كان القبو رقم (4) يقع في أعمق نقطة تحت الأرض في مبنى “الأرشيف المركزي”. لم يكن هناك ضوء شمس، فقط مصابيح “فلورسنت” باهتة تطن بصوت مزعج كأنها ذبابة عالقة في زجاجة. كان آدم ناصر يجلس على كرسيه الخشبي الصلب، يشعر ببرودة المعدن تتسلل إلى عظامه. كانت رائحة الورق القديم الممزوجة برائحة الزيت الذي يزيت به آلات الفرم هي العطر الوحيد الذي يعرفه منذ عشر سنوات.
أمام آدم، كانت تمر الصناديق الخشبية على سير ناقل بطيء. كل صندوق يحتوي على مئات الأرواح المعبأة في ملفات صفراء. وظيفته كانت تبدو آلية: يمسك الملف، يقرأ الاسم، يطابق الكود، ثم يضغط على زر التشغيل. “تكتكتكتك..” هذا هو صوت نهاية إنسان. الخيوط الورقية الرفيعة التي تخرج من الجانب الآخر هي كل ما تبقى من تاريخ عائلة، أو قصة حب، أو حلم لم يكتمل.
في ذلك الصباح، وبينما كان يفتح الملف رقم (8829-ط)، سقطت منه صورة صغيرة. كانت الصورة ملونة بألوان باهتة، تظهر فيها فتاة في العشرينيات، تقف خلف نافذة تتساقط عليها قطرات المطر، وتضحك للكاميرا بعفوية لم يره آدم في وجوه الناس في الخارج منذ زمن. خلف الصورة، كُتب بخط يد مرتعش: “أحببتكِ حتى في الوقت الذي كان النسيان فيه واجباً وطنياً”.
تجمدت يد آدم. نظر إلى الكاميرا المثبتة في الزاوية، كانت عدستها الزجاجية تشبه عين غراب ميت تراقبه. شعر بقلبه يدق بعنف لأول مرة. لم يستطع إلقاء الصورة في المفرمة. أحس أن ضحكة الفتاة ستتحول إلى صرخة إذا فعل. وبحركة سريعة، لم يتدرب عليها من قبل، طوى الصورة ودسها في جوربه تحت حذائه الثقيل. كانت تلك اللحظة هي “الخطيئة الأولى” في نظر النظام، والولادة الأولى في نظر آدم.
الفصل الثاني: مدينة الرماد والوجوه الباهتة
عندما انتهى دوام آدم، خرج إلى الشارع. كانت المدينة مغطاة بطبقة من الغبار الرمادي الذي لا يزول أبداً، وهو غبار ناتج عن المحارق العملاقة التي تحرق مخلفات الأوراق المفرومة. الناس يمشون في الشوارع كأنهم أشباح، يرتدون ملابس بألوان محايدة، رؤوسهم مطأطئة دائماً نحو الأرض. في هذه المدينة، النظر في عيون الآخرين يُعتبر دعوة للتحقيق، فالعين هي النافذة الوحيدة التي لم يستطع النظام إغلاقها تماماً.
دخل آدم إلى “مقهى النسيان”، وهو مكان صغير يجلس فيه الموظفون لشرب قهوة مرة بلا طعم. جلس بجانبه عاصم، زميله في قسم الأرشفة. همس عاصم وهو ينظر إلى فنجانه: “سمعت أنهم سيفتحون قسماً جديداً لإتلاف الصور الفوتوغرافية القديمة.. يقولون إن الذكريات البصرية هي الأكثر عدوى.” آدم شعر بحرارة الصورة في جوربه، ورد بصوت مبحوح: “ولماذا لا يتركون الناس وشأنهم؟ الصور لا تؤذي أحداً.” نظر إليه عاصم برعب، ثم التفت يميناً ويساراً وهمس: “اصمت يا آدم! الكلمات لها آذان هنا. الصور تؤذي لأنها تذكرنا بما كنا عليه، والنظام يريدنا أن نؤمن أننا ولدنا اليوم فقط، بلا ماضٍ وبلا جذور.”
عاد آدم إلى شقته، وهي غرفة مربعة بها سرير وطاولة ومصباح واحد. أخرج الصورة ووضعها أمامه. بدأ يتخيل حياة هذه الفتاة. من صورها؟ أين هذا البيت؟ ومع كل تساؤل، كانت ذاكرته التي حاول النظام تجريفها لسنوات بدأت تنبت فيها براعم صغيرة من الفضول.
الفصل الثالث: سلمى.. حارسة الأسرار
في اليوم التالي، توجه آدم إلى قسم التوريدات لطلب أحبار جديدة. هناك، خلف منصة خشبية عالية، كانت تجلس “سلمى”. كانت سلمى امرأة في الثلاثينيات، تمتاز بهدوء غريب ونظرات حادة تخترق القلوب. كانت هي المسؤولة عن توزيع الأوراق والأقلام، وهي الأدوات التي يعتبرها النظام “أسلحة” يجب مراقبتها.
عندما اقترب آدم، لم تبتسم سلمى. وضعت ورقة الاستلام أمامه، وبدأت في تجهيز الطلبية. وبينما كان آدم يوقع اسمه، وضعت يدها فوق يده للحظة، وشعر بورقة صغيرة تنزلق تحت راحة يده. لم تنظر إليه، بل قالت بصوت رسمي بارد: “تأكد من عدد علب الحبر يا سيد آدم، الخطأ هنا لا يُغتفر.”
خرج آدم والورقة في قبضته. عندما انفرد بنفسه، قرأ الكلمات التي كتبت بخط أنيق: “الذاكرة وحدها لا تكفي.. الذاكرة تذبل وتختفي مع الجسد. الذاكرة خيانة إذا بقيت حبيسة الرأس.. اكتب.” كانت الرسالة بمثابة صدمة كهربائية. سلمى تعرف! سلمى تراقبه ليس لتشي به، بل لتوقظه. أدرك آدم أن هناك شبكة خفية من “المتذكرين” تعيش في أحشاء هذا النظام، يتواصلون بالصمت والورق المهرب.
الفصل الرابع: الدفتر السري وقائمة الغائبين
قرر آدم أن يتبع نصيحة سلمى. اشترى دفتراً قديماً من بائع متجول يدعي أنه يبيع “ورقاً للتدفئة”. وفي منتصف الليل، وبدلاً من النوم، بدأ آدم يكتب. كتب: “الاسم: ليلى الشاذلي (الرقم 8829-ط). الوصف: تضحك خلف نافذة ممطرة. الجريمة: امتلاك ملامح لا تشبه ملامح النظام”. ثم بدأ يسترجع الأسماء التي فركها في المفرمة طوال الأسبوع. أسماء رجال ونساء، أسماء قرى ومدن تم تغيير أسمائها لتبدأ بأرقام.
كانت الكتابة مؤلمة، كأن آدم ينقش على جلده بسكين. لكنه اكتشف شيئاً مذهلاً: كلما كتب اسماً، شعر أن هذا الشخص عاد للحياة بداخل غرفته. لم تعد الغرفة ضيقة، بل أصبحت ممتلئة بالأرواح التي ترفض أن تُدفن في النسيان. أصبح آدم هو “الأرشيف الحي”.
لكن، مع كل كلمة يكتبها، كان الخطر يزداد. فالنظام لديه “أجهزة استشعار للحبر”، وهي طائرات صغيرة بدون طيار تحوم حول المباني السكنية لتلتقط رائحة المواد الكيميائية الموجودة في أقلام الكتابة غير الرسمية. كان على آدم أن يكتب في الظلام، ويخبئ الدفتر داخل فتحة التهوية في المطبخ.
الفصل الخامس: عيون “منصور” والشك القاتل
في صباح يوم عاصف، استدعى المشرف “منصور” آدم إلى مكتبه العلوي الذي يطل على قسم الإتلاف. منصور رجل بجسد ضخم ووجه يشبه الحجر، يرتدي دائماً زياً عسكرياً مكوي بدقة. قال منصور وهو يحدق في شاشات المراقبة: “آدم.. أنت تعمل معنا منذ عشر سنوات. لم تسجل ضدك مخالفة واحدة. لكن التقارير الأخيرة تقول إن معدل دقات قلبك يرتفع عندما تصل إلى الملفات التي تحتوي على صور.”
سكت منصور قليلاً، ثم اقترب من آدم حتى شم آدم رائحة سجائره الثقيلة: “هل بدأت تشعر بالعاطفة تجاه الأرقام يا آدم؟ العاطفة هي خلل فني في الموظف. نحن هنا لا نقتل الناس، نحن نحميهم من عبء الماضي. الماضي ثقيل، ونحن نجعله خفيفاً كالهواء.” رد آدم وهو يحاول الحفاظ على ثبات صوته: “أنا فقط أصاب بالتعب من صوت الآلة يا سيدي.” ابتسم منصور ابتسامة صفراء: “أتمنى ذلك. لأننا إذا وجدنا أن أحداً يحاول ‘تخزين’ الذاكرة بدلاً من ‘إتلافها’، سنضطر إلى إتلافه هو شخصياً. اذهب الآن.. ولا تنسَ أن النسيان هو الأمان.”
خرج آدم والموت يرقص أمام عينيه. أدرك أن اللعبة أصبحت مكشوفة، وأن عليه أن يسرع في خطته قبل أن يتحول هو نفسه إلى “ملف” ينتظر دوره في المفرمة.
الفصل السادس: الأرشيف الميت والثقب الأسود
بعد تحذير منصور، لم يعد آدم يشعر بالأمان حتى في أحلامه. كانت كلمات سلمى ترن في أذنيه كالجرس: “ابحث عن الأرشيف الميت”. الأرشيف الميت، أو القبو رقم (0)، كان أسطورة يتداولها الموظفون؛ يقال إنه المكان الذي تُلقى فيه مخلفات الورق المفروم التي استعصت على الحرق، أو الملفات التي تحتوي على “أخطاء تقنية” لا يمكن تصنيفها.
تسلل آدم في ساعة متأخرة، مستغلاً تبديل الورديات. كانت الممرات ضيقة والجدران ترشح ماءً أسود برائحة الكبريت. عندما وصل إلى القبو (0)، وجد باباً حديدياً صدئاً لا يحرسه أحد، ففي نظر النظام، لا يوجد شيء ذو قيمة هنا.
داخل القبو، كانت تلال من الورق المفروم ترتفع كالجبال. لكن في الزاوية البعيدة، وجد آدم صناديق معدنية قديمة لم تُفتح منذ عقود. فتح أحدها، فصُدم بما رأى. لم تكن ملفات، بل كانت “مقتنيات شخصية”: مفاتيح بيوت، خواتم زواج، رسائل أطفال، وساعات توقفت عقاربها. أدرك آدم أن النظام لا يكتفي بمحو الورق، بل يسرق “الأثر المادي” للبشر ليجعل غيابهم كاملاً. في تلك اللحظة، قرر آدم أن يحول هذا القبو المهجور إلى “صومعته السرية”. بدأ بنقل دفتره الصغير إلى هناك، وبدأ يسرق من المفرمة كل يوم قطعة صغيرة—صورة، رسالة، أو حتى قصاصة اسم—ليخبئها في هذا المكان الذي نسيه الزمن.
الفصل السابع: شيفرة الحبر المسكوب
سلمى لم تكن مجرد موظفة توريدات، كانت “المهندسة” التي تدير خلايا المقاومة الصامتة. في لقائهما السري خلف صناديق الورق الخام، قالت لآدم: “النظام بدأ يشعر بوجود ‘ذاكرة موازية’. إنهم يراقبون مخارج النفايات. علينا أن نغير الاستراتيجية. لا تكتب الأسماء بوضوح، استخدم ‘شيفرة المشاعر’.”
شرحت له سلمى خطتها: بدلاً من كتابة “أحمد كان هنا”، يكتب “رائحة الخبز المحمص في الصباح”، وبدلاً من ذكر اسم مدينة، يصف “شكل الشاطئ عند الغروب”. النظام يمتلك خوارزميات للبحث عن الأسماء، لكنه لا يملك خوارزمية لفهم “الحنين”.
بدأ آدم بتطبيق هذه الخطة. تحول دفتره إلى نص شعري غامض، لكنه في الحقيقة كان “خريطة جينية” للمدينة التي كانت. كان يكتب والدموع في عينيه، لأنه أدرك أن ذاكرته بدأت تضعف تحت ضغط الرعب اليومي، وأن الكتابة هي “الرئة” التي يتنفس بها وسط غاز النسيان الخانق.
الفصل الثامن: الموت الرمزي وكمين “منصور”
لم يكن منصور غبياً. كان يعلم أن آدم يخفي شيئاً، وقرر أن يكسره بطريقة سادية. في صباح أحد الأيام، أحضر منصور صندوقاً خاصاً وضعه أمام آدم. “اليوم يا آدم، ستقوم بإتلاف ملفات عائلتك.”
شعر آدم ببرودة الموت تجمد أطرافه. فتح الملف الأول، فقرأ اسم والده. قرأ تفاصيل حياته كمهندس بسيط، وتاريخ وفاته الذي زوره النظام ليصبح “غياباً غير مبرر”. ثم ملف والدته، ثم ملفه هو نفسه! كانت الخطة هي إجبار آدم على المشاركة في “انتحاره الرمزي”.
بينما كانت المفرمة تلتهم أوراق عائلته، كان منصور يراقب تعابير وجهه بدقة مرعبة. آدم لم يبكِ، لم يصرخ. تذكر كلمات سلمى: “كن حجراً في الخارج، وناراً في الداخل”. مرر الأوراق ببرود آلي، لكنه في عقله كان ينقش كل حرف وكل رقم في “قبو الذاكرة” الذي بناه في أعماقه. عندما انتهى الصندوق، قال منصور بخيبة أمل: “أحسنت يا آدم. أنت الآن نظيف تماماً. لا ماضٍ لك، أنت الآن ابن النظام البار.”
الفصل التاسع: استجواب الروح في الغرفة البيضاء
لم تنتهِ المحنة عند هذا الحد. في اليوم التالي، تم سحب آدم من مكتبه إلى “غرفة المتابعة المكثفة”. كانت غرفة بلا زوايا، لونها أبيض ناصع يصيب العين بالعشى. المحقق كمال، الرجل ذو القفازات الحريرية، بدأ الاستجواب: “آدم، وجدنا آثار حبر ‘بنفسجي’ على أطراف أصابعك. هذا الحبر لا يُصرف إلا للأقسام العليا. من أين لك به؟”
كان آدم قد استعد لهذا السؤال. سلمى كانت قد أعطته زجاجة حبر قديمة، وأخبرته أن يدعي أنه وجدها في المخلفات. لكن المحقق كمال لم يكن يبحث عن إجابة، كان يبحث عن “اعتراف بالخطيئة”. بدأوا يعرضون عليه صوراً مشوهة، ويسألونه عن ذكريات طفولته، ويقومون بتسليط أضواء قوية كلما تردد في الإجابة. كان الهدف هو “تجريف الوعي”. قال له كمال ببرود: “آدم، أنت تعاني من فائض في الخيال. الخيال هو مرض اجتماعي، ونحن هنا لنشفيك. أخبرنا أين الدفتر، وسنعيد إليك هدوء النسيان.”
آدم، وسط الضجيج والأضواء، أغمض عينيه واستحضر صورة الفتاة التي تضحك خلف النافذة. كانت تلك الصورة هي “التميمة” التي تحميه من الانهيار. قال بصوت ثابت: “لا يوجد دفتر، لا توجد أسماء.. لا يوجد سوى الورق المفروم.”
الفصل العاشر: “من قتل آدم ناصر؟” (الذروة)
في ليلة اختفائه، قررت “وحدة المتابعة” تصفية آدم نهائياً. تم تجهيز تقرير رسمي يفيد بأن الموظف آدم ناصر قد انتحر بإلقاء نفسه في “محارق الورق” نتيجة لأزمة نفسية. كان النظام يريد تحويل موته إلى “درس” للآخرين.
لكن سلمى كانت أسرع. بمساعدة “يوسف”، الطفل الذي كان يعمل ماسحاً للأحذية أمام مبنى الأرشيف والذي كان بمثابة “عين المقاومة”، تم تدبير خطة الهروب. أثناء نقل آدم إلى غرفة “الإتلاف البشري”، حدث انفجار مدبر في خطوط الكهرباء الرئيسية للقبو. في تلك اللحظة من الظلام الدامس، سحبت يد قوية آدم من بين الحراس. كانت يد سلمى.
هربا عبر أنفاق التبريد، وصولاً إلى مجاري المدينة القديمة. هناك، وسط الرائحة العفنة والظلام، خلع آدم زيه الرسمي الموحد، ومزق الشريحة الإلكترونية المزروعة في معصمه. في تلك الليلة، وعلى شاشات المدينة الكبيرة، ظهر خبر “وفاة آدم ناصر”. لكن في الأحياء الفقيرة، وبين يدي ليلى الطالبة، ويوسف الطفل، كانت قصاصات الورق المهربة تبدأ في الدوران.
آدم ناصر لم يمت، بل تحول من “موظف” إلى “فكرة”. والفكرة، كما تعلم آدم من دروس المحو، هي الشيء الوحيد الذي لا يمكن للمفرمة أن تلتهمه. لقد بدأ الفصل الأخير من اللعبة: تحويل المدينة بأكملها إلى “دفتر ذاكرة” لا يمكن إغلاقه.
الفصل الحادي عشر: ليلى.. الشرارة التي لم تنطفئ
كان خبر “انتحار” آدم ناصر قد نُشر في الجريدة الرسمية بخط باهت في الصفحة الأخيرة، بجانب أخبار الطقس وأسعار الورق. لكن بالنسبة لليلى، الطالبة في قسم التاريخ المحظور، كان الخبر هو الدليل القاطع على أن آدم قد نجح.
وجدت ليلى في خزانة الكتب القديمة بالمكتبة المركزية قصاصة بلاستيكية صغيرة، كانت مخبأة داخل تجليد كتاب عن “هندسة المدن”. القصاصة كانت تحمل خط آدم المرتجف، وفيها تفاصيل عن عائلة ليلى نفسها: “ليلى الشاذلي، ابنة المهندس الذي رفض هدم الأحياء القديمة.. لم يمت في حادث، بل أُتلف في القبو 4”.
لم تبكِ ليلى، بل شعرت ببرودة غريبة تملأ جسدها. كانت تلك القصاصة هي “الشرارة” التي جعلتها تبدأ في تكوين “حلقات القراءة السرية”. في منتصف الليل، كانت ليلى تجمع زملائها، وبدلاً من دراسة مناهج النظام، كانوا يقرأون قصاصات آدم المهربة. كانت ليلى تقول لهم: “التذكر ليس جريمة ضد الدولة، بل هو حقنا في أن نكون بشراً”. وهكذا بدأت “العدوى” تنتقل من الأوراق المفرومة إلى عقول الجيل الجديد.
الفصل الثاني عشر: يوسف.. الحافظ الصغير وصوت المدينة
في زقاق ضيق يفوح منه عطر الياسمين القديم، كان آدم ناصر يختبئ في قبو تحت بيت يوسف، الطفل ماسح الأحذية الذي لا يتجاوز العاشرة. كان يوسف يملك شيئاً لا يملكه أي موظف في وحدة المتابعة: “ذاكرة بكر” لم تلوثها آلات الفرم.
جلس آدم مع يوسف، وبدأ يلقنه القصص. لم يكن يعلمه القراءة والكتابة فقط، بل كان يحول له “الأرقام” إلى “شخصيات”. كان يقول له: “تذكر يا يوسف، صاحب الكود 404 لم يكن مجرد رقم، كان خياطاً يصنع أثواباً ملونة للفتيات الصغيرات”.
كان يوسف يستمع بأذنين مفتوحتين وقلب ينبض بالدهشة. وبسرعة مذهلة، أصبح يوسف “الكتاب البشري”. في الصباح، وبينما كان يمسح أحذية المسؤولين والجنود، كان يهمس في آذان المارة الفقراء بحكايات آدم. كان يوسف هو القناة التي لا يمكن للنظام تشفيرها؛ فهو طفل لا يشك فيه أحد، لكنه يحمل في رأسه أرشيفاً كاملاً للمدينة الممحاة.
الفصل الثالث عشر: نادية وخريطة “خيوط العنكبوت”
بينما كان يوسف يحفظ الكلمات، كانت نادية، الطفلة التي ترسم على جدران الزقاق بقطع الفحم، تقوم بمهمة أخرى. كانت نادية تملك قدرة غريبة على ربط الوجوه ببعضها. بمساعدة سلمى، التي كانت تمدها بمعلومات عن “الأنساب المفقودة”، بدأت نادية ترسم خرائط عملاقة على الأرضيات الخشبية للمخابئ.
كانت نادية تربط بين “ليلى الطالبة” وبين “عجوز في حي القلعة”، وتكتشف أنهم أقارب دون أن يعرفوا. أسمت نادية هذه الخرائط “خيوط العنكبوت”. بفضل هذه الخرائط، بدأ الناس يكتشفون أنهم ليسوا “وحدات معزولة” كما يريد النظام، بل هم “نسيج واحد”. الوعي بالقرابة كان الضربة القاضية لسياسة التفرد والنسيان. فجأة، أصبح لكل شخص في الحي “عائلة” حتى لو كانت منسية في السجلات.
الفصل الرابع عشر: الوصية التي لم تُكتب
في ليلة شتوية قاسية، أحس آدم أن صحته بدأت تتراجع. نادى يوسف وسلمى ونادية إلى جانبه. لم يكن لديه ذهب ليورثه، ولا أراضٍ ليوزعها. قال لآدم بصوت واهن: “يا أولادي، النظام لا يسقط بالسلاح وحده، بل يسقط بالاستمرارية. لقد حاولوا دفني حياً، لكنهم لم يعرفوا أنني بذرة. وصيتي لكم ليست ورقة، بل هي طريقتي في الرؤية. يوسف سيحكي، ونادية سترسم، وسلمى ستحمي.. المهم ألا يضيع اسم واحد من الذين مروا عبر المفرمة”.
سلمى سلمت آدم قلماً قديماً، وهو القلم الذي بدأ به كتابة الدفتر الأول. أمسك آدم القلم، وكتب على جدار القبو آخر جملة له: “من يتذكر.. يملك المفتاح”.
عندما اقتحمت قوات “وحدة المتابعة” القبو بعد بلاغ من واشٍ مأجور، لم يجدوا آدم. وجدوا فقط معطفه القديم، والقلم، والجدار المكتوب عليه. ظنوا أنهم انتصروا، لكنهم لم يلاحظوا أن يوسف كان يقف في الزاوية، يبتسم ببرود، ويحفظ في عقله تفاصيل وجه الضابط الذي اقتحم المكان، ليضيفه إلى “قائمة الظالمين” في أرشيفه الشعبي.
الفصل الخامس عشر: الضربة النهائية
.. الانهيار من الداخل
بدأت الأمور تخرج عن السيطرة في مبنى الأرشفة المركزي. الموظفون، الذين تربوا على الطاعة العمياء، بدأوا “يتباطأون” في الإتلاف. كان الواحد منهم يمسك الملف، يقرأه سراً، ثم يخفيه تحت قميصه بدلاً من إلقائه في المفرمة. “عدوى آدم” أصابت قلب الجهاز نفسه.
منصور، المشرف القاسي، وجد نفسه وحيداً في مكتبه العالي. الشاشات التي كانت تراقب كل شيء، أصبحت تظهر وجوه الناس وهي تبتسم.. وجوه تم استرجاعها من الأرشيف الميت. في لحظة يأس، حاول منصور تشغيل “المحارق الكبرى” لمحو كل شيء دفعة واحدة، لكن “سلمى” كانت قد عطلت الشيفرة البرمجية للمحارق. فجأة، تحول المبنى من “آلة نسيان” إلى “مكتبة كبرى”.
خرج الناس إلى الشوارع، لم يكونوا يحملون لافتات سياسية، بل كانوا يحملون “صوراً قديمة” وأوراقاً مفرومة ملصقة ببعضها البعض. كان هذا هو الزحف العظيم للذاكرة. النظام لم يسقط بالدماء، بل سقط بـ “الحقيقة” التي لم يعد من الممكن إخفاؤها.
الملحق الأخير: العالم الذي لا ينسى
بعد سنوات من “الثورة البيضاء”، تحول القبو رقم (4) إلى “متحف الحقيقة”. يوسف، الذي كبر وأصبح شاباً بذاكرة حديدية، يقف كل يوم أمام الزوار، لا يقرأ من كتاب، بل يروي من رأسه قصص الآلاف الذين ظن النظام أنهم تبخروا.
نادية أصبحت أشهر مهندسة في المدينة، أعادت بناء البيوت بناءً على رسوماتها القديمة، لتعود المدينة كما كانت في ذاكرة أهلها، لا كما رسمها الطغاة.
أما آدم ناصر، فلم يُعثر على جسده أبداً. يقول البعض إنه سافر إلى مدينة أخرى ليبدأ “عدوى” جديدة، ويقول البعض الآخر إنه استحال إلى “روح” تسكن في كل قلم يكتب الحقيقة. لكن الأكيد هو ما كُتب على النصب التذكاري في وسط الميدان:
“هنا يرقد الذين لا يدفنون.. لأنهم في كل مرة يُنسون فيها، يتعلمون كيف يولدون من جديد بكلمة واحدة: أنا أتذكر.”
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون