كتاب همسة

الوشم الناري على ذاكرة الوعي في المسيرة الوهمية .بقلم د.وفاء كمالو

كتبت / د. وفاء كمالو

تأتي مسرحية المسيرة الوهمية كتجربة فريدة , تبدو كالوشم الناري على ذاكرة الوعي والروح والجسد , تروي عن الإنسان والحب والحرية  , عن الثورة والليل والهمس والاكتمال , إنها الحالة الاستثناء التي تفتح المسارات لنواجه قسوة الوجود ودعارة الفكر ومراوغات التاريخ , ونصبح أمام اختيار وجودي بين الموت قهرا أو البحث عن حضور جديد , وفي هذا السياق يستضيف مركز الهناجر للفنون مسرحية السيرة الوهمية , التي تنتمي إلى المسرح المستقل , يقدمها المخرج البركاني الشاعر طارق الدويري , عن أعمال الكاتب المسرحي الكبير رأفت الدويري , وكما جاء في كتيب العرض – – يقول المخرج : إلى أبي وصديقي وأستاذي , الذي رحل إلى الداخل – – , ها أنا ذا أقف على عتباتك , أنهل من جرحك وانتصاراتك , لك كل المعنى والتقدير- – , ولي عذابات التساؤل – – , أكتب أو لا أكتب ؟ ؟ تلك هي المشكلة .

تجاوزت هذه التجربة الحدود التقليدية المألوفة للمسرح على مستوى الإخراج والكتابة والسينوغرافيا , فنحن أمام حالة تنتمي إلى مسرح ما بعد الحداثة , تتخذ مسارها عبر رؤى جديدة مغايرة يتبناها المفكر المسرحي طارق الدويري , صاحب البصمات الخاصة والرؤى الثائرة , التي تأتي كامتداد لتجارب بيتر بروك , جروتوفسكي , ماير هولد , وأنتونان أرتو , تمثل تجربته مع المسيرة الوهمية لحظة فارقة في تاريخ المسرح المصري وفلسفة جمالياته , فقد أعلن طارق الدويري العصيان على الهيمنة الكاملة للنص المسرحي وعلى الحوار المكتوب , أدرك أن الكون لا يرقص على اللحن الموجود في رءوسنا , حتى لو كنا نؤمن به بشكل مقدس , وعرف أن ما نزرعه عرقا ودما , قد نحصده هواء وخواء , لذلك اتجه إلى البحث عن لغة جديدة تتضافر مع لغة الكلمات , باعتبار أن المسرح يجب أن يمنح المتلقي فكرة محسوسة تحتوي على كل أبعاد الحركة والحدث , بعيدا عن قيود النص المكتوب , الذي يحدد المساحة الدرامية , وفي هذا السياق تصبح الحركة ولغة الجسد وتيار المشاعر والصوت وتفاصيل صورة المشهد – , تصبح هي اللغة الأكثر حضورا وقوة في الفضاء المسرحي , كأساس للتجربة الدرامية , التي ترتكز على تضافر الوسائل البصرية والسمعية في آن واحد , لتنتج حالة فنية مركبة تحتوي على كل ما يريد العرض أن يقوله , بعيدا عن السلطة المطلقة للنص المكتوب , وهكذا جاءت تجربة المسيرة الوهمية لتكشف عن روح طارق الدويري وبصماته وتمرده وعصيانه , فكانت الحالة المسرحية ترتكز بشكل أساسي على منظومة الإخراج , التي تحدد الفكر واتجاه موجات الوعي , أما الأداء التمثيلي فقد تجاوز مفهومه التقليدي , ليصبح الجسد والكوريوجرافيا هما المسار إلى حالة تعبيرية مدهشة , مسكونة بوهج الفن وبريق العذاب , الذي امتد إلى الجمهور ليحوله إلى طاقة حيوية  فعالة , تشكل جزءا شديد الأهمية من العرض .

هكذا نصبح أمام نص ضمني وظفه المخرج برشاقة خلابة , ترسم حدود وأشكال الفضاء المسرحي , وتدفعنا إلى قلب عالم جديد يهدف إلى تحرير القوى الكامنة داخل المتلقي , بحثا عن الإنسان الحقيقي داخل المشاهد المسكون بالقيود الاجتماعية والسياسية والنفسية , ويذكر أن الأفعال الدرامية المشحونة بالقوة والقسوة , هي وسيلة لتحرير الذهن كي يصبح أكثر هدوءا وصفاء ومقدرة على تلقي المفاهيم الحارة الباحثة عن الكيان والثورة والحرية , وكما  يتضح من المسيرة الوهمية فإنه بدون الأفعال القوية الصادمة في بداية أي عرض , لا يمكن أن يكون هناك مسرحا , وفي حالة  الانحطاط التي نعيشها نصبح بحاجة إلى مسرح يثير الإدراك , يعزف على أوتار الوعي , يهز المشاعر والأحاسيس , لتحطيم الهياكل والقوالب الجامدة , التي تكرس للقهر والتسلط والاستبداد , واستلاب روح الإنسان وجسده ودفعه إلى جحيم العبث والغياب والضياع , ويذكر أن الأفعال الدرامية القوية القاسية تأتي بمعناها الفني , وليس معناها المباشر الذي يحيل إلى الألم المادي , حيث القسوة في الفن هي نوع من التوجه الجمالي والضرورة الحتمية , والضوء الكوني الباحث عن المعنى والحياة والحرية , وكما يتضح من رؤى المخرج طارق الدويري فإن فلسفته هي محاولة كي يعطي للجمهور فرصة في أن  يري  الكرامة الإنسانية , وان يكون له الحق في أن يقول ما قيل وما لم يقال , وبالأسلوب الذي يمتلكه .

ارتكزت المسيرة الوهمية على أعمال المؤلف المسرحي رأفت الدويري , التي تناولها المخرج وصاحب الإعداد بأسلوب مسرحي مغاير , يرتكز على الكادر وشراسة منظور الإخراج , وقد استغرقت التجربة زمنا طويلا وجهدا خارقا , حيث بدأ إعدادها منذ العام 2019 عبر اختيار مجموعة من الهواة والشباب والوجوه الجديدة , تم تدريبهم  من خلال مجموعة من الورش الفنية على الأداء الحركي , الصوت , ثم ورشة لكتابة النص الارتجالي القادم من روح إبداعات المؤلف , حيث قام كل فريق العمل بقراءة النصوص بشكل علمي دقيق , بحثا عن تلك المنطقة الذهبية , التي تكشف معاناة الدويري وصراعه الدائم مع من حوله , وفي هذا السياق يأخذنا العرض إلى ثلاثة خطوط متوازية تشتبك بقوة مع فلسفة الوجود وعبثية الحياة , تتبلور من خلال فكرة الرحلة منذ البدء وإلى المنتهي , ويذكر أن الخطوط الرئيسية تحمل بداخلها شخصيات عديدة متنوعة تموج بالتناقضات , فنحن أمام رؤية جمالية واضحة تعزف على مفهوم الاختيار – – , فإما أن يكون الإنسان مدركا لقيمة وجوده , صادقا مع نفسه , باحثا عن الحرية , أو أن يفقد ذاته ويعيش الرضوخ المهين لكل ما يفرضه الواقع والمجتمع , وهذه الرؤى يطرحها العرض من خلال نصوص المؤلف الأب , التي قرأها الممثلون وقاموا بارتجال أفكارها , لتأتي التجربة كرؤى حارة نابعة بصدق من أعماق الجيل الحالي , ونصبح أمام تفجيرات صاخبة للمعنى , واشتباكات مثيرة مع وقائع وجودنا الحالي , وفي سياق متصل ترسم الحوارات القصيرة ملامح الشخصيات , التي تكتمل عبر التمثيل والغناء والتشكيلات البصرية والسمعية .

كان التشكيل السينوغرافي هو نجم لامع في أفق المسيرة الوهمية حيث التضافر المدهش بين التشكيلات الجسدية والحركية , وبين الموتيفات التراثية والتاريخية والشعبية , وتظل المسرحية هي مسيرات متداخلة تشكل العالم من حولنا , ترسم ألوان المصير إذا تركنا أنفسنا أسرى الرضوخ والاستبداد والقهر , الذي يتم فرضه كمسار لمواجهة الحياة , تلك الحالة التي طرحها العرض عبر صياغة جمالية عبقرية , فرأينا الزوجين اللذين لا يزالا ينتظران طفلهما , الذي يرفض بشدة مغادرة رحم الأم , قبل الحصول على الضمانات التي تشجعه على قبول الميلاد , لذلك يمضي الزمن وتتبلور حرارة المفارقة الدرامية , ويبقى الزوجان في انتظار جودو , فقد أدركا أن الضمانات المطلوبة لن تأتي إلا بالتسليم الكامل للسلطة والتوقيع الواضح على كل الشروط , وقد اكتملت هذه الرؤية عبر سحر التقنيات المسرحية المكثفة والحركية المبهرة والرقص والضوء والموسيقى والفرجة المسرحية في أبهى صورها , ويذكر أن أم الفهلوان ابنة الحرافيش في زمن المماليك , قد امتلكت مقدرة عارمة للسيطرة على أحداث العمل بذكاء كاشف , فهي تندفع إلى المقاومة والوعي والحرية والقوة , رغم أنها تبدو ضعيفة مسكينة , كذلك كانت الأم المعذبة التي تمنح البشرية خصبا وامتدادا عبر الاشتباك الساحر مع التاريخ والفن الشعبي وعذابات الحياة , لنصبح أمام مفارقة درامية تؤكد أن الفن هو الحياة , وهو المقاومة الفعلية للموت .

تمتد الرؤى والمشاهد والأحلام ويتبلور معنى الوجود وجوهر الإنسان , وكذلك معنى صراع الفنان مع الواقع ودلالة اختياره بين أن يكون حقيقيا حيا ونابضا , وبين أن يكون رخيصا مبتذلا , وهكذا تأخذنا تفاصيل المسيرة الوهمية التي تقود البشر نحو التفاهة , إلى ذلك الجدل الإبداعي المثير بين هؤلاء الراكبون فوق أعناق وعقول البشر , ليصنعوا الحزن الأبدي , وبين عاشقي الحياة حد الموت , الذين يبحثون عن الحب والقبلات والوردات , لتبقى أحلام الصبايا والزهو والصعود ,  والحزن الراقص في عيون تشبه بحيرات الزئبق .

شارك في المسيرة الوهمية ما يزيد عن أربعين شابة وشاب من الوجوه الواعدة , مع الجميلات سهام عبد السلام , حنان نور الدين , والمتميزون  حمادة شوشة , حسين الشافعي , ومايكل مجدي , وقد كان كل فريق العمل في أبهى صور الجمال والاكتمال .

كان الديكور لعمر المعتز بالله , والإضاءة لأبوبكر الشريف وكانت الموسيقى لفرقة سي بيمول .

د . وفاء كمالو

فتحى الحصرى

فتحى الحصرى .كاتب ومصور وصحفى عمل لأكثر من ربع قرن بالمجلات اللبنانية الشبكة وألوان ونادين . صاحب دار همسة للنشر والتوزيع .وصاحب موقع مجلة همسة ورئيس ومؤسس مهرجان همسة للآداب والفنون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Secured By miniOrange