(( الهدوء يخيم على كل شيئ ، سواد الليل سجّى * وأطبق على المكان وأحاط به إحاطة السوار بالمعصم ، بابل تغط في نوم عميق ،الهدوء والصمت ووحشة الليل لم تزده إلا إيمانا ً وإصرارا ً وعزيمة لا تلين ، كثبان الرمال تراقصها الرياح كرقصه على أوتار القصائد ، صرصار الليل يصدر صوته برتابة فيختلط مع الظلام الحالك وأصوات الرياح فيكون صوتا ًغريبا ً يبعث على الخوف والخشية والفزع في أقوى القلوب إلا في قلبه الذي ورث مجد الأولينا الذين يوردون الرايات بيضا ً ويصدرهن حمرا ً، دانت له الأيام والعزة وهجيع الليل ، إمتطى صهوة سخطه الذي قدحت حوافره نارا ً فألتهمت سواد الليل ، تشهد ديار نيبورولارسا والوركاء* وبلادالعرب قاطبة ً سفعه لنواصي الشر، إن له عند العرب رصيد غيرممنون ، ومنزلة ً رفيعة وشرف يرومه الفرسان والمحاربين والملوك ،لقد عقد العزم على إنجاز المهمة إستل سيفه الذي أطلقت عليه العرب أسم “الصمصام” لشهرته الواسعة في جز رقاب القوم وصناعة البطولات والثأر للشرف والفضيلة ومكارم الأخلاق ، إرتدى درعه واليلب اليماني ، وشمر عن كل مكامن القوة فيه ،إنطلق على صهوة حصانه “المحجل” صوب هدفه مخلفا ً ورائه عاصفة ً من الغبار والتطلع والتساؤلات ، سرية من جنود جيش مملكة يهوذا المحتلة لأورشليم وماجاورها (مدن بيت إيل وأريحاوجبعون والتي إحتلتهامملكة يهوذا وطردت سكانها الأصليين من شعب مملكة اليبوسيين العرب _وهي أحد البطون الكنعانية العربية التي قطنت أورشليم وماجاورها حوالي ٢٥٠٠قبل الميلاد) مكونة من ثلاثمائة وثمانون فارس تسير بخطوات مدروسة ومنتظمة تسابق أصابع خيوط الشمس التي بدى قرصها الذهبي يستدير ويظهر ماحيا ً ظلام الليل والغموض والوحشة في الأفق الممتد بلا نهاية ، إنتظمت السرية في ثلاثة صفوف ،الصف الأول كان يقود بقية الصفوف ويضم في تشكيلته نخبة من فرقة “فرسان شاول” الفرقة الضاربة في جيش مملكة يهوذا، وهي فرقة ذائعة الصيت والشهرة ، تثير الرعب والفزع والخوف بمجرد ذكر إسمها في كل مملكة يهوذا وفي المدن والأقاليم منه لها وفي كل مكان على وجه الأرض ،أفرادها يتم إختيارهم منذ نعومة أظفارهم لينشأوا رجالا ً أولي قوة ً وبأس ٍ شديد ،تستخدمهم بعد ذلك المملكة للقضاء على أعدائها وتثبيت دعائم ملكها والفتك بالمناوئين لها ،كانت مهمة
*سجّى = غطى
* مدن وممالك امبراطورية بابل
السرية واضحة ومحددة وهي نقل “الملك ملكي صادق ” ملك “اليبوسيين وشمال جزيرة العرب” إلي “السامرة ” مقر حكم الملك صدقيا”ملك مملكة يهوذا” ليتم إعدامه ، والذي سقطت مملكته العربية أورشليم في براثن حكم مملكة يهوذا، القوة القاهرة في أدنى الأرض ، كانت الشمس في كبد السماء وحرارتها تصنع تموجات متعرجة شفافة على مرمى البصر فوق سطح الرمال الممتدة في كل الإتجاهات ، كان هذا السراب الذي صنعته أشعة الشمس بحرارتها ، كالأساطير التي نسجتها “قبائل العرب” والعجم عن جيش مملكة يهوذا ، بأنه جيش لا يقهر وعن فرقة “فرسان شاول” التي لا تهزم ،لم تثنيه هذه الأقاويل عن عزمه وهذه الأساطير عن هدفه وغايته في إنقاذ ماء وجه العرب الذي أريق على أيدي “فرسان شاول” وجيش مملكة يهوذا ،حث خيله “المحجل” على العدو، كان صوت حوافر أقدامه المهيب ينبأ بمقدم “مبارز وسياف وفارس بابل” وكل العرب ،صاحب سيف الصمصام الذي شق صمت الصحراء عزة وكرامة وتضحية ونخوة وإباء ، كان يرى وجه ملكي صادق ويديه المكبلتين بالأغلال في كل مكان ذليلا ًحزينا ًعلى ملكه الذي فُقد ، وأرضه التي سُلبت ومعها سُلبت عزة وكرامة العرب ،كان يراه في وميض شرر حوافر خيله المغيرة على قطاع الطرق من أجل نشر الأمن والخير ،و في إلتماعات صليل سيوف جنده وهي تحمي الحمى وتصون الديار وتناجز الأعداء والأشرار ، عندما بلغ ديار أخواله من بني تيماء ،إستنفر شبابهم ورجالهم الأشداء لنجدة “ملك العرب اليبوسيين الكنعانيين في أورشليم” وعزة وكرامة العرب ،إلتفت حوله الجموع الغفيرة حاملة ً سيوفها ورماحها وسهامها وثقتها بحسن قيادته ونبل غاياته وصدق سريرته ، إصطف الفرسان في المقدمة ثم حاملى الرماح ثم حاملى السهام ، عبر بين صفوفهم متقلدا ً سيفه “الصمصام” على صهوة “المحجل ” موجها ً ومعلما ً وقائدا ًمحنكا ً ” ، وهى ترفع السيوف والرماح هتفت الجموع كزئيرالأسود (الثأر للعرب ، الثأر للعرب ، فليسقط الإحتلال و الطغيان ) ،تحركت الجموع باتجاه شمال ديار بني تيماء نحو مملكة أورشليم ، ))
مقطع اخر
((لقد آن الأوان لأمة العرب أن تفرح ، وأن تضيئ قناديل الحرية ،فلقد خمدت نيران العبودية والظلم
، في صباح اليوم التالي ، إستعد كنعان وجيشه للتوجه إلي جبعون، لمواجهة جيش مملكة يهوذا، وقبل أن يغادر وادي الدهناء ، عرج على دار الخرشب الأنماري ، ليودع “الزوراء” ، وكانت هناك مفاجأة بإنتظاره ، فقد إحتشد أكثر من ثلاثمائة فارس أمام دار الخرشب ، على رأسهم “الخرشب الأنماري ” ، والذي أعلن إنضمام قبيلته إلي جيش كنعان ، وأعلن أن له الشرف في أن يقاتل تحت رايته ، ويسلك طريق الحق الذي سلكه ،و أن له الفخر في أن يشارك في صنع الفجر الجديد لهذه الأمة الخالدة ،
( رأس ملك مملكة يهوذاهو مهرك يازهرة العرب )
ودع “الزوراء ” بهذه الكلمات الخالدة ، لقد جمعتهما لحظات قصيرة جدا ً ، وكأن القدر بمشيئة الخالق ، قد صنع هذه الأحداث ، ليكتب لهما هذا اللقاء ، لقد شعرت الزوراء منذ لقائهما الأول ، أنها تعرفه منذ زمنا ً بعيدا ً ، لقد خيل إليها حينها أنها إلتقته مرات عديدة قبل ذلك ، ولاكن لا تتذكر أين ؟ومتى ؟ لقد سهرت ليالي عديدة ، لتتذكر أين إلتقته ؟، ولاكن دون جدوى ، لقد خانتها الذاكرة ، وتوارت ملامح وجهه خلف ، غيوم الحلم ، في سماء ذاكرتها ، الملبدة بالغيوم ، ولاكنها أخيرا ً تذكرت ،أنها ذات مساء وهو غائب هناك بالقرب من كهوف وادي الدهناء ، يقاتل من أجل تحرير أباها وتحرير بلاد العرب من قبضة الشر ، تبينت ملامحه المرسومة على وجه القمر ،الذي أطل بعد غياب ، من وراء غيمة حلم وحيدة ، في سماء ذاكرتها ، التي في تلك الليلة فقط ، لم تكن ملبدة بالغيوم ، بل كانت صافية ، إلا من هذه الغيمة الوحيدة الوردية ، والتي إرتسمت بشموخ على صفحة السماء الزرقاء ،ولاكن وفي نفس تلك الليلة ، إختلطت ملامح وجهه مع ملامح وجه القمر ، ولم تستطع أن تفرق بينهما ، وتسألت ببراءة ، هل هو القمر ؟ أم أن القمر هو ؟ وتجرأت حينها ، وغادرت خجلها ، ومدت كلتا يديها ، وضمت القمر إلى حضنها ، ومسحت على رأسه بحنان ، كأم ، تحتضن وليدها ، وتجرأت مرة أخرى وسألته ؟ ما سرهذه الندوب السوداء على وجهك ؟ وأطلت الإجابة من عينيه ، ولاكنه ترك حضنها على عجل ، فبكت حينها بحرقة ، وتساقطت دموعها كالمطر ، فصرخت بلوعة ، لماذا تركت حضني أيها القمر ؟ وسارعت النجوم فأجابت ، وجرت الإجابة على فمها، ان الندوب السوداء على وجه القمر ،هي الظلم والشروالهوان الذي أصاب أمة العرب ، في الليلة التالية عندما تكرر نفس الحلم ، فهمت لماذا غادر القمر حضنها ، لقد غادر على عجالة لإزالة ندوبه السوداء إلي الأبد ، ولاكن قلبها الصغير لا يحتمل لحظات الفراق ، فبكته بكاءً مرا ً ، وفي تلك الليلة سألته قبل أن يتوارى خلف الغيوم ، هل ستعود ؟ ولاكنه صمت ،ولم يمنحها جوابا ً ، وتوارى خلف الغيوم ، فأزداد بكائها ، وعلا نحيبها ، فبكت لبكائها ، الغيوم ، والنجوم ، والشمس ، والسماء ، وأستجابت السماء لدعائها ، فجعلتها نجمة ، تزين صفحتها ، لتطل كل مساء ، تنتظر ،وتترقب عودته ، لم تسلبها أحلامها وذكرياتها ، وداع كنعان ، وأهدته خاتم فضي تزين مقدمته “ياقوتة خضراء” براقة ، خلعته من بنصر يدها اليمنى ، واستحلفته بأسم الخالق أن يلبسه في بنصر يده اليمنى ، وأن لا يخلعه مهما حدث ، وهمست له بخجل ، ان بهذا الخاتم ستكون روحها معه أينما ذهب ، ستشعر بفرحه ،وحزنه ،وألمه ،وسعادته ، وستكون معه أينما كان ، تحرسه بعد الخالق من أعين الأعداء ، وتحفظه من كل مكروه ، بنفس هذه الأحاسيس الجياشة ، ودعت الزوراء أباها)) ،،،،
كنعان ذو غيلان الكلدي الكنعاني فارس ومحارب وشاعر من بابل في بلاد الرافدين ، جرت في عروقه دماء العروبة الحارة ، عندما علم بقيام مملكة يهوذا بإحتلال أرض عربية وهي مملكة”أورشليم” وشمال جزيرة العرب ” وإعتقال ملكها “ملكي صادق ” وإهانته تمهيدا ً لتنفيذ حكم الإعدام بحقه في “السامرة عاصمة مملكة يهوذا ” ، ويعزى ذلك لقيام ملك العرب “ملكي صادق ” بإيواء مجموعة من معتنقى العقيدة “المانوية ” الذين بطش بهم ملك يهوذا ” صدقيا ” ، العرب قاطبة تعرف من يكون فارسها المحارب وشاعرها المفوه “كنعان”، الذي له صولات وجولات في ميادين النزال وساحات الكلمة ،وتعرف العرب جيدا ً سيفه الشهير “الصمصام” وجواده الوفي “المحجل” ، وقد أثار سخطه وغضبه ما بدرمن ظلم وتعسف وقهر في حق ملك العرب “ملكي صادق ” من قبل مملكة يهوذا ، فقام بدعوة قبائل العرب لقتالهم ، ونفخ في صدورهم روح العروبة ، وشحذ الهمم ، فأحتشدت ورائه معظم قبائل العرب ، وعن طريق خططه الحربية العبقرية ،وقدراته القتالية المتميزة ، تمكن من إلحاق الهزائم بجيش مملكة يهوذا ، وبفرقه الضاربة ،مثل فرقة “فرسان شاول ” وفرقة “الزناجير” ، وأنقذ ماء وجه العرب ، وأستعاد الكرامة العربية ، عبرسلسلة إنتصارات أولي وثانية وثالثة ، تمكن خلالها من إستعادة كل أرض مملكة أورشليم العربية من أيدي جيوش مملكة يهوذا ، بداية من ولاية جبعون ثم ولاية أريحا وبيت إيل وصولا ً إلي أورشليم ، وما كان فارس العرب وشاعرها ليحقق ذلك ، لولا وقوف ثلة من خيرة فرسان العرب إلي جانبه في بداية إعلانه الحرب ضد الباطل إنتصارا ً للحق إحتشدوا من بلاد الرافدين ونجد والحجازومصر واليمن وبلاد المغرب العربي وشمال أفريقية ، على رأسهم الحارث بن عدي فارس قبيلة بني إياد ، وأسد بن ربيعة فارس قبيلة بكربن وائل ، وشرحبيل بن مالك فارس قبيلة بني كنانة والذي كان يطلق عليه العرب “بآكل القلوب الحية ” ،ثم جساس بن شعب فارس قبيلة عبيدة ، والخرشب الأنماري فارس قبيلة أنماربن بغيض ، والمقداد بن عمرو فارس قبائل اليمن
–
لقد سطر كنعان ذوغيلان ونخبة من فرسان العرب أروع الملاحم والبطولات وألحقوا هزائم متعاقبة بأقوى جيش على وجه الأرض ، الجيش الذي نُسجت حوله الأساطيروالحكايات ، وأجمع سادة الحروب على أنه الجيش الذي لا يقهر ، ولاكن محارب العرب كنعان ذوغيلان الكلدي الكنعاني تمكن من كسر غرورجيش مملكة يهوذا مرة بعد أخرى ، وتمكن في مواجهات عديدة سطرتها هذه الرواية من إلحاق هزائم نكراء بفرق جيش مملكة يهوذا الضاربة ، فقد جندل على سبيل المثال “يهوذا الأسخريوطي ” القائد الذي لم يُغلب قط في أي مبارزة ، وتحدثت الأساطير عن قوته ومهارته ، فلقد كان يتقلد سيفين في كل مبارزة ، وخلف ظهره يستقر رمحه الشهير “الخاطف ” ، وتحدثت الحكايات والأساطير عن هذا المحارب الفتاك ، وعن أرواح الجن المحاربة التي عقدها سحرة بلاط الملك صدقيا على سيفيه ، ورمحه ، لقد سطرت هذه الرواية ، المهانة التي تعرض لها ملك العرب “ملكي صادق ” على يد جيش يهوذا، كما سطرت الخيانة التي تعرض لها من أقرب ولاته “كحاكم أريحا “وقائد جندها ، ومن مستشار بلاطه الحكيم عامر بن صعصعة ، كما سطرت الرواية مقاومة ملكي صادق الشرسة لغزو مملكة يهوذا، و محاولات بعض قبائل العرب نصرته ، كقبيلة “الرماحون ” بقيادة فارسها “عكرمة بن قيس ” والذي لقبه العرب “بملاعب الأسنة ” لمهارته المتميزة في إستخدام السيف ، ونظرا ًللقدرات القتالية المتميزة لهذه القبيلة أطلق عليها العرب اسم “الرماحون ” ،وعلى الرغم من الحروب الطاحنة التي يخوضها كنعان ورفاقه ضد تمدد مملكة يهوذا ، ولاكن ذلك لم يمنعه من نصرة حرائر العرب في نجد ، عندما إستجاب لإستغاثة “الزوراء “سيدة أنماربن بغيض به ، ليخوض معارك دامية ضد أشرار العرب في نجد ، على رأسهم “أشجع بن ريث الغطفاني ” وأبنه “المهند بن أشجع ” ، وجماعة الغرانيق بقيادة “أشربن واصف “والتي تقطن جبال فران في وادي الدهناء ، والتي تؤمن بإله الشر “نيرجال “، ويدّعي سيد هذه الجماعة أن إله الشر نيرجال حل فيه وأتحد معه ، ويتمكن كنعان وجنده من تحقيق النصرعلى أشرارالعرب في نجد ،ثم يعودليستكمل نضاله وكفاحه ضد تواجد مملكة يهوذا على أرض العرب ، لقد سطّرت هذه الرواية الوقفة البطلة والشجاعة لكنعان ذوغيلان ورفاقه ،ولأمة العرب بأسرها ، ضد طغيان دولة يهوذا وأثبتت أحداث الجزءالأول من هذه الرواية أن أمة العرب أمة عظيمة قادرة على صنع المعجزات وتحقيق الإنتصارات إذا توحدت ،وأصطفت ، وتجمعت ، وأحتشدت وراء قيادة موحدة ، ورأى واحد ، وهدف واحد ، لقد إنحنت هامة الدهر لسواعد كنعان ورفاقه أبطال العرب إجلالاً وإكبارا ً، عندما إستعادوا كرامة هذه الأمة الخالدة ، وعزتها ، ومكانتها اللائقة بين الأمم .
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون