ط
مسابقة القصة القصيرة

قصة:  لِم يَنحرُ الكبش، إن كُنّا سنموت . مسابقة القصة القصيرة بقلم / فلسطين أبو زهو . فلسطين

الاسم: فلسطين حسن ابو زهو

دولة فلسطين

عنوان القصة:  “لِم يَنحرُ الكبش، إن كُنّا سنموت ؟””

https://www.facebook.com/profile.php?id=100004237444121&mibextid=ZbWKwL

“لِم يَنحرُ الكبش، إن كُنّا سنموت؟”

اجمل مكان أبيت فيه كان بين ذراعيك، أعذب اللحظات وأنا أتنفسك، تهتز الخيمة الزرقاء كلما عَصَفت الريح بجنباتها، لأول مرة أشعر أن العاصفة غول بأسنان رصاصية يَقِفُ خَلف خيامنا ويَنفخ في فمه قاصدا الأذية فحسب، ما سِرُّ هذا القهر المُطلق لغزة وأهلها، استغفرت ربي ونهضت بتثاقل غريب عن فرشة مرتفعة عن الأرضية بصفيح خشبي كي لا تبتل في حال غمرتنا مياه الامطار، تقدمت نحو وسادتي ونزعت عنها قماش غطائها الخارجي، خرجت من الخيمة والسماء تَغرق بسواد مُزرَق، الرابعة عصرا وكأنها السابعة، مشيت بخطوات خَدِرة صُلّبة وكأن ساقي من الحديد المُسلّح، تحاشيت حُفر المياه ما استطعت، تجنبت الانزلاق بالوقوف كالصنم أمام قدمين توشكان الانفساخ عن بعضهما، فَأَثبَت كأولئك الذين يتزلجون على الجليد، أستعيد التوازن وأُعاود المشي مرة أخرى، ورغم الازدحام البشري داخل الخيام والذي ينام ويصحى ساكنوها على أنين متواصل جَرّاء جروح عفنة وعلى أطراف نقصت كثيرا من حالها، إلا أنني شعرت بفقدي وكأنني الوحيدة الغير موجودة على هذا الكوكب المنحط.

       دَخَلتُ خيمة صغيرة للاستخدام الخاص، هناك حجران متباعدان تفصل بينهما حفرة صغيرة، كل الذُلّ في هذا العالم يتجلى أمامك الآن، لم أكن أخشى أن يفتح أحد بالخطأ باب الخيمة بِقَدْر ما كُنت أخشى أن تطير الخيمة كلها مع الريح…

كان المشهد خرافيا وكأنني مصابة بوباء غير معروف، شيء يقحف جوفك إلى الخارج وكأنها ولادة، أثنيت القماشة على بعضها أكثر من مَرّة ووضعتها كبديل يمنع تسرب الدم إلى الخارج، خرجت وما كان يعنيني من دخل بعدي بل كنت أشُدُّ بذراعي على جسدي لأمنحني بعض السكينة وبعض الدفئ، أخذ المطر بالتساقط كُنت قد اقتربت من خيمتي، آثرت البقاء قليلا تحت المطر، رفعت نظري نحو بطن الغيم الأسود وانا على يقين من أن الله يسمعني بوضوح، رغم كثرة الرسائل الموجهة إليه، لكن كيف لي أن أناجيه بإعادته وقد رأيت جثته، كل أنفاسي تتذكر التصاقي بوجهه أول مرّة حينها ضحكت لأن أرنبة أنفه كانت باردة… باردة جداً ومُحمَرّة مثل أنوف صغار الأقزام في افلام الكرتون.

هل كان يُدرك أن غمرته لي تعادل الكون بما فيه؟ أحببته حَدَّ انتقاع القلب بكل ما هو له! أيها الرجل المنتفخ بالعضلات: بنيت صدرك وكتفيك العريضين وأنت تحمل صناديق السمك من شاطئ الخواجا الى سوق الشجاعية فكنت كالمارد نحيفا من الاسفل وممتلئا من الأعلى،  فكنا نضحك حين تقول لي: تخيلي أن أحملك على أحد كتفاي. كم اُحبك يا صاحب الصدر الحديدي يا قلبا يشع رجولة وكبرياء، لم أشعر معك باليُّتم ابدا، فكلما هزتني الذكرى أبتَرِد بذلك العناق، فمنذ أن فقدت عائلتي في مجزرة الشجاعية عام ٢٠١٤م خبأتني فيك، ولاذت روحي بروحك، رغم الماضي الذي يمزق الروح والجسد، كنت مكتفية بقربك، اتخذتني زوجة لك واتخذتك العالم كله.

يقولون: لندفع بالذنوب عبر المطر… يسمعها الله فيغفر لمن هو الأحوج لها،  ربي: اقترفت أكبر ذنب يتصوره عقل، لم أصدق فكرة أن تضيع أسرتي مرة اخرى، فما إن عثروا على صغيري عالقا تحت الأنقاض حتى هموا بتخليصه ببتر ساقه بدون بنج وبدون رعاية، كنت كساحرة المدفأة مغطاة بالرماد بعد أن أخرجوني من تحت الركام على ضوء الهواتف، انطلق لساني في بث الشتائم والسُباب، صارخة في وجوهٍ أجهلها: “خذوا ساقي واتركوه”.

       غير أن الصوت في داخلي تبدّل وتمناه أن يموت! افترشنا ممرات المشافي كالأسمال البالية، ننتظر معجزة أو فاجعة، فكان ان سمع الله لندائي الخفي، وقَتَلَته الحرارة التي أكلت جسده في ليلة شديدة المطر، لا زالت عيون صغيري  وهو يَشُد على أسنانه من الألم تطاردني، ما فائدة الكبش الذي كان ينحره والدي في كل عيد ليدفع عنا الأذى إن متنا جميعا؟.

مكثت في مشفى الشفاء انتظر قدومك رغم ما قيل عن قتلك انت وجميع الصيادين، أمّا صغيرنا فقد دَفنوه مع جثث اخرى في باحة المشفى تحت زخات الرصاص والمطر، هكذا إلى أن اخذت الهدنة حيّز التنفيذ، فكان ان وقف بعض الشبان أمام شاحنة تصطف وسط الطريق، ولا أدري إن كان هناك من نثر طحينا في الجو أم أنه الضباب، الكل يحدق ويتساءل من هؤلاء المشوهون؟  وقبل أن يخبرني مختار الميناء بأنك من بينهم، كنت قد تبينتك، عرفتك دون جهد وإن كنت مقعور العين و مسلوخ الجلد، يَعجِنك الدم والرمل، وبعد إحصاء الأسماء وتبيانها دفنوك كما الآخرين في حفرة قريبة من ابننا.

       يشتد المطر ويشتد الأنين والأطفال منتصبين خارج الخيام بأوعية فارغة حتى تمتلئ بماء المطر، أما أنا فقد اكتفيت بفتح فاهي ورفع رأسي صوب السماء راجية انتهاء الحرب وعودة صغيري وزوجي الذي أحب.

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى