مقالات بقلم القراء

النسوية بين التمكين والوهم: قراءة نقدية في استقلال مفرط يهدد إنسانيتنا .

كتبت / حلالس رانية .. الجزائر

في زمن صارت فيه الشاشات الصغيرة تحدّد ملامح وعي الأجيال وتعيد رسم العلاقات الاجتماعية، ظهرت موجة نسوية جديدة لا تشبه جذورها الأولى في شيء. نسوية هجومية لا ترى في الرجل سوى خصم وجب تجاوزه أو تحييده. كثير من الفتيات أصبحن يعتقدن أن اكتمال هويتهن مرهون بنفي أي رابط إنساني أو وجداني بالرجل، حتى لو كان رابط احترام ومودة وتكامل.

تلك النسوية المفرطة لا تكتفي بمطالبة المرأة بحقوقها الطبيعية في التعليم والعمل والكرامة، بل تتجاوز ذلك إلى تكريس صورة نمطية للمرأة “المكتفية ذاتيًا”، وكأن كل شراكة أو تقاطع مع الرجل تهمة بالنقص أو الضعف.

كيف بدأت فكرة النسوية المبالغ فيها؟

النسوية الكلاسيكية نشأت من حاجة إنسانية حقيقية. كانت المرأة، في عصور كثيرة، محرومة من التعليم والحق في العمل والقرار. كانت الأصوات الأولى للحركات النسوية شعلة تحررية ترفض الظلم وتطالب بالإنصاف.

لكن مع تغير السياقات الثقافية، تسللت إلى هذه الحركة مفاهيم مستوردة من بيئات غريبة عن مجتمعاتنا. تحوّلت شيئا فشيئا إلى فلسفة فردانية صارمة، تعتبر الرجل عائقا أمام نجاح المرأة، بدلا من اعتباره شريكا وسندا.

وهكذا أصبح شعار “الاستقلال المطلق” هدفًا نهائيًا بحد ذاته، لا وسيلةً لتحقيق توازن صحي في حياة المرأة.

معنى الاستقلال: بين الضرورة والمغالاة

الاستقلال المادي والمعرفي حق لكل إنسان. لا ينبغي لأحد أن يفرض على المرأة اعتمادًا قسريا على أحد. ولكن عندما يتحول هذا الحق إلى قناعة راسخة بأن المرأة لا تحتاج لأي دعم أو مودة أو شراكة إنسانية، يصبح الاستقلال قيدًا لا حرية.

إن تحويل Independence أو “الاستقلالية” إلى معيار وحيد لقيمة الذات، يخلق ضغطًا نفسيًا هائلا. تصبح المرأة في سباق دائم لإثبات اكتفائها التام، حتى وإن كان قلبها يتوق إلى الدفء والاحتواء.

المرأة القوية.. حقيقة لا شعار

لا أحد ينكر أن المرأة في كل الثقافات قدمت تضحيات عظيمة، وكانت مثالا للثبات والصبر والكفاح. هي قادرة على بناء حياتها وتحقيق ذاتها. لكنها – مهما بلغت من القوة – تبقى إنسانة، لها حاجة فطرية للمساندة والرفقة والاعتراف المتبادل.

إن الاعتراف بحاجتنا للآخر لا يلغي استقلالنا ولا ينتقص من كرامتنا. بل هو وعي ناضج بطبيعتنا البشرية التي تقوم على التآزر والتكامل.

سحر الشاشات والوهم المعلب

لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الفكرة المضللة. صرنا نرى حسابات مؤثرات يقدمن حياتهن وكأنها سلسلة من لقطات منتخبة بعناية تظهر السفر والإنجاز والاكتفاء، فيما الحقيقة غالبا أكثر تعقيدا وأقل بريقا.

تلك اللقطات مجرد ومضات قصيرة، انتخبت وانتقيت لتلميع الصورة وترويج نمط حياة افتراضي لا يعكس الواقع. إنها نسخة محسنة من الحياة، لا أكثر.

حين نقارن تفاصيلنا اليومية بتلك الصور المصممة للإبهار، نشعر بالدونية والفشل. بينما الحقيقة أن معظم الناس يعيشون حياة بسيطة، فيها نجاح وإخفاق، فرح وحزن، استقرار وأوقات تيه.

الرجل ليس خصما بل شريك وجود

إن اختزال الرجل في صورة العدو التاريخي أو العقبة هو ظلم مضاد. فالرجل أيضا شريك حياة، سند في الأوقات العصيبة، ورفيق درب يشارك المرأة بناء الأسرة والمستقبل.

لا تعني الاستقلالية أن نجرّد علاقتنا من العاطفة والاحترام، ولا أن نحمل لواء العداء بلا مبرر. بل تعني أن نختار شراكتنا عن قناعة وحب، لا عن عوز أو ضعف.

كيف نحيا حياة سعيدة وبسيطة؟

1. لا تفرضي على نفسك سباق المقارنات.
الحياة ليست مسابقة لنيل إعجاب الآخرين. عيشي بما يناسبك أنت لا ما يريده جمهور عابر.

2. تذكري أن الاستقلال لا يلغي الحاجة الإنسانية للتآلف.
لا بأس أن تكوني قوية. ولا بأس كذلك أن تحتاجي شريكا يخفف عنك عناء الطريق.

3. ابني علاقتك مع المال بوعي واتزان.
المال وسيلة للعيش الكريم وليس معيارا لقيمتك.

4. احتفي بأنوثتك دون خجل.
قوتك لا تنفي جمال قلبك، وعقلك لا يقلل من رقّة مشاعرك.

5. تخلّصي من ضغط الكمال.
لا أحد كامل، ولا حياة مثالية، وكلنا نختبر نقاط ضعف ومراحل ارتباك.

6. اختاري شراكاتك بصدق.
لا تنجرفي خلف شعارات سطحية تحرم عليك الارتباط أو الامتنان لوجود رجل داعم في حياتك.

لقد وجدت النسوية لتكفل للمرأة احترامها وإنسانيتها. لكنها لم توجد لتجعل منها كائنًا منفصلا عن النسيج البشري، محاصرا بفكرة الاكتفاء العدائي.

نعم، أنت قوية، طموحة، مستقلة. لكنك أيضا كائن يحب ويحتاج ويمنح. لا تسمحي لموجة شعارات زائفة أن تصادر إنسانيتك بحجة التمكين.

الحياة أبسط بكثير من الصورة التي تسوقها لنا الشاشات. السعادة لا تحتاج إلى إثبات دائم. يكفي أن تختاري طريقك بصدق، وتقبلي ذاتك كما أنت، وأن تؤمني أن الشراكة لا تنتقص من قيمتك بل تضيف إلى قلبك ضياء.

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى