مسابقة القصة القصيرة

قصة : حيث يقيم الغياب : مسابقة القصة القصيرة ..يقلم / مريم دالي يوسف ..الجزائر

السلام عليكم
مشاركتي بصنف القصة القصيرة
مريم دالي يوسف
الجزائر

https://www.facebook.com/share/1DgUh35Y3a/?mibextid=wwXIfr

قصة بعنوان :حيث يقيم الغياب

لم أكن أعرف أن الغياب يمكن أن يكون بهذا الوضوح حتى مات جدّي. عندها فقط أدركت أن بعض الناس لا يرحلون من حياتنا، بل ينتزعون معها شكلها القديم. اسمي عائشة، ومنذ ذلك اليوم صرت أقول اسمي بحذر، كأنني أخشى أن ينقص حرفٌ منه إن نطقته سريعًا. كان جدّي أكثر من فرد في العائلة؛ كان المعنى الذي تُقاس به الأشياء، والطمأنينة التي لا تحتاج تفسيرًا. بعده، بقي البيت كما هو، لكنه فقد قدرته على الاحتفاظ بالدفء، وصارت الغرفة أوسع من اللازم، والكرسي الخشبي في الزاوية فارغًا بطريقة موجعة.

كان قليل الكلام، لا لأنه لا يعرف ماذا يقول، بل لأنه كان يعرف متى يجب أن يصمت. علّمني، دون دروس مباشرة، أن الكلمات إن لم تُقَل في وقتها الصحيح صارت عبئًا. أستعيد الآن تفاصيل صغيرة لم أكن ألتفت إليها حين كان حيًا؛ طريقته في ترتيب الصحف، وقوفه قرب النافذة وقت الغروب، سكوته الطويل قبل أن ينطق باسمي. في آخر مرة رأيته فيها لم يوصني بشيء عظيم، قال فقط إن الحياة لا تُستعجل، وإن الإنسان إن ركض أكثر مما ينبغي خسر ما لا يُعوّض. يومها ابتسمت ولم أفهم، واليوم أفهم متأخرة، بعد أن جرّبت كيف يمرّ الوقت ببطء ثقيل حين يغيب من كان يضبط إيقاعه.

لم أبكِ كما توقعت. انتظرت الدموع طويلًا، لكنها لم تأتِ في وقتها، وجاء بدلها شعور مربك بالتيه. الفقد لا يعلن نفسه دفعة واحدة؛ يتسلل في التفاصيل، في فنجان قهوة لم يُستكمل، في كتاب بقي مفتوحًا على صفحة لم تُقلب، في دعاء يتعثر عند اسمه. كنت ألتفت أحيانًا ظنًا أنني سمعته يناديني، لا بصوته، بل بتلك النبرة التي كان ينطق بها اسمي، النبرة التي تجعل الاسم مأوى لا مجرد لفظ. كنت ألتفت ثم أتذكّر، والذاكرة حين تكون صادقة تكون قاسية.

مع الوقت تغيّرت علاقتي بالأشياء وبنفسي. صرت أبطأ، أقلّ استعجالًا، وأكثر انتباهًا لما أقول وما لا أقول. فهمت أن غيابه لم يكن نهاية، بل تحوّلًا، وأن بعض الناس حين يرحلون يتركون داخلنا نظامًا جديدًا للحياة. لم أعد أبحث عنه في الأماكن التي كان يجلس فيها، بل في الطريقة التي صرت أنظر بها إلى العالم، وفي المسافة التي أتركها بيني وبين الألم. جدّي لم يمت تمامًا؛ هو فقط غيّر موضعه، صار يقيم في داخلي، حيث يتعلّم المرء أن الحياة لا تُعاش بالعجلة، وأن الفقد، مهما كان موجعًا، يمكن أن يصير فهمًا أعمق للذات لا كسرًا لها

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى