يحاول فتح عينيه ببطء…لكن السواد لا يزول، كأن جفنيه يرفضان الانفصال رغم محاولاته، أو كأن الظلام ذاته قد غلّف العالم. أراد تحريك يده، إصبعه، أي جزء منه…لكن الجسد أبى، كأنّه حجر غارق في قاع بحرٍ مظلم.
أين هو؟ هل تم اختطافه؟ هل هو مقيد؟
الأسئلة تتسابق في رأسه، تتضارب مثل أمواج في ليلة عاصفة.
الشيء الوحيد الذي يذكره… أنه البارحة استلقى على سريره وغاص في نومٍ لم يرده أن يكون طويلًا.
ثم جاءت الهمسات…
– أيها الفاشل… إلى متى ستبقى هكذا؟
– لا أحد يحبك… فلماذا لا تختفي؟
– مجهوداتك سراب… وأنت تائه في متاهة لا مخرج لها…
أصوات كفحيح الأفاعي، تزحف في رأسه، تلفّ قلبه بسمومها.
كل جملة كانت كضربة على جدار هشّ من الأمل.
= “عمر… عمر، استيقظ يا بُني.”
– هل هذا صوت أمي؟
كأن خيطًا من نورٍ شقَّ تلك العتمة…
صوتها ليس مجرد صوت، بل حبل نجاة يُلقى من نافذة السماء لينقذه من سجنه اللعين؛ لطالما أنقذته في صمت، بصوتها، بحضورها، بلمستها. تمسّك بذلك الصوت، كمن يتمسك بآخر قطرة هواء قبل الغرق.
وببطء… عاد الضوء، ثم جدران غرفته، ثم السقف، ثم صوت أنفاسه.
فتح عينيه بصعوبة، كأن الجفون أثقل من الجبال.
= أخيرًا استيقظت… لقد أرهقتني محاولاتي لإيقاظك، هل أنت بخير؟
أومأ لها بصمت، ولسانه ثقيل كأن الكلمات انطفأت داخله، لا يريدها أن تقلق… فقلقها عليه جرح لا يحتمله.
نهض بتثاقل من سريره، كأن كل خطوة عبء، وتجهز لدوامه ،
انكب على مكتبه الذي ينوء بالأوراق، وكأنها أكفان لأحلام ذابلة.
ومرَّ المدير، كعادته، بكلماته اللاذعة التي تنخر في العزيمة وتطفئ آخر شرارة أمل.
وفي المساء، يعود إلى البيت…
وجبة سريعة بصحبة والدته، ثم صمت، ثم غرفته.
ينظر إلى السرير كمن ينظر إلى فخٍ قاتل.
يتناول دواءه الذي لا يُسكن، بل يمنع النوم، فهو لا يريد الرجوع إلى ذلك السجن.
لا يريد أن يرى نفسه مرة أخرى هناك، في ذلك الممر، في ذلك الظلام…
هو فقط يريد ليلة هادئة، لا يهم ولكن أيضا بلا عذاب.
في تلك الليلة، ورغم كل محاولاته ، غلبه النوم .
لكن ما شهده لم يكن نومًا بل كان سقوطًا في هوة مظلمة، بلا قاع، بلا جدران، فقط ظلام يبتلعه بهدوء.
ثم… وجد نفسه واقفًا داخل ممر طويل، جدرانه سوداء ملساء، تنعكس عليها أضواء خافتة من مصابيح تهتز كأنها تأنّ من التعب.
في نهاية الممر… باب خشبي متهالك يأتي من خلفه صوت بكاء مكتوم.
اقترب بخطوات مترددة، يده ترتجف، يحاول فتح الباب، وجد نفسه في غرفة يعرفها جيدًا، غرفة طفولته.
كل شيء كما تركه منذ أعوام: السرير الصغير، صندوق الألعاب، الستائر الملوّنة، وصورة قديمة له ولوالديه مبتسمين.
وفي الزاوية كان هناك طفل صغير، يجلس على الأرض، يحتضن ركبتيه، ويخفي وجهه بين ذراعيه.
اقترب عمر، تجمدت الكلمات في حلقه. ثم سأل بصوت متردد:
=مَن أنت؟
رفع الطفل رأسه ببطء وكان هو نفسه، كما كان قبل عشر سنوات.
تلاقت العيون، وارتجف قلب عمر هو يتذكر هذه الحالة عندما توفي والده كيف انكسر عمود البيت وحصن حمايته وكيف خبأ حزنه وأظهر اللامبالاة على وجهه وأخذ دور عمود البيت في سن صغير.
قال الطفل بصوت متهدّج:
– لماذا تركتني؟
= ماذا تقصد؟
– حين جرحتك الحياة، لماذا تخلّيت عني؟ لماذا أخفيتني؟ لماذا سمحت لهم ولسجنك أن يقنعوك أنك لا شيء بعد والدك؟
– لم أستطع حمايتك… لم أكن قويًّا بما يكفي في وجودك فكان عليّ التضحية.
– لا، أنت خفت… خفت أن يظهر ضعفك فدفنتني في أعماقك، وتركتني أواجه كل شيء وحدي.
سكت عمر، خنقته الدموع. ركع أمام الطفل، وضمّه إلى صدره، كأنّه يحضن نفسه التي فقدها.
= أنا آسف… نسيتك، تجاهلتك، لكنني أعدك… لن أتركك بعد الآن.
في تلك اللحظة…
تشقق جدار الغرفة، وتسرب الضوء من كل زاوية، كأن الشمس قررت أن تدخل عالمه المظلم،
وكأن شيئًا انكسر… ليُولد شيء آخر.
استيقظ عمر فجأة… أنفاسه متقطعة، قلبه يخفق بعنف.
لكن لسببٍ ما… أحسّ بدفء غريب يسري في صدره.
ليس ارتياحًا كاملاً،
لكن… بداية؛ بداية مواجهة.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون