https://www.facebook.com/share/1DPgBpCZah/
حساب الفيس بوك
قصة قصيرة
(رائحة أخرى)
لا أدري ما الذي كان يتوجب علي فعله بعد أن تخلى عني أبيهم!
أكان ذنبي حينما لجأت للعمل صباحا ومساءً كي لا أمد يدي لأحد؟ هل أخطأت حينما واصلت الليل بالنهار لكي أحصل على ما قد يساعد في سد احتياجاتهم وغلق تلك الأفواه المفتوحة؟!
وقبل كل ذلك ما الذي فعلته ليتركنا أبيهم ويرحل دون عودة؟!
ثلاث أفواه جوعى، كبيرهم لم يتجاوز الثامنة، تركتهم أنا أيضا لكن بنية العودة بما قد يشبع جوعهم ولو الفتات.
أعمل صباحا في مصنع ملابس مع جارة لي، وفي المساء أقضي ساعتين منكفئة على ماكينة خياطة في مشغل قريب من المنزل يمتلكه رجل طيب رفق بحالي حينما روت له جارتي (ليلى) حكايتي.
خرجت صباحا كعادتي بعد أن ناولت كل واحد منهم ما يسد رمقه فترة غيابي، أوصيت كبيرهم على أخيه الرضيع وناولته ما يكفيه من الرضاعة وأوصيته أن يطعمه كلما بكى، همست في أذن الأوسط ووعدته بالحلوى التي طلبها مني أمس، هدهدت رضيعي وأخبرته أنني سأعد الساعات كي أعود إليه، أعرف أنه لن يفهمني لكن تكفيني تلك البسمة التي ارتسمت على شفتيه، ربما تلك البسمة هي منحة الحياة التي تنسيني شقائي.
إذ بدمعة تهرب من عيني لتستقر على وجنتيه بينما كنت أُقبله!
طعمها مالح كمذاق الساعات التي أقضيها بعيدة عنهم…
قبل أن أودعهم عاودتني نوبة الصداع من جديد، ولكن هذه المرة كانت أشد ضراوة، لم تفلح محاولات إسكات هذا الصداع الذي بات يصاحبني ليل نهار، ربطت رأسي بعصبة لكن دون جدوى، قلت ما من بد من عمل كوب من الشاي الساخن، لكن الحافلة التي تقلنا إلى المصنع على وشك أن تمر أمام منزلي القريب من المحطة!
لا بأس سأكتفي بالقليل من الكوب عله يهدأ من هذا الصداع المميت الذي يكاد أن يشق رأسي لنصفين..
(حفنة من الشاي والقليل من السكر!) لا يهم سأشربه دون سكر وأستأثر بهذا القليل لأولادي لعل منهم من يحتاج لكوب دافيء ليلا..!
أحضرت الشعلة وحمدت الله أني لم أنس أن أمونها أمس، تذكرت المرات التي بِتنا فيها دون أن يُوقد لنا نارا، كنا نشتهي رائحة الطعام المنبعثة من نوافذ الجيران وأتساءل متى أشتم هذه الرائحة في هذا البيت الذي يصرخ أركانه من شدة الصقيع؟!
تذكرت صراخ صغاري وهم يتضورون جوعا، وكنت امرأة قليلة حيلة لا تعرف ما وراء جدران بيتها لكونها لم تعتد الخروج إلا في أضيق الحدود، لكن ماذا بعد أن ترك الربان سفينته تواجه أمواج الحياة وحدها؟! كان لا بد أن أمسك الدفة وأجدف بكل قوتي كي لا تغرق، وما كنت أفعل ذلك دون مساعدة، فقد قادتني جارتي (ليلى) التي لا أعرف سواها في تلك الحارة إلى عمل يصون كرامتي ويضمن لي قوت يومي هكذا قالت لي بعدما كانت تسمع صراخ أولادي ليلا فأجدها وقد أعدت طبقا من طعام بيتها، ثم تدق الباب وتقدمه لي على استحياء خشية أن تشعرني بالحرج، كانت تحب المسامرة وملاطفة الصغار وهذا ما جعلني أشعر بالراحة في الحديث معها، أشكو لها مُر الأيام وتطيب هي خاطري..
لم يقطع شرودي سوى صوت صفيرة الحافلة، فأسرعت بوداع صغاري بقبلة في الهواء ثم خرجت.
-نوال، لماذا تأخرتي؟ حسبتك لن تأتي اليوم، لولا قلت للسائق أن ينتظر لدقائق لكنا ذهبنا وتركناكِ.
-(كتر خيرك يا ليلى) لأول مرة أصنع لنفسي كوبا من الشاي قبل النزول، وهذا ما جعلني أتأخر.
-لا عليكِ، المهم أن تكونوا بخير أنتِ والعيال.
شردت بعيدا وأنا أتسلق حبال أفكاري وأفتش في جعبة أيامي علني أجد هذا الخير الذي تتحدث عنه، لكنني لم أجد سوى امرأة تصارع الحياة، امرأة على جذوة من نار تتصاعد منها أبخرة الأنوثة وتتلاشى، لم تذق في حياتها إلا المرار كمذاق الشاي الذي لم تكمله
-الشاي..! البرَّاد..! … النار…! قف يا أسطى..!
-ما بكِ؟ اهدئي
-أولادي..النار.. قف وارجع أرجوك!
-ماذا تقصدين؟
-أولادي..!
لم يكن بخارا هذا المنبعث من النافذة، بل كان دخانا كثيفا يعمي الأبصار ويكتم الأنفاس، كانت رائحة الموت تفوح، بل رائحة شيء آخر أقسى من الموت!
-الثلاثة .. كلهم؟!
-شدي حيلك
-والرضيع؟
-استودعيهم عند الله.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون