كتاب همسة

صحافة التفاهة والسطحية والفرق بين الأمس واليوم .بقلم الأديب / رفعت السنوسي

كتب / رفعت حسن السنوسي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“بسبب ملابسها الجمهور يهاجم الممثلة فلانة الفلانية”

“الممثل فلان يرد بسخرية على الممثلة فلانة”

“كريستيانو يطرد محمد صلاح والملك يرد عليه بقوة”

“ساديو ماني يقول رأيه في محمد صلاح ومحمد صلاح يغضب ويرد بقوة”

“بسبب المايوه الجريئ الممثلة فلانة الفلانية تقع في مأزق”

“أول ظهور لوالد الممثل فلان الفلاني والمفاجأة في مهنته التي أخفاها عن الجميع”

“مهووس يقتحم شقة الممثلة فلانة الفلانية”

” ممثلة مشهورة تجمع بين زوجين”

“تصريح جنسي جريء لهذه المثلة المشهورة”

“ممثلة مشهورة تمنت لو تزوجت الراحل فلان الفلاني ولو لليلة واحدة”

“لن تصدق ما هي مهنة الممثل فلان الفلاني قبل الشهرة”

“أصبحت هيكلا عظميا مرعبا بعد أن كانت ربة الجمال في شبابها”

“الحرب الكلامية تشتعل بين المطرب فلان والمطرب علان”

كانت هذه نماذج مختلفة منتقاة من مانشيتات المواقع والصحف الأليكترونية والتي أصبحت في قمة التفاهة والسطحية ولا تمت للمهنية الإعلامية بأي صلة ، كانت الصحافة في عصرها الذهبي مهنة الموهوبين لغوياً وإبداعياً ومهنياً وكانت مانشيتات مقالاتهم أقوى وأجمل وأرقى وتعبر بصدق ومهنية عن موضوع مقالاتهم ، كان غرضهم عرض الحقيقة ونقد الواقع بإخلاص دون مصلحة شخصية أو توجه خاص لكن اليوم أصبحت الصحافة مهنة من لا مهنة له إلا من رحم ربي من أصحاب الأقلام المحترمة ، ونجد المانشيت لا صلة له بالموضوع بل هو عكس الموضوع تماما ، ويتفنن صاحب المقال في الكذب في المانشيت أو استخدام الإثارة الجنسية ، ومنهم من يستخدم الأكاذيب وما يصله من أخبار من أشخاص كاذبين ذوي مصلحة في كتابة مقالاتهم دون تثبت من صدق ما يصلهم من أخبار وأنباء فيزيفون الحقائق أو يصيبون قوما بجهالة دون بينة ليثير القارئ ويدفعه للضغط على رابط المقال ليحقق أعلى نسبة مشاهدة للموضوع لتنشيط الإعلانات وتحقيق أعلى ربح للموقع ، واستخدام فضائح الممثلات والممثلين ولاعبي كرة القدم ومشاهير الرياضة والمجتمع وكأن الـ١٠٠ مليون من الكادحين مهتمون بأخبار هذه الفئات التي تقل عن المليون نسمة .

إن عموم الكادحين لا يهمهم أخبار تلك الفئات ولا هؤلاء المشاهير، لكن يشغلهم فقط همومهم وأحلامهم البسيطة ، لقد شاهدت بعيني سائق دليفري راقداً بين الحياة والموت على سرير في مستشفى حكومي بعد أن دهست سيارة شاب ثري دراجته وجعلتها حطاماً بعد أن اشتراها بالتقسيط ليعمل بها ويسدد أقساطها ويعيش بالباقي أملا في تحسين دخله وتحقيق بعض أحلامه في تجهيز أخته للزواج أو علاج والديه أو إطعام أولاده ، وشاهدت رجلا أربعينياً يتوجع من تكسير عظامه بعد أن سقط من على الثقالة وحملته بيدي مع مواطنين لا أعرفه مع المسعف في قسم الطوارئ بإحدى المستشفيات ، هذا الرجل الأربعيني الذي يخرج يوميا على باب الله يتلمس رزقاً حلالاً يَعِفه عن السؤال والتسول وقد يجد عملا في يوم ولا يجد عملا في أيام ولا يعود لبيته إذا عمل إلا بجنيهات لا تكفي احتياجات الحياة أو بالكاد تكفيها ليوم أو ليومين ، وخلفه زوجة وأولاد وربما أخوة أو والد أو والدة أو كلاهما وغيره الكثير والكثير ملايين لا يتلمسون أخبار المشاهير ولا ينشغلون إلا بهمومهم ونجد فئة أو فئات من المثقفين لا يهتمون في الاعلام إلا بموضوعات خاصة بعيدة كل البعد عن هذا السفه وهذا الهراء ولا يهتمون في اخبار المشاهير إلا بالنماذج المحترمة والوطنية فقط التي تجلب لنا الفخر بين بلاد العالم كمصريين مثل علماء مصر في الخارج ومنهم من يستحق تسليط الأضواء عليهم مثل ليلى أحمد و شريف عقيل و شهاب عصفور و محمد العصار و محمد العريان و طاهر الجمل و داليا مجاهد والعالم الكيميائي مصطفى السيد وهم نقطة في قائمة طويلة لمصريين أبهروا العالم بإنجازاتهم التي تدعو للفخر حقاً وغيرهم من رموزنا الرياضية المشرفة أمام العالم ومنهم اللاعب العالمي محمد صلاح وأبطالنا الأولمبيين في الألعاب الرياضية الفردية والجماعية الذين يفوزون لمصر بمراكز وميداليات عالمية رغم أنهم لا يحققون دخلاً خرافياً مثل لاعبي كرة القدمالمحلية الهاربين من التجنيد وفشلة التعليم وعاهات كرة القدم المصرية أصحاب الأجور الخرافية والمستويات الفنية المتدنية بين نجوم اللعبة على مستوى العالم أو حتى على مستوى دول القارة الإفريقية التي سبقت مصر وتقدمت في عالم كرة القدم ولا ننال من مقدمي وضيوف برامجنا الرياضية إلا التشدق بتاريخنا في تأسيس اتحاد كرة القدم الافريقي وأننا أول من كذا وكذا ونفاجأ بهزائم مخزية من فرق دول نكاد لا نعرف إسمها ونهزأ باسماءها ونسأل أنفسنا متى أصبح لهذه الدول فرق بلاعبين على أعلى مستوى بل وكل لاعبي منتخباتهم محترفون في أوروبا .

تلك النماذج المشرفة والمشرقة ونماذج الكادحين ، هم من يستحقون المانشيتات العريضة الصادقة وإلقاء الضوء عليهم بدلا من غيرهم من عاهات المجتمع الملقبين بمشاهير المجتمع

كنت قد بدأت مقالي بمهاجمة المانشيتات التافهة والكاذبة فتفرع بي الحديث دون إرادة مني إلى موضوعات وقضايا أخرى لأن القلب موجوع بواقع أليم وبغيض لما وصل إليه الحال في شتى مجالات الحياة في مصر فلو تحدثنا في التعليم وأجر المعلم المصري المهين سيتفرع بنا الحديث إلى تحول المعلم من مبدع إلى مجرد موظف ومنه إلى فساد الضمائر والذمم ومنه إلى التخلف ومنه إلى الجريمة ومنه إلى النصب والرشوة والمحسوبية ومنه إلى إزدواجية المعايير في الحكم على الأمور واختلاف الحكم بين شخص وآخر حسب وضعه في المجتمع أو سلطته أو وضعه المالي ، ومنه إلى فساد الإدارة وجهل القيادات ومنه إلى سلوكيات المواطن المعوقة لجهود الدولة ومنه إلى عدم الإحساس بهموم المواطن البسيط وعدم الاكتراث بمشاكله ووأد أحلامه البسيطة وحقه في حياة كريمة ومنه إلى نواحي وجوانب كثيرة في كل قضايا الوطن والمواطنين البسطاء .

لكم مني كل التحية وللحديث بمشيئة الله بقية .

فتحى الحصرى

فتحى الحصرى .كاتب ومصور وصحفى عمل لأكثر من ربع قرن بالمجلات اللبنانية الشبكة وألوان ونادين . صاحب دار همسة للنشر والتوزيع .وصاحب موقع مجلة همسة ورئيس ومؤسس مهرجان همسة للآداب والفنون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Secured By miniOrange