انتظرت عودة أبي كثيرًا؛ لكنه لم يعد؛ أخبرتني أمي أنه خرج ليلًا دون أن أراه، سافر لمأمورية عاجلة لم يستطع إلغاءها أو تأجيلها، أبديت دهشتي؛ لكنها أقنعتني أنه كموظف لا يملك من أمره شيئًا…
حينما طالت غيبته، وزاد إلحاحي وسؤالي عنه ؛ لم تجد أمي ما تجيب به!
كانت تنظر للسماء وتردد دعوات متكررة؛ فيطمئن قلبي قليلًا بدعائها؛ فلربما يستجيب الله لدعواتها ودعواتي.
لا أذكر أبدًا أنه ابتعد عنا مدة كهذه، كان لا يحب الخروج كثيرًا، وإذا خرج كان يصحبني معه، في زياراته العائلية أو حتى في مقابلاته للأصدقاء في المقهي القريب من بيتنا.
كان موسوعة متنقلة، أسأله في دراستي أو عن أي شيء تحيرت فيه؛ فيجيبني بدون تفكير أو تردد، أهتدي بكلماته دائمًا إلى الصواب؛ فيزداد تعلقي وارتباطي به.
ذات مرة منذ سنوات طويلة سافر لمأمورية عمل تم تكليفه بها لاجتهاده في القيام بمهام وظيفته، اعتبرها مكافأة كريمة عن سنوات قدم فيها كل ما يملك من وقته وطاقته، لكنني في اليوم التالي تواصلت معه؛ ذرفت عيناي الدموع، ألجم فقده لساني، فلم أستطع أن أنطق قلت:
– أفتقدك كثيرا أبي.
لم أكمل حديثي معه، انقطع بيننا الاتصال، أخر ما قاله:
– سأعود بعد أيام قليلة، فقط حتى نهاية الأسبوع.
في فجر اليوم ذاته طرق الباب بشدة، وجدته هو؛ ارتميت في حضنه كثمرة مقطوعة تعود إلى غصنها؛ أخبرني أن دموعي أغرقته؛ فلن يحتمل البعد عنا لأيام أخر.
لكنه هذه المرة لم يتواصل معنا، كل يوم تؤكد أمي أنه سيتصل بنا في الغد؛ لكن هذا الغد لم يأت بعد، وصوته الحنون لم أسمعه منذ ذلك الحين.
قررت أخيرًا ألا أنتظر؛ خرجت بنفسي باحثًا عنه متشوقًا لرؤيته؛ جلست على أحد مقاعد محطة القطار، سيل لا ينتهي من القطارات يتدفق وصولًا إلى المحطة، أحدق في وجوه الجميع، أشكال متباينة ومتنافرة، ملامح الشقاء خطت خطوطها العريضة على جبين من رأيتهم؛ لكن اليأس لم يصبني، أفتش عن ملامحه الهادئة وابتسامته التي كانت تحتويني.
هذا المعطف الذي يرتديه الرجل البدين معطف والدي!
من أين أتى به؟!
ولماذا يرتديه؟!
كذلك الحذاء الأسود والبنطال الذي كان يحبه؛ من أين أتى هؤلاء الأشخاص بملابسه؟!
وماذا يعرفون عنه؟!
لماذا لم يعد كما عادوا؟!
تملكني التعب الشديد؛ حتى كدت أسقط على الأرض، جرجرت أذيال خيبتي وعدت إلى البيت. لم أخبر أحدًا بما قمت به.
في الصباح الذي تلاه انتقلت إلى مكان أخر، اتخذت مكاني في أحد جوانب السور الكبير لسيارات الأجرة؛ لم يكف السائقون وتابعوهم عن النداء؛ اختلطت أصواتهم مع أصوات القادمين كسيل هادر لا ينقطع.
حدقت في الوجوه القادمة؛ أكثر من وجه يشبهه تمامًا، لكن أصحابها كانوا أكثر طولا أو بدانة منه، انتقلت من مكان إلى آخر متتبعًا وصول سيارات من أماكن عدة.
بعد أن فقدت الأمل؛ جلست في زاوية بعيدة؛ التقطت بعضًا من أنفاسي، انتويت ألا أعود إلى البيت ثانية حتى يكون في رفقتي.
تعلقت بي كف حانية أعرفها جيدًا، إنه هو بالتأكيد، اعتدلت سريعًا، ارتميت في أحضانه، بكيت طويلًا؛ أمتدت إليّ يده تربت على كتفي، ازداد بياضه، زالت ملامحه البائسة، نظرت في عينه، لكنني لم أر فيها انعكاس صورتي.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون