ط
مقالات نقدية

الهزار ليس هو الكوميديا .. بقلم الناقد / محمود عبد الشكور

كتب / محمود عبد الشكور.
ــــــــــ

أن تضحك على مشهد أو إفيه، ليس معناه أنك تشاهد دراما كوميدية، بل يمكنك أن تضحك أكثر على نكتة، أو فى قعدة هزار على مقهى، ومع ذلك فإننا لا نقول إن هذه الضحكات ناتجة عن دراما كوميدية، ولا نقول عمن يطلقون النكات إنهم كوميديانات.

زمان ، عندما كنت صبيا، كنا نشترى شرائط المونولوجست ، صاروخ النكتة الراحل، حمادة سلطان، ونستمع الى نكاته المتتالية، التى كانت توقعنا حرفيا من الضحك، وكنت شخصيا أشعر بألم حقيقى فى بطنى بعد نهاية الشريط من كثرة الضحك ، ولكن الرجل لم يزعم أبدا أنه يقدم دراما كوميدية، وكنا نحن أيضا ( حتى فى هذه السن الصغيرة ) نشعر بفارق بين هذه الضحكات القادمة من نكات متفرقة، وبين الضحك على شخصية أو موقف أو جملة حوار فى مسلسل كوميدى مثل “فرصة العمر” أو ” برج الحظ” أو “حكاية ميزو” ، بل كنا نلاحظ أن أكثر نكات حمادة سلطان التى نتذكرها، هى تلك الأقرب الى حدوتة بسيطة، فيها شخصيات ومواقف وبذرة صراع، مثل النكتة عن ذلك المحامى الذى أقنع موكله بأن يدعى الجنون هربا من الديون، فلما أراد المحامى الحصول على أتعابه بعد براءة موكله، ادعى الموكل أمامه الجنون مثلما تعلم ، وكنا نلاحظ أيضا أن أسرع النكات فى النسيان، هى تلك التى تعتمد على فن القافية، أو تلك التى تتلاعب بالألفاظ، رغم أنها نكات ذكية ولطيفة فى حد ذاتها .

معنى الكلام أن الضحك هو مجرد جزء من معنى الدراما الكوميدية، التى هى بالأساس نظرة ساخرة للعالم، محورها اكتشاف المفارقة والتناقض فى كل شىء تقريبا، وهى بهذا المعنى ليست نقيض الدراما الجادة كما يعتقد الكثيرون، ولكنها الوجه الآخر لها، إنها الجدية مقلوبة رأسا على عقب ، الى درجة أنه يستحيل فى رأيى أن تضحك على هزلية موقف، إلا ارتباطا بأصله الجاد، فنحن لا نضحك على مجرد سقوط رجل فى الشارع، ولكن نضحك لأن هذا السقوط هو الصورة المقلوبة للمشى الصحيح المعتدل الذى نعرفه، السقوط هو كسر القاعدة التى نعرفها .

الجدية والسخرية وجهان متكاملان الى درجة أنك من خلال هذه النظرة الساخرة، يمكن أن تقدم أشهر التراجيديات بطريقة هزلية تماما، فيتحول تردد هاملت مثلا الى مسخرة، وتتحول أزمة أوديب الى فوضى هويّات، بل إن هناك نوعا من الكوميديا هو الكوميديا السوداء يجمع بين البذرة الماساوية، و المهزلة لتى انتهت إليها، وأفضل وصف لشرح معنى هذه الكوميديا هو التعبير المعروف :” شر البلية ما يضحك” ، وكأن الإنسان يواجه جدية الحياة التى لا تحتمل بالسخرية منها، ومن نفسه أيضا، وهذا ما حققه مثلا فيلم ” بين السما والأرض”، الذى يمكن تقديمه بصورة جادة تماما فى معالجة أخرى، كمأساة صريحة يموت أحد أبطالها داخل الأسانسير ، تراجيديا كاملة، بما ذلك حكاية المجنون الهارب من المستشفى.

المعالجة القائمة على المفارقة الساخرة والصارخة هى إذن محور الكوميديا، أما الضحك فهى أحد آثار هذه المفارقة، التى تتعاون كل عناصر العمل فى صنعها ، وليس الحوار أو الإفيهات فقط، وإذا انفصلت هذه الإيفيهات عن الدراما، فإنها تتحول الى هزار ظريف على المقهى، أو قعدة حلوة ومنعشة. أما الأثر الذى تحدثه أى كوميديا جيدة فهو شامل وعميق، مثل الأثر الذى تحدثه التراجيديا ، ولكن فى عكس الإتجاه، ومعيار الجودة هو أن يؤدى تذكّر إفيه من عمل كوميدى الى استدعاء الدراما والعلاقات والمواقف والفكرة العامة التى أفرزت هذا الإفيه، أما لو تذكرت الإفيهات منفصلة عن سياقها، فاعلم أن هناك خللا فى بناء الدراما، أو فى الوصول الى المفارقة الساخرة للعمل كله، أو أن كاتب الإفيهات أقوى من كاتب الدراما، حتى لو كانا شخصا واحدا ، وفى كثير من الأفلام الأمريكية، وفى أفلام الأبيض والأسود المصرية، كانوا يسندون مهمة كتابة الإفيهات لشخص آخر غير كاتب السيناريو الكوميدى، إذ ليس شرطا على الإطلاق أن تجتمع القدرة على كتابة السيناريو الكوميدى الجيد، مع القدرة على كتابة الحوار الكوميدى، أو الإيفيهات المناسبة للدراما، والنابعة منها .

الإفيهات مهمة بالطبع، وهى تستدعى لدينا بهجة الضحك المرتبطة بالسعادة، ولكن الدراما والسياق والمفارقة التى صنعت هذا الضحك هى الأهم، هى الأصل والمعنى والفكرة، والصورة المثلى أن يستدعى الإفيه الدراما ويرتبط بها: تضحك إذا تذكرت “نورماندى تو” ، ولكن هذا التذكر سيعيدك الى البناء كله لفيلم “ابن حميدو” ، بل سيعيدك الى المفارقة الكاريكاتورية التى كتبت بها كل عناصر المعالجة، من شخصيات وحوار وعقدة وحل .. الخ، بل وكل عناصر تنفيذ العمل بصريا وتمثيليا، أى أن مشهد نورماندى تو الصاخب مجرد جزء من كلّ متماسك .

ليس مطلوبا أن تكون مسلسلات الكوميديا فى براعة أعمال أريستوفان، أو فى عمق أعمال شابلن، أو فى قوة النظرة الذاتية فى أعمال وودى ألان، ولكن عليها أن توفر الحد الأدنى من عناصر الدراما المتماسكة، وأن يكون الضحك مرتبطا بها، أما الضحك الحر على الإفيهات فيمكن أن تحصل عليه مع صديق ظريف، أو حتى عند مشاهدة إعلان لطيف، أو ربما باستعادة شرائط نكات حمادة سلطان المضحكة ، وكلها أمور أكثر إضحاكا، وأقل ادعاء .

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Secured By miniOrange