د. محمد يوسف حامد عرابين
العنوان / جمهورية مصر العربية ، الغربية ، قطور ، ابشواي الملق
المحمول / واتس اب 01023981004
فيسبوك / http://www.facebook.com/Muhammad.arabeen
” حين يتنفّس المقهى ”
في هذا النص ، لا يُروى المقهى ، بل يُصغى إليه ، تتسلّل الحكايات خفيفةً كالبخار ، وتجلس الأرواح قليلًا لتستريح ، بين فنجانٍ دافئ ونظرةٍ عابرة ، تُقال الأشياء على مهل ، وتبقى الهمسة أطول من الصوت .
كان المقهى عند ناصية الشارع أشبه بوقفةِ قلبٍ قصيرة بين خطوتين ، لا يرفع صوته ليُرى ، ولا يختبئ ليُنسى ، يقف فقط ، كما تقف الأشياء الصادقة ، منتظرًا من يحتاج إلى لحظة هدوء ، من يدخله يشعر أن الضجيج يبقى خارج الباب ، وأن الزمن هنا يخلع حذاءه ويمشي على مهل .
الجدران لا تحمل لونًا واحدًا ، بل أثر أعوامٍ مرّت ، وأصواتٍ تعاقبت ، ودخانٍ صعد ثم استقرّ كذكرى الطاولات الخشبية مشروخة في أطرافها، كأنها تعلّمت من الجالسين عليها كيف تصبر ، لكل شقٍّ حكاية ، ولكل خدشٍ صمتٌ طال ، أمّا الكراسي ، فكانت تعرف الأجساد التي تعبت ، وتحفظ انحناءاتها دون أن تفضحها .
في الصباح، يبدو المقهى أخفّ من فكرة الشمس تتسلل من النافذة ، توقظ ذرات الغبار ، وتبدأ الحياة بأصواتٍ صغيرة ، فنجان يلامس الطاولة، ملعقة تدور ببطء ، وسعال عجوزٍ يعرف المكان كما يعرف اسمه ، يدخل الروّاد الأوائل بملامح متشابهة التعب ، موظف يحمل يومه على كتفيه ، رجل يهرب من وحدة البيت ، وشابٌّ يجلس كأنه ينتظر نفسه .
كان صاحب المقهى ، عمّ اسماعيل ، قليل الكلام ، واسع القلب ، لا يسأل أحدًا عمّا يؤلمه ، لكنه يعرف متى يضع الفنجان بصمت ، ومتى يتأخر لحظةً قبل أن يغادر الطاولة ، أدرك مع الوقت ، أن بعض الناس لا يطلبون القهوة بقدر ما يطلبون أن يشعروا بأنهم مرئيّون .
في الركن القريب من الجدار ، يجلس رجلٌ في منتصف العمر ، يفتح جريدة كل يوم دون أن يقرأها حقًّا ، كانت الجريدة ذريعةً للصمت ، وحاجزًا خفيفًا بينه وبين العالم ، يجلس طويلًا ، ثم ينهض كما جاء ، وكأن المقهى كان محطةً قصيرة لالتقاط أنفاسٍ مثقلة.
وعلى طاولةٍ أخرى ، شابٌّ يحمل دفترًا ، يكتب سطرًا ، يتوقف ، ثم يمزّق الصفحة ، لم يكن متأكدًا ممّا يكتب ، لكنه كان متأكدًا من أن هذا المكان يمنحه ما لا تمنحه العزلة ، أصواتًا متداخلة ، وجوهًا عابرة ، وأنصاف حكاياتٍ تشبه الحياة حين لا تُروى كاملة.
مع اقتراب المساء ، يتبدّل وجه المقهى ، ترتفع الأصوات ، ويثقل الهواء بدخان السجائر ، وتتحول الطاولات إلى دوائر ضحكٍ وجدال ، تُقال آراءٌ حادة ، ثم تُنسى سريعًا ، وتذوب الخصومات قبل أن يبرد الشاي ، كان المقهى يعرف أن لا أحد يريد الانتصار ، بقدر ما يريد أن يُسمَع.
في إحدى الليالي ، دخل رجلٌ غريب ، جلس بصمت ، طلب قهوة ، وبقي ينظر أمامه كأنه يستعيد مشهدًا بعيدًا ، كان في عينيه تعبٌ كثيف ، لا تصنعه الأيام وحدها ، بل الخسارات التي تتراكم دون ضجيج ، لم يسأله أحد عن اسمه ، ولم يسأل هو عن شيء ، المقهى وحده رحّب به ، كما يفعل دائمًا ، بلا فضول .
هطل المطر فجأة ، وارتطم بالزجاج في إيقاعٍ هادئ ، خفّت الأصوات ، وساد صمتٌ نادر ، لم يكن فراغًا ، بل دفئًا مشتركًا ، بدا وكأن الجميع ، على اختلافهم ، التقوا في لحظة واحدة ، حتى الغريب رفع رأسه ، وكأن المطر أعاد إليه ذكرى قديمة ،
في تلك اللحظة، فهم الشاب صاحب الدفتر أن المقهى ليس مكانًا للهروب من الحياة ، بل فسحةٌ لمواجهتها بلطف ، هنا تُقال الأشياء دون إعلان ، وتُفهم المعاني دون شرح ، لا أحكام ، ولا نصائح ، بل وقتٌ كافٍ كي يرى الإنسان نفسه أوضح قليلًا ،
عند الإغلاق ، بقيت رائحة القهوة معلّقة في الهواء ، كأنها وعدٌ خفيف ، أطفأ عمّ اسماعيل الأنوار ، ونظر حوله نظرة من يعرف أن الغد سيأتي بحكاياتٍ جديدة ، سيبقى هذا المكان ، البسيط في شكله، العميق في إحساسه ، شاهدًا على بشرٍ يمرّون ويتركون خلفهم همسةً من أرواحهم .
المقهى لا يشيخ ، لأن الذين يرتادونه يشيخون عنه ، ويبقى هو مساحةً صغيرة بين القلب والعالم ، حين يحتاج القلب أن يتنفس .
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون