …
    و مع شدة هيجاني، وخزني أحمد وأشار لي بالسكوت لتفادي اكتشافنا من طرف رجال الأمن.

    سكت عمّي السعيد هو الآخر وكأن شيئا لم يحدث، ومع ذلك بقيت تائها، متأملا تجاعيد وجهه التي زادتني شرودا، إذ كنت أرى فيها تقلبات الزمان من الانتصارات والعظمة في الخمسينيات والستينيات، إلى المواجهة بين الإخوة في فجر الاستقلال وفي مطلع التسعينيات، إنها تجاعيد توحي بوطنيته المتأصلة …

    ما عهدت عمّي السعيد يتصرف بهذه الطريقة والجدّية، اندهشت لنظراته الثاقبة الحادة وعيناه اللامعتان.. فاقتربت منه لأهدئه، رغم أنني أحسست بذلك السكون الذي ساده.
    ارتمى أرضا فور رؤيته لرجال الأمن من ثقب في الحائط. ولما أَحسَّ بالأمان رجع إلى مكانه ونظر إلينا، وقال في هدوء :

    إن فرنسا ظالمة، أخرجتنا من ديارنا فحاربناها، ورفعنا علم الوطن بين الشعوب، لذلك كونوا أشداء أذلة على أذنابها.

    ابتسمت وقلت له :
    لكَ الحقُّ يا عمُّ…
    سوف نكون كذلك.

    انقطع كلامه هنيهة، ثم عاد للحديث :
    ما زالت مخيلتي تحتفظ بالكثير من صور المجازر، ففي حوادث الثامن ماي عام خمس وأربعون وتسعمائة وألف، وفي مدينة سكيكدة رأيت أبشع صورة رسخت في ذهني، بل ما زالت تقتلني كلما تذكرتها؛ إنها صورة امرأة شابة …

    توقف عمّي السعيد عن الكلام بضع ثوان، وبدأت بعض من الدموع تنساب فوق خده الأيمن، ثم رجع إلى حديثه قائلا :
    رأينا رضيعا ملوثا بالدماء، يبحث عن ثدي أمه المقطوعة الرأس، دون أن تستجيب الضحية لصراخ ابنها أحيانا، ولمداعبـاته لها أحيانا أخرى، إنها صورة اختلطت فيها مسكنة الرضيع بمصيبة الأم الذبيح؛ ولبشاعة هذا المنظر الرهيب تدخل أحمد بصورة فجائية ليطلب من عمّي السعيد أن يغير الموضوع. إنها لحظات حملتنا إلى جرائم حصدت خمس وأربعون ألف شهيد، لا لشيء إلاّ لأنهم خرجوا ينددون بالاستعمار ويطلبون الحرية التي وعدتهم بها فرنسا.

    ثم نظر إلى جميلة وطلب منها أن تقترب منه، فجلست والخوف يملؤها، ووضع يده فوق رأسها وقبلها من جبينها ثم قال :
    وفي أحد أيام الثورة التحريرية عشنا أبشع المظاهر كالتي حدثت في قرية حدودية شرقية، كنّا في مهمة سرية، ولكن الصدفة أظهرت لنا حقيقة فرنسا التي لطخت شرف البلاد، ثم راحت تتفنن في تلطيخ شرف العباد، فلما وصلنا إلى تلك القرية مع غروب الشمس رأينا من فوق جبل، نسوة وبناة في مقتبل العمر قد جمعن في ساحة الثكنة العسكرية.
    كن جميلات، مقيدات، ملقيات على الأرض تؤرقهن قسوة وحيوانية جنود الاستعمار…،
    نعم كنّ مكبلات …
    عاريات …
    تقتلهن حيوانية جنود الاستعمار، وما زاد في حسرتنا أننا لم نستطع التدخل لأننا كنَّا في قلة، ورأيت بأم عيني كلابهم تفعل ما فعله الجنود بنسائنا…
    إبنتي …
    أبقي إلى جانبي فلن أدعك إلى هؤلاء.

    سالت دموع عمّي السعيد وهو يتلعثم، ثم توقف عن الحديث، واعتذر …
    وساد الصمت في جلستنا…

    وحتى ننسى ما يجري في الشارع رحنا نترجى عمّي السعيد أن يحدثنا عن بعض انتصاراتهم أثناء الثورة.

    فقال :
    هذا سي يوسف…
    رجل، شجاع، صبور، وقوي جدا…
    فلما قمنا بتحضير كمين ضد فرقة عسكرية فرنسية…

    أثناء حديثه نظرت إلى أحمد فوجدته يحملق في وجه عمّي السعيد، وهو ينصت إليه بشغف، أما جميلة فقد انسابت دموعها فوق خديها، لا أدري أمن بشاعة ما وقع للنسوة، أم من خوفها مما يحدث في الشارع خاصة بعد تدخل رجال الأمن، لكنني عدت بنظري إليه فوجدته يقول :
    الكمين يا أبنائي؛ هو فخ قمنا به ضد فرقة عسكرية فرنسية في إحدى مناطق الولاية الثانية، ولما أنهينا المعركة مع مطلع سقوط الليل، وبعدما ضننّا أن الظروف مهيأة للرحيل من المكان، وبعدما اجتمعنا في إحدى شعاب المنطقة سقطت بجانبنا قذيفة، فتفرقنا لنتفادى أي اشتباك أخر مع العدو، خوفا من الدعم الذي وصل إلى الفرنسيين، وسلك كل واحد منّا دربا على أن نلتقي بعدها في المركز.
    في حدود منتصف الليل اجتمعنا من جديد في المركز، لكن تعدادنا كان ينقصه سي يوسف، فظن الكل أنه أستشهد، وصَلَّينا على روحه صلاة الغائب ودعونا له بالمغفرة والرحمة، ومع سكون الليل خَيَّمَ على قلوبنا سكون قاتم، لكننا فوجئنا بعودته وهو يحمل رجله اليمنى على كتفه، أما بندقيته فكان يتكأ عليها، فأي قوة جعلته يتحمل آلام رجله المقطوعة، وجعلته ينجح في الهروب من مكان القنبلة التي سقطت بالقرب منه.
    قاطعته جميلة بتدخلها راجية منه أن يزيدنا إحدى بطولات شعبنا…
    نظر إليها، وهو يقول :

    قُبضَ عليّ في الشمال القسنطيني، وأنا في مهمة سرية مع رفيق لي، فحملنا الجيش الفرنسي إلى “الدوزيام بيرو” في المنطقة ( مكتب التعذيب – صاص-) أين دقنا جميع أنواع العذاب من كهرباء، ماء وضرب لمدة يومان…

    ألتفت نحونا، ورفع يده نحو رأسه، وأشار إلى جبينه قائلا :
    هذه آثار الكهرباء التي ما زالت تؤلمني كُلّمَا تعرضت للبرد أو للحرارة، ثم نظر إلينا من جديد وانخطف يمينا ويسارا، واتكأ على الأرض دون مراعاته للأوساخ وهو يقول :
    وفي اليوم الثالث حملتنا شاحنة عسكرية وسط مجموعة من الجنود الفرنسيين، ونحن نتلقى الضربات من كل جانب، وصلنا إلى منطقة “أراقو” برج علي الآن، ووسط حراسة شديدة أمرت بحفر القبر الذي سأدفن فيه بعد إعدامي، وكذلك صديقي، ولكن مشيئة الخالق شاءت أن ينقلب الجو.
    وعصفت الرياح…
    وانهمر المطر، وساد برد قارسا…

    يا لها من صدفة عطلت تنفيذ حكم الإعدام، وزرع الجنود بعض الخيَم في المنطقة لأحتجز في إحداها تحت حراسة جندي أتضح فيما بعد أن أصله جزائري وهو من منطقة وهران.

    ولما سدل الليل أجنحته أقترب مني حارسنا، وهمس لي بأن نهرب بعد أن يفك رباطنا، وللأمان الذي أحسست به من نظراته، انطلقنا مسرعان نتسلق الجبل وسط مجرى الوادي، وراح هو من خلفنا يحدث الفوضى، فنجحنا في الهروب، ونجحت خطته للفرار من حكم الإعدام.

    وبينما كنّا ننصت إلى آخر القصة سمعنا آذان المغرب الذي اختلط بضجيج آليات رجال الأمن، كانت هذه الضجة سمفونية رعبنا في ظلمات القبو. ولإحساسنا بالخوف أكثر فأكثر توقفنا عن الكلام، ولكن المفاجأة كانت أكبر عند دخول أحد رجال الأمن إلي القبو وأمرنا بالخروج …

    خرجنا وفرائسنا ترتعد، ورائحة الوسخ تنبعث منّا بشكل يشمئز له البدن …
    كان عمّي السعيد آخر من خرج، ثم لحقه الشرطي ليقترب منه، نظر إليه، وخاطبه :
    أبي …
    أبي …
    كيف جئت إلى هنا ؟

    أحتضنه؛ وضمّه إليه دون أن يتحرك عمّي السعيد…
    ثم أخرج الشرطي علما صغيرا من جيبه وقدمه إليه، لكنه ما زال ساكنا، فاضطر الشرطي أن يرفع خوذته عن رأسه، ليتعرف عليه عمّي السعيد أخيرا، وناداه :
    بني إنك من جنود جيش التحرير …

    أخد العلم من يده، ووضعه في جيبه، وانطلق مهرولا في الشارع وهو يهتف بحياة الجزائر …
    تحيا الجزائر …
    تحيا الجزائر …

    ألتفت الشرطي نحونا والبسمة تغمر شفتاه، وقال :

    أنا مراد، ابن هذا الرجل …
    ضحك، بل قهقه على حالنا وقال :
    رائحتكم طيبة…
    أزكى من الياسمين…
    وأزكى من رائحة القمامة…
    ثم قهقه مرة أخرى …
    وطلب منا أن نوصل والده إلى البيت، وشكرنا على مساعدتنا له …

    مع آخر كلماته بدأت الدموع تملئ جفونه، وهو يتلفظ بكلمات ثقيلة جد :
    من يكون والدي ؟
    وهو الذي أحب الجزائر، ودفعني أن أكون رجل أمن، من يكون وهو الذي صنع ملحمة نوفمبر وعاش الانتصار، وصنع له أكتوبر ويعيش الدمار، فمن يكون …؟
    ومن أكون أنا …

    اختلطت علينا المشاعر، وأصبح باديا على مراد علامات الحزن والقلق، عكس ما ظهر به أمام والده، كان وسيم الطلعة لا يتجاوز عمره العشرين.
    وإن ما هزّني من كلماته لما قال :
    عفوا،
    اذهبوا بسلام .
    عفوا إخوتي …..
    فالطريق مؤمنة برجال الأمن، اذهبوا واحذروا …
    وأوصلوا والدي إلى بيتنا.

    نظر إلى يمينه، ورأى عجوزا تريد قطع الطريق، فاستأذن منّا وأتجه إليها مسرعا …
    أنطلق وانطلقنا …
    وكنّا مسرورين بنجاتنا …
    مندهشين؛
    نتساءل؛ عن هذا الرجل وابنه، عن وضعهما الذي جعلهما ثمنا لإصلاح ما أفسده غيرهم، فمن يكونا :

    أهما الشعب ؟
    الجزائر ؟
    أم الوطن ؟
    أم أنهما الأصالة والتاريخ ؟
    أو الذاكرة ؟
    وأي ذاكرة؛ ذاكرة الماضي أم الحاضر ؟
    أو ذاكرة الثورة والاستقلال ؟
    أو ذاكرة الفتنة ؟

    مع هذه التساؤلات لاحظنا بعض الهدوء في الشارع …
    فابتعدنا قليلا عن مراد الذي وصل مسرعا إلى العجوز، وأوصلها إلى باب العمارة التي تسكن فيها.

    كنّا على بعد ثلاثين مترا منهما، وفجأة سمعنا طلقة رصاص قوية مُدوية هزّتنا جميعا، وجعلتنا نرتمي على الأرض، فغمرنا الخوف والرعب من جديد، لكننّي لما أدرت رأسي باتجاه مراد، رأيته قد أصيب بتلك الطلقة…

    عادت العجوز، وضمّته إليها، قبل أن يقع على الأرض …
    مسك بيدها، وسقط على ركبتيه، وراحت تمسح عنه العرق.
    عُدنا إليه نحن أيضا، فوجدنا الرصاص قد أخترق كتفه اليمنى، والدماء قد غطت صدره، ورغم آلامه كان يواجه المرأة ببسمة ممزوجة ببعض الأنين.
    لم يحتمل الوقوف على ركبتيه إلاّ ثوان، وسقط أرضا، لتسبقه العجوز التي حملته بين ذراعيها، ووضعت رأسه على صدرها، وراحت تشده إليها بقوة.

    كانت الدموع تنهمر من عيناها في صمت، وهي تمسح وجهه بلحافها، كانت كلما شعرت بآلامه ضمته إليها بشدة …
    ثم نطقت، وراحت تخاطب الناس قائلة :

    هكذا فقدت ولدي أيام الثورة المباركة، وبنفس الطريقة أستشهد بين يداي ورضيت بذلك، أما هذا البطل فقد ولد في زمن الاستقلال؛ ولد ليعيش الانتصارات لا ليموت غدرا …

    كنت أشك حينها أن ما أراه أمامي مجرد أحلام، لكن ورغم ذلك، فإنها مرّة المذاق …
    كالعلقم لا تحتمل …

    لما تقدمت إليه، خاطبني بصوت خافت :
    أظنك تعرف والدي جيدا، أسرع وأحضره من فضلك …
    ذهبت مسرعا وأملي أن ألتحق بعمّي السعيد، فلحقت به وأخبرته بالحادث لكنني فوجئت ببرودته التي عرف بها، ثم تبعني وكان أحيانا أسرع مني.

    بعد لحظات وصلنا إلى مراد، وكان الشارع قد أمتلئ عن آخره بالأهالي وبرجال الأمن، فاختلط الكل، واختلط غيظهم وأسفهم وإصرارهم للبقاء إلى جانب هذا البطل.
    وقف عمّي السعيد على بعد متر ونصف من ابنه، وكان مراد ينظر إليه والدموع تنساب بين جفونه، ثم ناداه :
    أبي …
    أبي …

    كانت لحظات جدّ مؤلمة تجمع بين ألام الإبن وشفقة الوالد، ولكن سرعان ما أغمي على مراد ولم يكمل ندائه لوالده، وتقدم الأب حائرا باتجاه مراد، وسحب العلم الصغير من جيبه، وقبله ثم وضعه فوق جرحه، ثم أدار رأسه إلى الحاضرين وقال :
    إن جرحه خفيف، وإنه سيتعافى بإذن الله.
    لكنني أردت أن تختلط دماء ولدي مع ألوان علمي، قبل أن ننقله إلى المستشفى لنوقف نزيفه ونمده ما يحتاج …
    فهذه مشيئة الله، ولا مفر منها …

    مع هذه الكلمات وصلت سيارة الإسعاف، وحُملَ مراد إلى مستشفى الضاحية، وكان بجانبه عمّي السعيد، فانطلقت السيارة وسط الأهالي وهم عازمون على مساعدته … وسط ذهول الجميع … ذهول أبقى العجوز جالسة في مكانها وكأنها هي الضحية، وثيابها ملطخ بالدماء، ممزوج بدموعها.

    فانطلق الكل؛ وانطلقت العجوز وهي مصرة على تقديم المساعدة لهذا البطل، ورغم سقوط الظلام ألتف الكل أمام باب غرفة الاستعجالات الطبية بالمستشفى وراحوا يتبرعون بدمائهم لإنقاذ حياته.

    فحضرت الإرادة، وهيأت الظروف، وأنقذ الشاب من مخالب الغدر، بعدما ما أدخلوه إلى غرفة العمليات.
    ليخرج الطبيب بعد ما يقارب الساعة مبتسما، مجيبا عن تساؤلات الحاضرين المرسومة في وجوههم :
    إنه بخير؛ وإنه محظوظ بدعمكم.

    فهكذا عرف شعبنا …
    عرف بوحدته، وأخوته، وتضامنه، وإنكم بعملكم هذا ستنقذون أرواحا كثيرة، فهذا ابن عمّي السعيد، وآخر ابنك أو أخاك أو أباك، أو ابن بار من أبناء الجزائر، ولتكن تضحياتكم التي تنطلق من هنا كعربون ثمين نقدمه للتاريخ حتى يسجل أننا إخوة، أننا جسد واحد مهما كانت الظروف والتحديات، وأننا لن نتخلى عن وطننا هذا؛ الذي صنعه جيل عمي السعيد ونحافظ عليهم جميعا …

    كان الطبيب متحمسا عندما رأى هذا الجمع الغفير من الناس، كان يتكلم وكأنه قائدا يشحن جيشه وشعبه.
    لما انتهى من كلامه تقدم إلى عمّي السعيد ومسكه من يده، وطلب منه أن يرافقه إلى غرفة الإنعاش أين يوجد مراد، لكن؛ ما فاجئ الجميع هو تلك الدموع التي راحت تتساقط من عيني عمّ السعيد، إنها الدموع التي لم نراها من قبل على وجهه، فتأثر الطبيب من ذلك وعاد ليحدث الحضور :

    إن هذا الرجل أسطورة، بل مكتبة، إنه دفع بنفسه لأجل هذا الوطن، وهو اليوم يدفع بابنه إلى نفس المصير لا لشيء إلاّ لحماية هذا الوطن المفدى.

    كنت أتأمل وجه عمّي السعيد أثناء حديث الطبيب، فاقتربت منه قبل أن ينصرف، وحينها لوّح إلى الحضور ببسمته المعهودة رغم محنته وقال :
    أبنائي …
    اعلموا أن مراد بخير ؟
    وأن الله وهبني عشرات الأبناء في محنتي …
    فشعبنا واحد، ولن تفرقه الفتنة مهما كانت …
    وبكم اليوم لا نخشى على وطننا.

    بعدها تركنا الطبيب وانصرف مع عمّي السعيد،

    وإن تداخل هذه المشاعر جعلني أقسم في قرارة نفسي أن هذا الرجل غير مجنون، بل أن هذه الأحداث وهذا المحيط هو الجنون بعينه، فليس العيب في هذا الرجل بل العيب في هذه البوتقة.
    رجع بعض الخطوات نحو الأهالي، وقال :

    إن الجزائر عاشت محنا أكثر مما نراه الآن، لكن ذلك لن يدفعنا إلاّ للتآخي والتعاون فيما بيننا، ثم نظر إلى الطبيب ومسكه من يده، وانطلقا معا باتجاه غرفة الإنعاش وهو يتمتم بين شفتيه :
    الحمد لله …
    لنا وطن جميل، وشعب جميل …
    ورغم أن ابني في الإنعاش، فإنه بقدرة الرحمان سيتعافى، ويعود ليخدم الوطن بكل إخلاص.
    ورغم أن الجزائر أيضا دفعت للإنعاش فإن مصيرها العودة للصدارة، والمشاركة في تسيير أبجديات هذا العالم، فلا تنسوا يا أبنائي أمجادنا وتاريخنا الحافل بالبطولات.

    فعلا …
    فقد كنت كغيري من المواطنين، أتأمل عمّي السعيد وأستمع إلى كلماته.
    وكغيري فقد اندهشت أمام هذا الموقف : لكنني اليوم عرفت معنى الحكمة التي تقول :
    خذوا الحكمة من أفواه المجانين، وعمّي السعيد واحد من مجانين هذا الوطن …

    رد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاركنا علي الفيس بوك

شاركنا علي الفيس بوك