منذ تسع سنوات غادر صاحب الغرفة العلوية غرفته بعد أن أغلقها كعادته ثم لم يعد..
أخذت مفتاحها وأدرت أكْرة الباب ببطء وكأنما أخشى أن تستيقظ الأشياء التي في انتظاري، ودخلت بمفردي وأغلقت الباب خلفي. شممت رائحة غريبة ليست عطرية ولا نتنة، ولكنها مريحة مخلوطة برائحة غبار عتيق..
لأول مرة في حياتي أحسّ بثقل أنفاسي، وكم كانت مثيرة للإزعاج، كانت هناك أشياء كثيرةٌ مُهملة يغطيها الرمل تماما.. المنضدة، المكتبة، سرير النوم، دولاب الثياب، المعاطف المعلقة، مطفأة سجائر مازالت بها أعقاب بالية، قناني عطور رخيصة، أمشاط منوعة، ظرف مفتوح بداخله ورقة، تبدو كفاتورة كهرباء أو رسالة قديمة. زجاج منثور تتكسر عليه إضاءة مصباح الغرفة الصفراء الوحيدة بألوان تثير حساسية الأعصاب، وتوهمك كلما اقتربت بتواجد مخلوقات متناهية القِدم لدرجة الانقباض من كونهم أسلافنا الأوائل..
نظرت في ساعتي مخمنًا كم من الوقت سأحتاج لكي أجد ما جئت للبحث عنه، فإذا بي أسمع صوت تكات ساعة، وعندما تأملت المكان جيداً وجدت ساعة حائط فوق الباب تماماً، لا تُرى بصعوبة. كان الغبار يغطي وجهها كلياً، فلم يكن ممكنا على أية حال رؤية عقاربها ما إذا كانت تشير إلى الزمن الصحيح أم لا؟
انتشلتُ نفسي بصعوبة من خصوصية المكان الأخّاذة، ورحت بهمة أقلب بين كتب المكتبة ودفاترها، بحثًا عما يمكن أن يكون دفتر مذكرات خاصاً بصاحب الغرفة.
ذلك الرجل الغريب الأطوار، الذي اختفى قبل عشر سنوات في ظروف غامضة..
وبعد ساعتين من البحث وراء السراب أيقنت بفشل مهمتي، وقبل أن أغادر الغرفة أخذت أتجول فيها بعيني، فلمحت الظرف المفتوح ثانيةً، فانبثقت في رأسي فكرة جيدة، وهي أن تلك الرسالة التي ربما كانت آخر شيء أنجزه الرجل الغامض قبيل اختفائه، أنها ربما تحتوي على مفتاح للغز اختفائه المحير.
أخذت الظرف.. إنها حقا رسالة، فَردتُها ورحت أقرأ: لا أحد يحفل بأمري.. لا أحد يحبني أو حتى يكرهني! اللامبالاة كانت دائما من نصيبي، ولذلك كان بقائي في هذا العالم أشبه بقمامة تم التخلص منها بشكل غير ضار بالبيئة. أنا أيضًا لست راغباً في البقاء الإلزامي في حياة لا أحد يحسدني عليها. إنني الآن أعيش أيامي الأخيرة مضطراً، ولولا تلك القرصات الخبيثة المنبعثة من معدتي لما تناولت طعامًا على الإطلاق.. ثم ما معنى أن تغذي جسداً لا تريده وأنت تنوء بحمله في كل مكان، ولا تعرف طريقة للتخلص منه.. ثم لماذا كان هذا الجسد، ولماذا كان عليّ أن أخدمه طوال عمري بدلاً من أن يخدمني هو؟ لقد سَخّرنا الحيوانات والتكنولوجيا، وحتى عقولنا لخدمة أجسادنا، ولم نفكر يوما في تسخير أجسادنا لخدمة ذواتنا.. تلك الذوات التي يحاول الجسد طمس معالمها بداخلنا وتأكيد أنه ليس يوجد إلا الجسد ولا شيء غيره. إنّ هذا الجسد يرهقني ويقلقني أمره وتخيفني رغباته، ولست أدري كيف أهادنه؟
إن هذا الجسد الذي يمثلني ويتصرف باسمي، ويستمد سُلطاته من كينونتي ليس إلا شيئًا كغيره من الأشياء، يمكن كيميائيًا أو فيزيائياً أن يتحول إلى شيء آخر، وأما أنا فلست شيئًا ولا شيء، ولكنني لربما أكون الفاصل بين الاثنين.
إن لحظات السعادة القليلة التي تجود بها الحياة طوال عمر مهما امتد لا تقارن بمثيلاتها البائسة التي هي في مواجهتها كل ذلك العمر.
غواية الحياة البشرية على هذا النمط لم تعد تستهويني، ولذلك كان يجب عليّ أن أنسحب من هذا العالم وألا أترك خلفي أي شيء يدل على أنني عشت على ظهر كرتنا الأرضية المأفونة ولو حتى دقيقة واحدة.. ولذلك أيضًا أمضيت عدة أيام وأنا أتعقب كل شيء يخصني بالإتلاف، صوري الفوتوغرافية لدى الأصدقاء، ملفاتي وأوراقي لدى شركة العمل الموظف بها، حساباتي وصفحاتي على مواقع التواصل الاجتماعي، استمارات العضوية في الجمعيات الكثيرة المنتسب إليها..
ولم يبقى سوى اسمي، اسمي الذي لم أستطع أن أجعلهم ينسونه بسهولة.. كنت مصمماً بشدة على استعادة اسمي منهم وإتلافه قبل مغادرتي هذا العالم، ولذلك أبقيت غرفتي سليمة ولم أحرقها. فكرت في أن أدوّن كل هذا عبر حسابي على الفيسبوك، فيقرأه كل الناس، الأصدقاء وغير الأصدقاء.. فجأة غيرت رأي، وارتأيت أن يكون عبر رسالة ورقية، وسأترك هذه الرسالة في ظرف مفتوح في انتظار أن يتسلمها في يوم ما قد يأتي قريباً وقد يأتي بعيدًا، شخص ما ليس إلا.. بقايا اسمي، وبقايا ذاتي.
توقفت ساعة الحائط عن التكتكة، وعم الظلام الغرفة مجددًا وسمع صوت أكْرة الباب وهي تغلق على نفسها بالمفتاح وإلى الأبد.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون