مسابقة القصة القصيرة

قصة : ماذا لو عدت صبية. مسابقة القصة القصيرة بقلم / إيمان العبيدى . العراق

الكاتبة ايمان العبيدي
من جمهورية العراق
_عضو اتحاد الادباء و الكتاب في العراق
_ مدرب تنمية بشرية
حبيت اشارك في مهرجان همسة الدولي اذا سمحتم في زاوية القصة القصيرة رقم الواتس اب للتواصل 07721424853

عنوان القصة .. ماذا لو عدت صبية

ماذا لو عُدت صبيـة …
منذ أسابيع بدأت أفقد حواسي بالتدريج و أعاني من صعوبة النظر وضعف السمع ما عُدتُ قادرة على فهم ما يقولونه لي الا عندما أطلب منهم رفع أصواتهم عالياً ، بدأت الرطوبة تؤثر على عظامي و أعصابي ووخزها المؤلم ، أسهر الليل بطوله ..كل عصب في جسدي يئن و كل عضو فيه يصرخ وجعاً عبثاً أحاول النوم فعندما تُهاجمني الحمى يبدأ هذياني دون أن أعي .
قال لي الطبيب إنها علامات تقدم السن و لا شيء مُخيف على الأطلاق إنه لأمر طبيعي وإنني محظوظة لعدم تشتت ذهني و ضعف ذاكرتي و فقدان الوعي و بلادة الأدراك التي يعانيها كبار السن ، لم أكن سعيدة فربما هذا ما أحتاجه أن أفرغ ذاكرتي من كل تفاصيلها فللذاكرة حمل ثقيل يُرهقني .
في الصباح أستيقظ بصعوبة أنهض من فراشي أحاول زحزحة قدمي أشعر بخدرها و ثقلها اصل الى الحمام بصعوبة أغسل وجهي وأتجنب النظر في مرآتي حتى لا ارى شحوب وجهي ، من المؤسف أن أصل الى هذه المرحلة التي أكون فيها عاجزة عن عمل شيء و محنطة ،حتى القراءة كلما حاولت فتح الكتاب أغلقته لشعوري بالنعاس قالوا لي أن أفراد عائلتي قضوا بنفس الطريقة و ها أنا أنتظر موعد رحيلي الذي يبدو أنه تأخر .
قبل فترة ألحت شقيقتي لزيارة معالج بالأعشاب بعد أن عجز طبيبي وحددنا موعد الزيارة وفعلاً بدأت أتجرع مشروبات عُشبيه بطعمها اللاذع رغم اني فقدت حاسة التذوق منذ زمن بعيد ووصفات لتقوية المناعة و أنعاش الذاكرة .. لكن دون جدوى فقد داهمني الملل من صعوبة تحضيرها ، قبل يومين زارني ولدي و أخبرني إنه قلق بسبب هزالي و شحوبي و قد حدد موعداً لزيارة طبيب أخصائي كان قد سمع عنه و إنه سيضطر الى التفرغ و اصطحابي الى عيادته ، لم أستطع إخفاء سعادتي فهذه فرصة رائعة لأنعم باهتمامه فقد كنت أشتاق لرؤيته لأنه لم يعد يزورني ويتواصل معي ..
انتظرت الموعد بفارغ الصبر وبصعوبة اخرجت أجمل ثيابي لأرتديها رغم إنني أشعر بوخز في صدري لكن يبدو أن الألم زال ما إن سمعت طرقات الباب ، قبلني ولدي قبلة خاطفة وقال لي
_ هل أنت جاهزة
أومأت برأسي بنعم ، كانت عيناي تتفحصه بدقة وبعطف لكنه كان قلقاً ينظر الى ساعته باستمرار أعلم أن وقته ثمين لكن ما عساي أفعل ، ابتسمت في سري و أنا أتذكر ذهابي الى مكان عمله أرقبه من بعيد دون أن يراني و أغادر قبل أن يستشعر وجودي كان مُنشغلاً جداً و مُرهقاً أيضاً و أنا في غمرة هذه الذكريات وصلنا الى العيادة اقترب مني قائلاً
_ امي الطبيب في انتظارك و أنا سأكون في الخارج لدي مكالمة مهمة ..
ابتسمت بمرارة وقلت حسناً … دخلت وحدي الى غرفة الطبيب
أتلفت يميناً ويسارا تائهة أقلب ناظري هنا و هناك بوجل ،أجر أقدامي بصعوبة ، نهض الطبيب بسرعة و هو ينظر بعطف و قد ارتسمت على محياه ابتسامة ودود محاولاً اشعاري باهتمامه رحب بي و سألني عن إسمي ،فقلت له
_ نادني يا أمي فأنت كولدي .
_ ما عمرك ؟
_ لا أدري ولكني شعرت بشيخوختي و أنا في العشرين .
كنت أرقب حيرته وهو يتفحص أوراق الفحوصات التي عطيتها له فنظر لي وقال
_ كيف حالكِ الآن ؟
_ أنا بخير لولا تلك الحمى التي تُداهمني و الألم الذي يُلازمني .
_ نتائج الفحوصات و التصوير المقطعي يؤكد إنكِ سليمة من أي مرض عضوي ربما ما تحتاجين إليه بعض الفيتامينات و التمارين الرياضة و جلسات العلاج الفيزيائي لمرونة الحركة .
نظرت اليه أهمس لنفسي طبيب جاهل و أضاف .
_ من الصعب أن ننتظر المساعدة من أحد مالم نُساعد أنفسنا فأنتِ لازلت سيدة نشيطة أسمعتِ بعلاج الايحاء إنه شيء مهم أن نوحي لأنفسنا إننا بخير و أضاف ضاحكاً مثلاً
_ أوحي لنفسك إنكِ ما زلتِ صبية .. قاطعته
_ وهل هذا يجدي نفعاً !
_ نعم لمَ لا حينها ستتغير كل الأشياء حولكِ
_ وهل ستعود السنوات بي الى الوراء .. وأكون صبيه .. ساد الصمت و أضفت
_ هه .. كلامك مجرد نصائح لا قيمة لها .. ولا فائدة منها .ابتسم و هو يحاول تجاهل هذه الاهانـة بالنظر الى الفحوصات و رفع رأسه من على الأوراق وقال هازئاً
_ ماذا لو عدتِ صبيه ؟
أخذت نفساً عميقاً مُتأملة لأفكر بمَ اجيبه قبل أن افرغ ذاكرتي مرغمة
_ لوعدت صبية …. ما كنت أسمح لذلك الحزن الذي كنت أعيشه بكل حواسي أن يستفذني و لذلك الخوف من المجهول أن يطوقني و لا للعجز أن يسلبني فرحي و يغتال أحلامي و لا للوحشة و الوحدة تسلبني أمني و سلام روحي ، ولا الوك الصبر و أتجرع المرارة مرغمة عندما وجدت نفسي مع من لا يشبهني ، يا ولدي .. كان بودي أن أكون عاشقة و معشوقة بأقصى ما يمكنني ، حتى لو تعثرت خطواتي .
_ هل تزوجتِ ؟
_لو عدت صبية لتزوجت برجل احبه و أعشقه ، أرى ملامحي على وجهه وجمالي في عينيه و أحلامي على جبينه فأطلق امنياتي البيضاء ليطوقني بحبه و يهبني صدقه ، أذوب في كيانه ، ولن أتنازل عن رفقتي معه .. يا إلهي كم كنت سأكتفي به قلباً و روحاً وعقلاً ..
أستبد به إحراج خفي وهو يسألني
_ هل لديكِ أولاد ؟
_ نعم لو عدت صبية … ما كنت أجهد نفسي لأكون ام مثالية لان الامومة غريزة طبيعية كنت سأسعد بحملي و بهذا الكائن الذي يتكور في احشائي عندما يتحرك و ينبض ليعلن عن وجوده ، ما كنت سأشعر انه محتل يستعمرني و يستنفذ قواي ، كنت سأداعب اولادي و ألعب معهم أضمهم بفرح لا بخوف من فقدانهم أحتضنهم بقوة و أشمهم بعمق ،أقبل أقدامهم الصغيرة و أرقبهم وهم يكبرون ، أول خطوة ، أول مناغاة ، أول حرف ، اول ضحكة كنت سأخفي شحوب لوني و ضعف قواي ومرضي قبل أن يهدني!
_ أينهم الآن .؟
_ منشغلون يا ولدي ، كل واحد منهم وصل الى مبتغاه فآمنوا أن دوري معهم انتهى ، اشعر بالرضا لأني أوصلتهم الى بر الامان حتى لو كان ليس الذي ترسوا عليه سفينتي .
سألني حائراً
_ ماذا لو عدت صبية .. و أتمنى … ما الذي ستفعلينه ؟
_ عندها سأسترخي كما الآن و أتخلى عما يؤلمني بهدوء فألتمس كتف الليل محاولة أن أعانق الصباح بفرح ، أعلم أن لا شيء سيعود كما كان فقد تغيرت الخطوات و تغير الطريق و تغيرت انا و لن أعود صبيه … هل فهمت !!

فتحى الحصرى

فتحى الحصرى .كاتب ومصور وصحفى عمل لأكثر من ربع قرن بالمجلات اللبنانية الشبكة وألوان ونادين . صاحب دار همسة للنشر والتوزيع .وصاحب موقع مجلة همسة ورئيس ومؤسس مهرجان همسة للآداب والفنون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى