كتاب المجلهكتاب همسة

جوائز للبيع… حين يُشترى المجد وتُذبح المعايير على منصة التكريم

‏‏بقلم: المستشار الدكتور خالد السلامي

‏في المقال السابق “مؤتمرات للبيع…”، تحدثنا بصراحة عن المؤتمرات التي تحولت من منصات للمعرفة إلى مشروعات تجارية، وأشرنا إلى أولئك الذين جعلوا من القاعات والأساتذة والمتحدثين والشعارات أدوات لجمع المال، بدلاً من أن تكون وسائل لصناعة الوعي وخدمة المجتمع.
‏وقد لاقى المقال صدى واسعاً؛ لا لأنه قال شيئاً غريباً، بل لأنه نطق بما يعرفه كثيرون ويخشون قوله.
‏لكن تجارة المؤتمرات ليست سوى واجهة واحدة لمشكلة أكبر وأخطر.
‏فخلف بعض تلك المنصات، نشأت تجارة أخرى أكثر ضرراً، لأنها لا تبيع مقعداً أو تذكرة حضور فحسب، بل تبيع ما يفترض أنه لا يباع: التقدير، والاستحقاق، والإنجاز، والمكانة المعنوية.
‏نحن نتحدث عن تجارة الجوائز والتكريم.
‏عن تلك الظاهرة التي أصبح فيها المجد معروضاً للبيع، والدرع له سعر، والشهادة لها باقة، واللقب يمكن الحصول عليه بتحويل بنكي، أو رعاية مالية، أو شراء عدد من المقاعد، أو تحمل تكاليف حفل كامل.
‏حتى بات السؤال في بعض الفعاليات ليس: من يستحق التكريم؟
‏بل: من يستطيع دفع تكلفته؟
‏وهنا لا نتحدث عن حالات فردية عابرة، ولا عن أخطاء تنظيمية بسيطة يمكن تجاوزها، وإنما عن نمط يتسع ويتكرر حتى كاد يفرغ فكرة التكريم من معناها، ويحولها من اعتراف بالإنجاز إلى عملية تجارية كاملة الأركان.
‏لقد أصبحت بعض الجوائز لا تبحث عن المتميزين، بل تبحث عن الزبائن.
‏تصل الرسالة إلى الشخص قبل أن يعرف أحد إنجازاته، وقبل أن تطلع اللجنة المزعومة على سيرته، وقبل أن يتم تقييم عمله، ثم يقال له بكل أناقة: لقد تم اختياركم لنيل جائزة مرموقة.
‏يفرح الشخص في البداية، ويشعر بأن جهده قد حظي أخيراً بالتقدير، ثم تأتي المفاجأة في السطر الأخير:
‏يرجى سداد رسوم التسجيل.
‏أو شراء باقة التكريم.
‏أو تحمل تكلفة الضيافة.
‏أو حجز طاولة لكبار الشخصيات.
‏أو دفع رسوم إعلامية وتصويرية.
‏أو المشاركة بصفة راعٍ مقابل استلام الجائزة.
‏وهكذا تتحول الجائزة من تكريم للفائز إلى فاتورة عليه أن يسددها.
‏والأكثر إثارة للدهشة أن بعض الجهات لا تخجل من ذلك، بل تضع قائمة أسعار واضحة: درع عادي بسعر، درع ذهبي بسعر آخر، تكريم على المنصة بسعر، تكريم مع كلمة بسعر أعلى، صورة مع الشخصية الراعية للحفل لها باقة، وتغطية إعلامية مدفوعة لها باقة أخرى.
‏وكأننا لسنا أمام احتفاء بإنجاز، بل أمام قائمة خدمات في متجر.
‏اختر اللقب الذي يناسب ميزانيتك.
‏اختر حجم الدرع.
‏اختر موقعك في الصورة.
‏اختر عدد المرات التي سيذكر فيها اسمك.
‏ثم ادفع، واصعد إلى المنصة، وابتسم للكاميرا.
‏لكن ماذا عن الاستحقاق؟
‏ماذا عن الإنجاز الحقيقي؟
‏ماذا عن المعايير؟
‏ماذا عن الأشخاص الذين عملوا سنوات طويلة في صمت، وقدموا للمجتمع إنجازات حقيقية، ولم يطلب منهم أحد شراء درع حتى يعترف بهم؟
‏ماذا نقول لهم عندما يرون شخصاً لم ينجز شيئاً يذكر، يقف على منصة فاخرة، ويحمل لقباً كبيراً، فقط لأنه دفع أكثر؟
‏إن الخطر هنا لا يقع على شخص واحد، بل على منظومة القيم كلها.
‏عندما تباع الجوائز، لا يصبح غير المستحق مستحقاً، بل يصبح المستحق الحقيقي مظلوماً.
‏وعندما توزع الألقاب بلا ضابط، لا يرتفع من حصل عليها، بل تهبط قيمة اللقب نفسه.
‏وعندما يتحول التكريم إلى تجارة، فإننا لا نصنع قدوات، بل نصنع وهماً جماعياً، يظن فيه الناس أن كل من حمل درعاً عظيم، وكل من وقف على منصة مؤثر، وكل من أضيفت إلى اسمه صفة براقة صاحب إنجاز استثنائي.
‏لكن الحقيقة لا تصنعها الشهادات المطبوعة.
‏الحقيقة يصنعها العمل.
‏والتاريخ لا يحفظ أسماء من دفعوا أكثر، بل يحفظ أسماء من قدموا أكثر.
‏من المؤلم أن نرى اليوم ألقاباً كبيرة جداً، تمنح لأشخاص لا تتناسب تجاربهم معها، مثل: شخصية العام، قائد الإنسانية، سفير السلام، رائد التميز، أيقونة العطاء، أفضل شخصية مجتمعية، قائد عالمي، صانع التغيير، أو الشخصية الأكثر تأثيراً.
‏وكلها ألقاب قد تكون محترمة وعظيمة عندما تمنح وفقاً لمعايير جادة، لكنها تتحول إلى كلمات فارغة عندما توزع بالجملة.
‏فهل يعقل أن يكون لدينا عشرات من «شخصيات العام» في العام نفسه، ومن الجهة نفسها، وفي الحفل نفسه؟
‏هل يمكن أن يكون كل المدعوين قادة عالميين؟
‏هل كل من دفع تكلفة الحضور أصبح سفيراً للسلام؟
‏هل صناعة التأثير أصبحت بهذه السهولة؟
‏إن السلام ليس لقباً مطبوعاً.
‏والإنسانية ليست درعاً زجاجياً.
‏والقيادة ليست صورة على منصة.
‏والتأثير لا يقاس بعدد الإعجابات على منشور التكريم.
‏هذه القيم أكبر من أن تختصر في حفلة، وأسمى من أن تتحول إلى سلعة.
‏إن من يمنح لقباً كبيراً لشخص بلا استحقاق لا يجامله فقط، بل يخدعه.
‏يمنحه شعوراً زائفاً بأنه وصل، بينما هو لم يبدأ الطريق بعد.
‏ويجعله يصدق أن الصورة إنجاز، وأن التصفيق اعتراف، وأن اللقب حقيقة، بينما قد لا يكون الأمر أكثر من اتفاق مالي مغلف بعبارات التقدير.
‏وهذا أخطر أنواع التضليل؛ لأن الإنسان قد يصدق الوهم الذي اشتراه.
‏وربما يبني عليه حضوره العام، ويقدمه في سيرته، ويستخدمه للتأثير في الآخرين، ويتعامل معه وكأنه اعتراف مهني أو علمي أو مجتمعي موثق.
‏ثم تتراكم الألقاب، وتزدحم السير الذاتية بعبارات ضخمة، بينما تغيب الأعمال الحقيقية التي تثبتها.
‏لا أحد يسأل: من منح الجائزة؟
‏ما تاريخ الجهة؟
‏من أعضاء لجنة التحكيم؟
‏ما مؤهلاتهم؟
‏ما عدد المرشحين؟
‏ما المعايير المستخدمة؟
‏هل توجد درجات تقييم؟
‏هل تم الاطلاع على أدلة الإنجاز؟
‏هل توجد نتائج منشورة بشفافية؟
‏هل يستطيع الفائز أن يوضح لماذا فاز، غير أنه تلقى اتصالاً يخبره بأن اسمه قد اختير؟
‏إن الجائزة المحترمة لا تخشى الأسئلة.
‏بل تفتخر بإجابتها.
‏تنشر معاييرها، وتعلن لجانها، وتفصل بين الرعاية والتحكيم، وتمنع تضارب المصالح، وتوضح أسباب الاختيار، ولا تضع يدها في جيب الفائز قبل أن تضع الدرع في يده.
‏أما الجائزة التجارية، فتهرب من التفاصيل.
‏تكثر من الحديث عن العالمية والريادة والتميز، لكنها لا تقدم وثيقة واحدة تشرح كيف اختير الفائزون.
‏تستخدم أسماء دول ومدن ومؤسسات كبيرة لإضفاء الهيبة على الحدث، بينما تظل الجهة المانحة نفسها غامضة، ومعاييرها غائبة، ولجنتها غير معروفة.
‏قد يقام الحفل في فندق فخم.
‏وقد يحضره عدد من الشخصيات العامة.
‏وقد تكون الإضاءة رائعة.
‏وقد تظهر أعلام دول متعددة في الخلفية.
‏لكن كل هذا لا يجعل الجائزة محترمة.
‏الجائزة لا تكتسب قيمتها من فخامة القاعة، بل من صرامة معاييرها.
‏ولا من عدد المصورين، بل من نزاهة لجنة التحكيم.
‏ولا من طول اسمها، بل من مصداقية من يمنحها.
‏ولا من سعر الدرع، بل من قيمة الإنجاز الذي يمثل ذلك الدرع.
‏إن بعض منظمي الجوائز يتعاملون بذكاء تسويقي واضح. يبدأون بمخاطبة رغبة الإنسان الطبيعية في التقدير. يرسلون له رسالة مليئة بالمدح، ويخبرونه أن لجنة دولية رصدت إنجازاته، وأن اسمه اختير من بين عدد كبير من الشخصيات.
‏ثم يمنحونه مهلة قصيرة لتأكيد المشاركة.
‏ثم تظهر الرسوم.
‏ويقال له إن المبلغ ليس ثمناً للجائزة، وإنما رسوم تنظيم، أو تكلفة ضيافة، أو مساهمة إعلامية، أو رسوم إصدار الشهادة.
‏وقد يكون تغيير الاسم على الفاتورة محاولة لتغيير الحقيقة، لكنه لا يغيرها.
‏عندما لا يحصل الشخص على التكريم إلا بعد الدفع، فهناك علاقة مالية مباشرة يجب التصريح بها بوضوح.
‏وعندما تكون فرصة الفوز مرتبطة بشراء رعاية، فهذه ليست جائزة بالمعنى الأخلاقي، بل منفعة دعائية مدفوعة.
‏لا بأس أن تنظم جهة حفلاً تجارياً وتبيع باقات ظهور وإعلان، فهذا نشاط يمكن فهمه ما دام معلناً بصدق.
‏لكن الخطأ أن يسمى الإعلان إنجازاً.
‏وأن تسمى الرعاية فوزاً.
‏وأن يسمى الدفع استحقاقاً.
‏وأن تقدم الصفقة للجمهور باعتبارها تكريماً مستقلاً ومحايداً.
‏المشكلة ليست في المال وحده، بل في التضليل.
‏في خلط الأوراق عمداً بين من فاز لأنه يستحق، ومن صعد لأنه دفع.
‏بين من اختارته لجنة مستقلة، ومن اختار الباقة الأغلى.
‏بين من صنع أثراً في المجتمع، ومن اشترى مساحة في برنامج الحفل.
‏هذا الخلط يهدم الثقة.
‏بل إنه يسيء حتى إلى الأشخاص المستحقين الذين قد يكرمون في الفعالية نفسها؛ لأن الجمهور لن يستطيع التفرقة…

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى