في صباحٍ شتويٍ باردٍ تُكلِّلُه الغيوم الرمادية الجاثمة فوق سطح البحر؛ بدا الموَات على الشاطئ الرملي، إلا من زرافاتٍ صغيرة متناثرة من البشر، شبابٌ يحملون في أياديهم وعلى أكتافهم وظهورهم حقائب بائسة، وأكياسًا فقيرة تضم أغراضهم، يتدافع بخار الماء من أفواههم مع كلماتهم، لا يؤنسهم سوى نعيق النوارس التي تُحوِّم فوق الماء، واضطراب الموج الهادر، تغسل قطراته المتناثرة الوجوه المترقبة، المشدودة أعينها إلى الأفق البعيد؛ تنتظر القارب أن يلوح .. – ستسُدِّين كل ما اقترضْتِه من أجلنا يا أمي .. وتُتمِّين عُرس أختي، ويُكمل أخي ما بقي من سنواته الجامعية .. أُدعْ لي يا أمِّي دائمًا، ستصلك رسائلي كلما تيسر لي ذلك .. انهمرت دموعها تغسل وجهه الذي غيَّبته في صدرها، تحوطه بكلتا ذراعيها، قائلة من بين نحيبها: – لا تُطِل غيبتك عنا يا ولدي؛فنضيع .. في قمَرة الانتظار؛ تتوالى الأهِلَّةُ أمام عينيها المُسهَّدتين، لا تملُّ مراقبتها منذ البزوغ وحتى المحاق .. ستة أشهر مذ ركب البحر مع أقرانه وهي تحيا بين اليأس والرجاء، تلتمس له الأعذار حينًا، وتُطيِّر له رسائل اللوم أحيانًا، تتمنى رائحةً منه .. تناجيه في وحدتها أن يبلل جفاف روحها بما يرد عنها هواجسها: رسالة، رسول، مهاتفة …، ولكن ما من مجيب .. تنشد السلوى في معايشة صُوَرِه تارة، وبقايا أغراضه أخري، تُحادثه وكأنه يُجالسها .. باتت لا يغمُض لها جَفنٌ، تُعاقر سكون الليل الثقيل، مشدودةَ الآذان لباب الدار؛ لعل وعسى أن يطرق بابها بشيرٌ بما يُهدِّئ من روعها، ويٌأمِّن خوفها .. لم يكن هذا الصباح كسابقيه، فاجأتها الطرقات على بابها؛ تأبى أن تتوقف، انتشلتها من استغراقتها في دوامات بحار حيرتها .. انتفضت -مسرعة – من رقدتها هابطةً السُلَّم الخشبي، في عجلتها كادت تهوي بعد عثرتها بالدرج؛ لولا تشبُّثها بالدربزين .. متلهفةً؛÷ فتحت الباب ، استقبلتها ملامحه الصارمة وحُلَّته الميري، وبلهجة حاسمة سألها: – الست أم “جابر”؟ – نعم، أنا هي .. خير يا باشا؟ – انت مطلوبة في المركز .. أُسقِط في يدها، شهقت، جحظت عيناها، صكَّت صدرها بكفها، وهي تحاول أن تزدرد مرارة حلقها، وراحت تحدث نفسها : فعلها “محسوب” إذن .. ياويلي .. يا ويلي في مكتب رئيس المباحث؛ لم تمهله ليسأل، بادرته قائلة: أنا معترفه يا باشا إني مديونه للمعلم “محسوب” لا أنكر ، وأعلم أن ميعاد سداد الدين انقضى من أشهر، ولكن ما باليد حيلة .. أنتظر ما سيحوِّله لي ولدي “جابر” فأسدُّ بعضًا من الدين .. أوقف رئيس المباحث تدفُّقَها بكفه، مبديًا الهدوء؛ رغم مشاعره التي تمور داخله مورًا أمام بؤس حالها، وهو في حيرة من أمره، كيف يُبدي لها سبب استدعائها .. ولكن ما باليد حيلة؛ قالها في نفسه قبل أن يمضي في مهمته .. لم تستوعب أم”جابر” لماذا يصطحبونها إلى المشفى؛ وهي تسير – خلف الضابط والأمين ووكيل النيابة – كالمنوَم في استسلام تام .. ارتجت حين توقفوا بها فجأة، كاد قلبها يتوقف وتتداعى بها ساقاها إلى الأرض؛ وهُم يعبرون بها باب ثلاجة الموتى .. امتقع لونها بينما جسدها ينتفض في حركة ظاهرة لا تتوقف، وعيناها الزائغتان لا تستقران على شئ بذاته، تراوح نظراتها بين مسئول الثلاجة ووكيل النيابة في تساؤلات خرساء لا تخفَى عليهما .. تقدم المسئول، سحب أحد الأدراج، كشف الكيس الأسود عن وجه الجثة، ومعه جاءها صوت الوكيل مشحونًا بالأسى قائلًا: أهذا ولدك؟ ندَّت عنها صرخة عاتية مريعة تخطت كل الجدران، انتفضت في إثرها جالسة، جاحظة العينين، يعلو صدرها ويهبط، وشهيقها وزفيرها يتلاحقان، تردد – بلا فتور – بصوت مذبوح: – لا .. جابر لا .. جابر لا يا بحر .. ألم يكفك أباه يا جاحد .. ابتلعتَ “سعدون” والمركب وسبعة رجال .. ألا تشبع؟! اقتحم “جابر” الحجرة، وأخوه وأخته في عقبه؛ مذعورين .. وبصوت متلهف تساءلوا: – خير يا أمي .. ماذا جرى .. ما الذي أزعجك إلى هذا الحد؟ – لا .. لن تركب البحر وتتركنا يا “جابر” .. لن تسافر ظلت تردد رفضهابإصرار وهي تتحول شاخصة ببصرها نحو الجدار المقابل لفِراشها، وراحت تحادث “سعدون” … وقف جابر حائرًا لا يدري أهو يحدث نفسه، أم يحدث أمه واخوته، أم كلاهما معًا: – ولكني أتممت اتفاقي مع “العيدروسي”، وأمهلني أسبوعًا لأُدبِّر حالي .. ثقلت علينا الديون، كيف سنسدِّدُها إذن؟ .. وعُرس أختي؟ .. بل و”مرزوقة” ما ذنبها وقد وعدْتِني أن تطلبيها لي من أبيها إذا ما تيسر حالنا .. كيف سيتيسر إذن؟! – قلت لن تركب هذا الخطر أبدًا .. أبوك يؤيدني، لم أره بهذه الابتسامة من زمن، وهو يهُزُّ رأسه موافقًا رأيي، وأنا ما اعتدت طوال عمري أن أخالف – سيد الرجال – ما يرى .. تنهد “جابر” ضجرًا، مُتبرمًا، يأبى أن يبتلع مقالتها، جاء صوته من وراء تأففه؛يجاريها لعلها تتراجع، قائلًا: – إذن ما العمل؟ وإلى متى يمكننا أن نحتمل كل هذه الأثقال؟ أطرقت أم “جابر” ولم تعقب، ران السكون على المكان، وتعملق الترقب .. مشتة إلى زوجها المنتصب أمامها في الإطار، رفعت البصر إليه، بدا أن حديثًا صامتًا يتردد بينها وبينه، لم تلبث أن عادت منه أكثر ثباتًا ورباطة جأش في مواجهة بنيها، مُحدِّثةً إياهم: – عرض المعلم “لملوم” سعرًا مناسبًا للبيت .. __________________ الاسم: أحمد حسن عثمان الشهرة: أحمد عثمان البلد: مصر
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون