مسابقة القصة

رواية ( طيرا أبابيل ) مسابقة الرواية بقلم / مجدى محروس .مصر

المشاركة في مجال الرواية
اسم العمل : رواية ” طيرًا أبابيل ”
اسم الكاتب / مجدي عبد الحميد محروس – جمهورية مصر العربية
اسم الشهرة / مجدي محروس
ت / 01022157156
واتس 01288599896
رابط الصفحة الشخصية :
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009512051255
Magdy Mahrouse
ضاقت بهم السبل نحو حياة كريمة، وسئموا ظروفهم السيئة، والتي يبدو أنها أقسمت ألا تفارقهم، فنصَّبوا أنفسهم آلهة للعدالة، وظنوا أنفسهم طيرا أبابيل ألقوا بالظلم الكامن بصدورهم في وجه كل مَنْ سبَّب لهم ألماً، وسرق أحلامهم وبددها أدراج الرياح ..
وذات ليلة عاصفة اشتدت بها الرياح وراحت تزأر في تلك المنطقة التي لا يسكنها إلا الموتى، وانشطرت حبات المطر إلى رذاذ راح يضرب جدران ذلك المنزل الذي تحاصره المقابر من ثلاث جهات بمنطقة الإمام الشافعي، في حين كان يطل من الجهة الرابعة على الطريق السريع الذي انطلقت سياراته تزأر فوق الطريق في ذلك الليل البارد الموحش .. بداخل الصالة تناثرت أجسادهم – فوق وسائد تجاور الحائط – وبدت وجوههم ممتقعة شاحبة وكأنهم بقايا هزيمة مرة، وراحت أبخرة الدخان الأزرق تندفع من بين أفواههم في شراهة لتصنع فوق رءوسهم غمامة أشبه بغمامة الشيطان، وقد تبعثرت أمامهم زجاجات الخمر والكئوس، وراحت عيونهم المختنقة بدموع ندم ويأس مرير سيطر عليهم وملأ جوانحهم تطوف بأرجاء المكان، وتوقفت في بطء على مجموعة من الصور معلقة على الحائط أمامهم، وراح كل منهم يصرخ بداخله بنفس السؤال :
كيف وصلوا لذلك المكان؟
وما الذي دفعهم لذلك المصير؟
اعتدل كبيرهم “همام” وابتسم في مرارة، وهو يجرع كأسه دفعة واحدة بعد أن سحب نفسا عميقا من نارجيلته، وأمام عينيه تراقصت صور شتَّى لسنوات قريبة مضت، تذكر يوم إعلان نتائج المقبولين كوكلاء للنائب العام، وكيف اكتشف كم كان غراً ساذجاً حين تصوَّر أن حصوله على لقب الأول بدفعته سيشفع له عندهم ليقبلونه وكيلا للنائب العام كما كان يحلم، لتجبره الظروف بعدها على العمل بأحد الأفران البلدية بالحي؛ ليصرف على أمه العجوز التي لا تملك من حطام الدنيا سواه بعد وفاة أبيه العامل الفقير، وفي تلك اللحظة خدعته دمعة وسالت على خده، ولكنه سرعان ما مسحها، وهو يرفع عينيه لأحدى الصور المعلقة على الحائط، وكانت لرجل ضخم الرأس والجسد يرتدي جلبابا بلديا وتبدو الشراسة على قسمات وجهه، وراحت أعماقه تستعيد في مرارة ما حدث في ظهيرة ذلك اليوم القائظ الحرارة حين كان والده يبيع البرتقال فوق عربته الصغيرة بميدان باب الخلق، وكيف كان ينادي على بضاعته في إجهاد على أمل أن يعود لزوجته وابنه ببضعة جنيهات تساعدهم على ضنك الحياة، وكيف جاءه غازي الفتوة يطالبه بدفع الإتاوة ثمنا لوقوفه بالميدان، وحين اعترض والده متعللا بضيق ذات اليد اعتدى عليه غازي وصفعه على وجهه وبعثر له بضاعته على أرضية الميدان ..
دمعة أخرى سالت على خده، ولم يستطع مقاومتها فتركها تسيل، وهو يصب لنفسه كأسا آخر ألقاه في جوفه، وهو يردد بأعماقه وعيناه على باب صغير في مواجهتهم يقود إلى سرداب يقبع أسفل البيت :
– لم نخطئ .. هذا الحيوان كان يستحق القتل و ..
ارتفع صوت بكائه في تلك اللحظة، وأعقب دمعته التي هزمته دموع غزيرة سالت على خده، وراح يتشنج وهو يصرخ بصوت مسموع للجميع :
– نعم لم نخطئ، كان يجب أن يدفع غازي وأمثاله الثمن بأن نستدرجهم هنا، وندفنهم في سرداب هذا البيت ليدفعوا ثمن تجبرهم وإذلالنا ودموعنا التي طالما سفحناها ليلا ولا يوجد شاهد عليها غير وسائدنا .. نعم غازي يستحق القتل ولست نادما .. لست نادما ..
اقترب منه صديقه رءوف واحتوى رأسه بين ذراعيه، وراح يربِّت على كتفه قائلا بألم ومرارة لا يمكن وصفهما :
– لا تبكِ يا همام .. لم يكن أمامنا سوى هذا؛ غازي يستحق القتل .
هدأ همام قليلا فتركه رءوف، وعاد لمكانه، وأسند رأسه على الحائط، وهو يردد بأعماقه في حزن رهيب :
– ولكن معتز صديق عمرنا لم يكن يستحق القتل .
مسح دمعة سالت على خده عقب عبارته، في حين ارتفعت عيناه وتعلقتا بإحدى الصور المعلقة أمامهم، كانت صورة لوجيهٍ أنيقٍ متصابٍ يرتدي قميصا مزركشا فاقع الألوان، وراحت صور شتَّى تتراقص أمام عينيه لوالده الطيب عم صابر الذي كان يعمل عند ذلك الملعون المدعو عزمي حافظ – صاحب الصورة – وكيف حاول عزمي استدراج أبيه للعمل معه في تجارة المخدرات، ولكن والده رفض وترك العمل فما كان من عزمي إلا أن لفَّق لوالده تهمة اختلاس خزينة معرض السيارات، وتمَّ الحكم على والده بالسجن لسبع سنوات، وفشلت جميع محاولاته لإنقاذ والده في ظل جبروت ونفوذ عزمي حافظ و .. ومات والده في السجن بعد شهر واحد من الحكم عليه ..
انهمرت دموع رءوف في تلك اللحظة وهو يردد بصوت عالٍ من بين دموعه وعيناه على صورة عزمي حافظ :
– نعم يا همام لم نخطئ؛ وعزمي كان يستحق أن يشارك غازي رقدته في السرداب أسفل ذلك البيت، ولكن ..
وصمت رءوف للحظة جحظت فيها عيناه في جنون وهو يهتف بهمام في جمود :
– ولكن صديقنا معتز لم يكن يستحق أن يشاركهم نفس المصير هو وأخوه و ..
صرخ همام مقاطعا إياه في ألم :
– وماذا كنت تريد مني أن أفعل، وقد كشف أخوه الصغير سرنا؟ معتز هو صديقي أيضا، ولكنه قدره .. هل تسمع يا رءوف؟ إنه قدره .
وانخرط رءوف في نوبة من البكاء الحار شاركه فيه همام، في نفس اللحظة التي علا فيها صوت ثالثهم “صلاح” بهمهمات غير مفهومة، وقد تجسدت فوق ملامح وجهه ألم عظيم، وهو يلقي بكأسه أرضا بعد أن أفرغ محتواه داخل جوفه دفعة واحدة، وراحت أنفاسه تتلاحق، وقد تعلقت عيناه التي ترقرقت فيهما الدموع بصورة معلقة على الحائط لشابٍ بدين ذي رأس ضخم ورقبة غليظة أشبه برقبة ثور، وتراقصت أمامه في تلك اللحظة صورة أخته الوحيدة عفاف التي كانت الدنيا بالنسبة له، وكيف سقطت في براثن ناصر ابن المعلم غازي الذي غرر بها مستغلا ضعفها لتأخر سن زواجها، وسلبها أعز ما تملك ليتهرب منها بعد ذلك ومن وعوده لها بالزواج، وكيف قامت عفاف بتخطيط منه باستدراج ناصر غازي لشقتهم وقتله ثمنا لخيانته لترقد جثته بجوار والده داخل سرداب البيت و ..
انقطع حبل أفكاره في تلك اللحظة حين فُتِحَ البابُ، ودخلت منه رفيقتهم سامية بوجهٍ شاحبٍ ونظرات زائغة راحت تتنقل بين وجوههم ككاميرا بطيئة، وهى تزيح شالها الأسود من فوق رأسها، وتجفف بعض حبات المطر التي علقت بوجهها، وأطلقت العنان لشعرها لينسدل فوق كتفيها كشلال من الليل الأسود، لم يأبه أحدهم بها ولا بنظراتها، فألقت بجسدها فوق وسادة تجاور الحائط، وصبَّت لنفسها كأساً جرعته دفعة واحدة، احمرَّت بعده عيناها اللتان تعلقتا بصورة لشابٍ رفيعٍ ذي نظراتٍ ماكرةٍ لا تبعث إطلاقا على الارتياح، وراحت تشعل إحدى سجائرها المطعمة بالحشيش ليندفع دخانها الأزرق في قوة من بين شفتيها، وعقلها يستعيد مشاهد لأخيها الوحيد عادل حشيشة صاحب الصورة ذي الميول الشاذة، والذي باعها لثري خليجي لتعاني هناك الويلات لتعود لبلدها امرأة محطمة نفسيا وبدنيا بعد شهور قليلة فقط ، وتكاد تكفر بكل شيء لتفاجأ بأخيها يستخدمها طُعماً لاستدراج الشباب ليمارس معهم شذوذه .. علت شفتيها ابتسامة مريرة وهي تنظر إلى همام الذي تعرفت عليه في غرزة أخيها يدخن الحشيش مع رفاقه .. يومها أحست بأن الدنيا ابتسمت لها وأنه الرجل الذي تبحث عنه ليعوضها سنوات الحرمان ويحتويها، فسلمت نفسها له غير نادمة، بل وشاركتهم أفعالهم الشيطانية بعد أن اشترطت عليهم البدء بقتل أخيها عادل حشيشة، وكان لها ما أرادت حيث يرقد أخوها عادل مع بقية الضحايا في سرداب البيت، وباعت الغرزة وأعطت ثمنها لهمام، الرجل الذي اختاره قلبها، وكانت تنوي أن تبيع هذا البيت وتعطيه ثمنه أيضا لولا ما حدث في تلك الليلة المشئومة حين عادت فجأة لتجده في أحضان امرأة أخرى ..
علت ضحكاتها ليتردد صداها في أرجاء البيت في تلك اللحظة والثلاثة يتابعونها في ذهول، وقد انهمرت دموع غزيرة من عينيها، وهي تجرع كأسها دفعة واحدة، ثم تطيح به فيتحطم محدثا دويا شديدا وسط نظرات لا مبالية من رفاقها، وأعماقها تزأر:
– أبعد كل ما فعلته من أجله يخونني ؟!
نهض همام وتقدم نحوها، وأخذها بين أحضانه ليهدئ من روعها و ..
فجأة جحظت عيناه في ذهول، وهو يتطلع لسكين سامية التي غاصت أسفل صدره، وراح يحاول عبثا أن يكتم شلال الدماء في حين ركلته سامية بقدمها في عنف ليهوي أرضا، وهي تزأر كلبؤة شرسة :
– أنتَ تخونني يا همام ؟!
همام يحاول أن يتشبث بملابسها ولكنها تعيد ركله في عنف، في حين كان رءوف وصلاح يرددان في همس، وهما يتوجهان صوب جسده الذي يتلوى كطائر ذبيح :
– معتز لم يكن يستحق القتل .
ودون أن يكون هناك اتفاق مسبق بينهما، تناول كل منهما حجرا كبيرا، وهويا به على رأس همام، وقد تحوَّل همسهما لصراخ كاد يوقظ الموتى التي تحاصرهم :
– معتز لم يكن يستحق القتل .
همد جسد همام تماما وقد فارقته الروح، في حين مسح صلاح عرقه، وهو يردد بأنفاس متلاحقة :
– والآن ماذا سنفعل ؟
ردَّ عليه رءوف في لهجةٍ جامدةٍ كالصخر، وعيناه على الباب الصغير المؤدي للسرداب:
– كما تدين تُدان .
تعاون الاثنان وراحا يجران جسده عبر الباب حيث السرداب، وسامية تراقبهما بعينين ذاهلتين تحجرت فيهما الدموع، في نفس اللحظة التي نقلت إليها أذناها صراخا رهيبا ينبعث من داخل السرداب، فألصقت ظهرها للحائط في رعب وشفتاها ترددان :
– تُرى .. لماذا تأخرتَ يا همام ؟!
اقتباسات
……………
كثيرون من أبناء الحي لا يعلمون من أين استمد هذا الغازي قوته، من أين جاء بكل ذلك النفوذ والقوة والسلطة التي يتمتع بها ..
كل ما يعلمونه أنه – غازي – هو عين ويد الحكومة الباطشة بالمنطقة والحي بأكمله، وأن مَن يغضب عليه هذا الغازي لا يطلع عليه صباح؛ فصار الناس يعملون له ألف حساب، وهو قد استغل خوف الناس منه فبدأ يفرض عليهم الإتاوات، والناس يدفعون صاغرين لا يملكون الاعتراض ..
كثيرون من مثقفي الحي كانوا يعتقدون بأن زمن غازي هذا وأمثاله من الفتوات كان قد انقرض مع زمن نجيب محفوظ، وأننا على مطلع عصر جديد من الحرية والحفاظ على الإنسان وحقوقه وكرامته ..
……………………………………….
احتواها بين ذراعيه في قبلة أخري سريعة قائلا :
– قلتُ لك لا تقلقي يا حبيبتي، واتركيني أغادر الآن قبل أن يعود ” صلاح ” .
وتركها مغادرا الشقة، وهو يتلفت حوله حتى اطمأن لخلو الطريق، فمضى يشق طريقه بجسده الضخم، في حين اضطجعت عفاف بظهرها على الحائط، وأسندت رأسها عليه، وراحت تتذكر لحظات المتعة التي عاشتها بين أحضان ” ناصر” منذ لحظات ..
كان بداخلها قلق خفي يسيطر عليها ويعربد في كيانها ..
كان بداخلها إحساس قوي أن ” ناصر ” يتلاعب بها، ولكنها في نفس الوقت لا تستطيع أن تتركه أو تبتعد عنه ..
وكيف بها أن تبعد، وقد منحها الحياة من جديد ..
كان بالنسبة لها كقطرة ماء سقطت على أرض قاحلة بعد سنوات من الجفاف ..
ودبت فيها الحياة ..
…………………………………………..
على شفتي ” صلاح ” ارتسمت ابتسامة مريرة، وهو يغرز سن سكينه في يد ” ناصر “، ويقطع شرايين يده اليمنى، التي انهمرت منها دماؤه النجسة تسيل على أرضية الصالة، وقد ارتعدت أوصاله بشدة ..
ظل ” صلاح ” يتابع الدماء التي تسيل والسكين في يده، وألقى نظرة أخرى على أخته ” عفاف ” التي تكوَّمت بجوار الحائط ودموعها تنهمر في صمت ..
ومن عينيه سقطت دمعة .. نعم دمعة واحدة ساخنة سالت على خده، وهو يمد كفه لأخته التي اقتربت منه وكل جزء في جسدها يرتعد، وتناول كفيها التي ترتعد بأصابعه، ثم جذب جسدها إليه في نفس اللحظة التي سقط فيها السكين من يده، واحتوى جسدها بين ذراعيه، وراح يُملِّس بيده على شعرها في حنان أبوي عجيب .. وفي تلك اللحظة تحولت دمعته الوحيدة إلى شلال .. شلال من الدموع ! !
………………………………………………
وقبل أن يتفوه أحدهم بحرف، اقتربت ” سامية ” من ” همام “، وانتزعت سيجارته من بين شفتيه، وأخذت منها نفسا عميقا نفثت دخانه بقوة في وجهه ، ثم هتفت :
– ولكن ..لا تخافوا مني .. أنا معكم .
هتف ” همام ” ، وقد برقت عيناه بغضب :
– معنا !!
ردت وهي تتحسس بأصابعها أسفل شفتيه :
– نعم .. سأنضم لفريقكم .. فريق السفاحين و …
أبعدها ” همام ” في خشونة ، صارخا بغضب :
– سامية ! هل تعبثين بنا ؟!
سحقت سيجارتها أرضا بقدميها، وهي تصرخ بغضب :
– ومن قال أني أعبث بكم؟ قلتُ سأنضم لفريقكم، وسنجعل من هذا البيت مقبرة لكل من ظلمونا، ولكن لي شرط وحيد .
تطلعوا إليها في ذهول، وقد لمعت عيناها ببريق جنوني عجيب، وهي تستطرد :
– شرطي الوحيد هو أن تبدءوا بأخي ” عادل ” .. عادل حشيشة !!
………………………………………………………
أسرع معهما الشاب ذو العضلات حاملا مطرقته ، وقد نسى أن يتفق معهما على أجرته؛ فيكفي أنه سيعمل في بيت تسكنه امرأة كهذه !
وحين وصلوا إلى الشقة اختفى “عادل” فجأة، وكأنَّ الأرض قد انشقت وابتلعته، و” سامية ” تتلفت حولها في حرج قائلة للشاب، وهي تقدم له مشروبا:
– سيعود “عادل” بعد قليل .. فهو الذي يعرف ما ينبغي فعله .
جلست أمامه قليلا، ثم نهضت لبعض شأنها، وعينا الشاب لا تفارقان جسدها، الذي يتموَّج أمامه كحية رقطاء، وحين دخلت حجرتها فوجئت بـ “عادل” وقبل أن تتفوَّه بحرف، قال لها بحسم :
– انتظري هنا ولا تغادري حجرتكِ .
قال ذلك، وتركها خارجا حيث الشاب، وجلس معه لدقائقَ ثم اختفيا بعدها في حجرة ” عادل ” ..
ومرة أخرى تسللت على أطراف أصابعها .. ومن ثقب الباب نظرت .. ومرة أخري سيطر عليها إحساس القرف والاشمئزاز، ومرة أخرى أفرغت ما في جوفها !
…………………………………………………………
نهضت من مكانها، وهي تكاد تترنح، واقتربت منه، وهي تأخذ نفسا عميقا من سيجارتها، ونفثت دخانها في وجهه، وراحت تتطلع إليه في كره شديد ثم .. ثم أطفأت سيجارتها في صدره، فانطلقت من حلقه صرخة رهيبة، تردد صداها بين المقابر، فهتفت به وقد تضاعفت نظرة المقت والكراهية بعينيها :
– اصرخ .. اصرخ يا ” عادل ” .. اصرخ وابكِ كالنساء ..
هتف بألم :
– ” سامية ” أنا أخو ….
قاطعته صارخة في جنون :
– لا تقل أنكَ أخي، هل تعلم لماذا ؟ لأن الأخ لا يبيع أخته من أجل المال، الأخ لا يستخدم جسد أخته فخاً لاصطياد الشباب ليمارس معهم الشذوذ والفجور .
تطلع إليها ” عادل “، ووضع عينيه بالأرض، ولم يستطع أن يتفوَّه بحرف بعد كل ما قالته ..
لقد عرته أخته أمامهم تماما، ولم يعد لديه ما يستر به نفسه ..
……………………………………………………………….
وفجأة ..
يهوي المكان كله في بئر عميق من الصمت، وقد غمرته الأضواء من جديد ..
الأصدقاء الخمسة كل منهم ملقى بأحد الأركان ..
عرقٌ غزيرٌ يكسو الوجوه ..
الصدور تعلو وتهبط ..
الدماء تسيل من النبابيت الملوثة بأيديهم ..
أمام عيونهم أجساد الرجال الأربعة غارقة في بحيرة من الدماء، وقد فارقتهم أرواحهم، وعليها ملاءة حمراء كانت في الأصل بيضاء ..
………………………………………………………
في تلك اللحظة تخفت الإضاءة ، ويرتفع صوت الموسيقي الباعثة على التوتر مع الأشباح التي تتحرك، ثم يعود الهدوء والصمت يسيطران على المكان ..
يستيقظ الأصدقاء من حالة الجمود والشلل المؤقت، التي سيطرت عليهم ليفاجئوا بهمام يقف أمامهم ونبوته الملوث تتقاطر منه الدماء فوق جثتي ” معتز” وأخيه اللذين فارقا الحياة ..
……………………………………………………..
وقبل أن تفتح باب الغرفة الأخرى وجدته أيضا يُفتح، ويخرج منه ” غازي”، وهو يقبل نحوها بنفس البطء وذراعاه مفرودتان نحو عنقها .. تراجعت مرة أخرى في رعب، وتعثرت، ونهضت لتُفاجأ بخطوات بطيئة خلفها ..
وتنظر وتتسع عيناها في هلع ..
جميع الموتى قد استيقظوا من قبورهم ..
ناصر وغازي وعادل وعزمي وراضي وهمام ومعتز وأخوه .
نعم .. نعم جميعهم أتوا لينتقموا منها ..
انتقام الموتى ..
أخذت أنفاسها تتلاحق في سرعة، و صدرها يعلو ويهبط في رعب وهلع، وكاد قلبها يتوقف عن النبض؛ وكلما اتجهت لباب تهرب منه تجد أحدهم قد أغلقه عليها، ومن أفواههم جميعا – وفي صوت واحد – انطلقت ضحكات شيطانية رهيبة، وقد تجمعوا حولها في حلقة، وأخذوا يضيقون الحلقة حولها رويدا رويدا، وهي تحاول مرات ومرات أن تصرخ، ولكن صوتها أبى أن يطاوعها وكأنه التصق بسقف حلقها

Facebook Comments Box

فتحى الحصرى

فتحى الحصرى .كاتب ومصور وصحفى عمل لأكثر من ربع قرن بالمجلات اللبنانية الشبكة وألوان ونادين . صاحب دار همسة للنشر والتوزيع .وصاحب موقع مجلة همسة ورئيس ومؤسس مهرجان همسة للآداب والفنون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Secured By miniOrange