ط
مسابقة القصة القصيرة

قصة : راجيديا العربيد . مسابقة القصة القصيرة بقلم / أمل الجندي . مصر

   أمل نصر الجندي_ مصر

    

                       [email protected]   

تراجيديا العربيد

أصوات تنبعث من اللوحات تثير الرعب في نفس مَن يراها فيتساءل إن كان ما يزال العالم قائمًا أم لا، وقد آمنتُ أنَّ الشيطان مِنَ الممكن تعريفه بالفِكر أيضًا.. الفكر الذي دفعه ليرسمَ في لوحاته رجلاً يُحطم رأسه بمعوَل، ونساءً وجوههن كعلب الصفيح الفارغة بأعناقٍ ملتوية، تَخرج من ظهورهن خراتيت وقردة لها رؤوس رجالٍ، وآخرين جلودهم كجلود العظاءات، وعيونًا جحظت وأسنانًا مفلطحة، وعُراةً سقطت من أجسادهم أيدٍ وأثداء، وأفواهًا مفتوحة على مصراعيها للصراخ، وشعرًا منسدلًا في أعلاه وردة بيضاء يبزغ من وسطها وحش برأسين وفمين أحدهما لسمكة قرش والآخر فم ذئب، وطفلًا تتلقفه هوة مُظلمة!

 – لقد سقط!

– جميعنا سقطنا.

قال بصوت يتحشرج، ثم جلسَ واضعًا رأسه بين كفيه، وطلب إليَّ أن أحيا برفقته إلى الأبد، فشعرت أنِّي وجدتُ خلاصًا من صخب المهنة، وأردتُ احتفالًا لكنه كان مَيَّالًا لعدم الكلام وقد وقعنا جميعًا أسيراتٍ لمزاجه العَكِر، حتى ذوات الخلق الرفيع، لكنَّه كان يزورنا نحنُ اللاتي لم نَعِشْ وفقًا لمعايير بقدر ما عشنا وفقًا للظروف التي زجَّتْ بِنا إلى هذه المِهنة، ولم نعرف عن أنفسنا شيئًا محترمًا أصيلًا نواجه به الحياة!

كان يقضي الليل معنا في ما أطلقنا عليه اسم «المكان» ككلمة لا تدل على شيء، تنساب في أعصابنا برَّاقة، إلا إنَّها منبوذة بكل ما فيها من عطور وسجائر وألوان تختلط أمام ناظريه فتتشكل في عقله لوحة تعكس بشاعة الحقيقة، فيبدو كل شيء أكثر قُبحًا. فنلعن ما دُفِعنا نحوه، ونسأل عن السبب وراء كونه وحيدًا، سكيرًا، إنَّ هناك سببًا لكل فعلٍ يقترفه المرء، أنا مثلًا عاهرة لأني يتيمة، وموزّعة على بيوت أقاربي، ووحيدة، مهانة في الملاجئ، ومطرودة من العمل، وجميلة، أما هو فلا يسعى لشيء أكثر من أن يعود إلى بيته آخر الليل ويلقي بجسده إلى أقرب كرسي، ثم يغمغم بكلمةٍ أو كلمتين عن العقار الذي يسكنه، وضحالة تفكير الجيران الذين يُرجعون وحدته وسكره واصطحابه لإحدانا في وضح النهار إلى الجِنِّي الذي عقد معه اتفاقًا على أن يُنفِّذ كل أوامره، واشترط ألا يضطره للرحيل عن المسكن، ويصبح بذلك القاطن الوحيد، إذ يقولون إنَّه كان قصرًا يعود لرجل من زمن «الباشوات» أطلقَ الرَّصاص على خادمٍ له لأنه احتجَّ على ضآلة الراتب الذي يتقاضاه، فتحوّلت روحه إلى جِنيٍّ فتكَ بالباشا وأسرته، وإلى كابوس يُقلِق مَنْ يَسكن العقار فيغادره على الفور، كان يسخر منهم  في لوحاته وقد منحه الشيطان قدرة جهنمية على الرَّسم، تجعل المرء يُفكر في ماهية الأشياء، ومن أيِّ أصلٍ نبتت إن لم تكُنْ من الجحيم؟

رفضت أن يرسمني، كذلك جميع زميلاتي قد رفضنَ أن يُرسَمنَ خشية أن يحوّلهن إلى مُسوخ، لقد كُن غير مولعات بالمهنة، وكُنتُ أحلم رغم الحضيض الذي أرفل فيه بالأمومة، وقد أخبرته بذلك فقال:

– جميعكنَّ تُسببنَ لي حُزنًا لا يُفسر!

فخرجتُ للشارع وقد تركته وقد انغلق على نفسه غارقًا في الظلام، ورحتُ أتأمل واجهات المَحال، يتردد في أذنيّ صدى كلماته وقد طردني:

– أنتن بشرٌ أكثر مني.

لم أفهم معنى أن يُصبِح أحدنا بشرًا أكثر من الآخر، ولطالما تمنيت لو أصبحتُ دمية من تلك التي تقف خلف واجهات المَحال، بكبريائها المعهود، بعضها عارٍ ولا يبالي، بينما المارَّة يتحاشون النظر إلى الجسد الممشوق، أما نظرات الدُّمى فلا تنحني أمام الحياة الغثَّة وسلسلة الانسحاق الملتفة حول رقابنا نحن البشر.

وكُنا جميعًا نتمنى أن نتحول إلى دُمًى، حتى المرأة التي رأيتُها تُلقي أطباقًا من الشرفة وتصيح أنها في غاية التعب، الدُّمى لا تتعب، ولا تكره غسيل الأطباق، وتترك في نفسي نوعًا من الرهبة يجعلني أرغب في الاختفاء، وهو أيضًا سَئِمَ الدائرة التي كُلَّما حاولنا الخروج منها أعاقتنا الحواف، يرغب أن يُصبح دمية جامدة، لا يرتجف قلبها ولا تتغير نظرتها للنار كما تنظر للمطر.

لقد أضاء الطريق نصف المظلم أمامي فسمعت صوتَ أشياء تتحطم، التفتُّ فوجدت النساء قد خرجن تُفزعهن صرخات وحشية، وقد تجمَّع الرجال، فتجمدت عظامي، بينما راحوا يتساءلون عن حلٍّ، وما زالوا عند ظنِّهم أنَّها صرخات الجِنِّي الذي يتكلف صديقي عناء أن يجلب مِن أجله النساء!

– ربما تلك المرأة لم تَرُق له!

قال أحدهم، بينما رحت أتخيل خروج الرسوم من اللوحات، تدور من حوله، وتدق طبولها، فيصرخ صديقي الذي يرسم الحزن الأجدر بأن يُقال عنه بشري، وتدور، ويصرخ، فتقفز إلى حلقِهِ عظاءة، فيسكت، أو يدور بلا وعيٍ فيسقط!

انطلق الرجل الذي تحدث لتوِّه نحو العقار، لمعاينة الوضع أو ليحدّثه بشأن المرأة التي ستخضع للجِني خضوعًا تامًّا، دون أن تسأل عن شيء أو تتمنَّى شيئًا، امرأة لن ترفض أن تُرسَم بينما مِن بين فخذيها يخرج ثور، أو جماعة من الصراصير!

وقد صدَق حدسي، فقد حصل على امرأته المنشودة بفضل الرجل الذي أدرك أخيرًا لِمَن تُجلَب النساء:

– عندي لك الحل الأمثل!

وقد وقف يتابعه متأملاً وجهه الوردي والرغوة على طرفي فمه، يفكر في رسم وجهه على جسم بقرة، وعلى أحد خديه فتاة تحمل دبًّا ورديًّا، يخرج من فمه لسان أفعى، وعلى الخد الآخر شيخ أشيب على رأسه تاج من ريش دجاجة.

 لم يَختر له واحدةً من بيننا، ولا امرأة من بين الشريفات يتوب على يديها متبرئًا من كُلِّ خطأ!

عيناها رائعتان وشعرها مسرَّح على الدوام وفقًا لقواعد «الديجرادية» التي يُفضِّلها، شفتاها رسمتا بدقة، كما لا تسمح لوزنها أن يزداد جرامًا واحدًا، وافتقدناه بشعره «الكيرلي» وثيابه «الباجي» التي دائمًا ما كانت بين لون الكاكاو أو زيت الزيتون. يبزغ أمامه الاختلاف بوضوحٍ، بينها وبين أية امرأة قد تزعج رجلًا بمتاعبها وما تحب وما تكره، وتنظر لقادم الأيام نظرة راسخة بين قسمات وجهها تشوبها شيء من سخرية.

 لم تُصرِّح له عن خوفها من طبعه الشاذ، ولا عن انقباض صدرها كُلَّما دخلت بيته الذي يبدو كمرتع للأشباح، وكان من الطبيعي أن أعود للمكان، وكنت أشفِق على نفسي وتتمدد تلك المرأة في أفكاري، وتسمو بلغة مغايرة لنوع جديد من النشوة فوق شرَّاعة البيت، وزجاجات الشراب، واللوحات التي اعتلت عرشها، مفضَّلة عليَّ وعلى جميع العاهرات وجميع من ادعين أنهنَّ عكس ذلك وما إن رأينه أكبرنه وقطعن قلوبهن!

اعتدت تقصي أخباره وقد اختفى تاركًا لوحاتٍ كثيرة، وربما كان اختفاؤه بإيعاز منها، فما الذي تملكه مقارنة بامرأة صادفت أصنافًا مختلفة من أمزجة الرجال؟ كيف يريد الرجل امرأته؟ على أي نحو؟ على أيَّة هيئة؟

كانت الأسئلة تشعرني بالألم، وكنت أعرف أنَّه يجفل من أي تعبير عن الألم، فأيُّ مزية لديها تجعلها لا تتألم وما الذي يجعل من المرأة الجديدة تهديدًا يقوِّض وجود امرأةٍ سابقة؟

لقد غاب ولم يترك وداعًا، ولم يصطحب أحدًا سوى امرأة تسمح لها برمجتها بنطق بعض كلمات باللغة الصينية، تثيره رغم عدم فهمه لما تقول، ورغم شعوره بعين صانعها تتربص به، وترصد أسراره!

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون
زر الذهاب إلى الأعلى