مسابقة القصة القصيرة

قصة ياحبيبة كل أيامي ..مسابقة القصة القصيرة بقلم / هالة شعبان جاد ..مصر

هاله شعبان جاد، مصر

قصة قصيرة بعنوان: “ياحبيبة كل أيامي”.
يَا حَبِيبَةَ كُلِّ أَيَّامِي..
وَالْتَقَيْنَا فِي مَوْعِدٍ آخَرَ مِنْ جَدِيدٍ، بَعْدَ هَجْرٍ عَنِيدٍ، وَوَجَعٍ بِالْفُؤَادِ يَزِيدُ، وَيَفِيضُ مِنْ عَذَابَاتِ الْعُمْرِ..
تَوَقَّفَتِ الْأَرْضُ عَنِ الدَّوَرَانِ حَوْلِي، وَتَنَاثَرَتْ شَظَايَا أَيَّامِ زَوَاجِنَا الْقَصِيرَةِ فِي وَجْهِي، وَالْأَمَانُ عَنِّي انْكَسَرَ..
وَهَا أَنَا أَتَقَلَّبُ بَيْنَ حَاضِرٍ كَطَلْقَةِ رَصَاصٍ طَائِشَةٍ، تُصِيبُ وَتَجْرَحُ أَيْنَمَا مَرَّتْ كَالشَّرَرِ..
وَمَاضٍ غَيْرَ مُرِيحٍ لَا يَنْفَكُّ عَنْ ذَاكِرَتِي؛ فَلَا أَهْدَأُ وَلَا أَطْمَئِنُّ، وَلَا أَسْتَطِيبُ الْأَثَرَ..
وَمُسْتَقْبَلٍ ثَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْغَيْبِ، مُحَمَّلٍ بِكُلِّ شَيْءٍ، مَشُوبٍ بِالْخَطَرِ..
بِرَبِّكِ أَخْبِرِينِي كَيْفَ انْتَهَى الْحُبُّ، وَمَتَى، لَيْتَنِي أَعْلَمُ مَا الْخَبَرَ؟!..
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ شَغُوفاً كَمَا كَانَ، رُبَّمَا أَرْهَقَهُ طُولُ الْمَسِيرِ وَفَقَدَ الْأَثَرَ..
رُبَّمَا فَقَدَ الْقَلِيلَ مِنْ صِدْقِهِ، وَالشُّعُورَ بِالِاسْتِقْرَارِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، بَلِ أَكْثَرَ..
رُبَّمَا ذَاكَ الْيَوْمُ عِنْدَمَا تَجَاوَزَتْ سَطْوَةُ خَطِيبِكِ السَّابِقِ بِثِيَابِهِ الْفَاخِرَةِ عَتَبَةَ دَارِنَا، وَهَيْلَمَانُ سَيَّارَتِهِ الثَّمِينَةِ يَفْعَلُ الْأَعَاجِيبَ بِأَعْيُنِ الْجِيرَانِ، وَهِيَ شَاخِصَةٌ كَقُرْصِ الْقَمَرِ..

أَوْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ عِنْدَمَا أَخْبَرْتِنِي كَيْفَ تُحِبِّينَ مُنَاقَشَةَ الْقَضَايَا الشَّائِكَةَ مَعِي، وَكَمْ كَانَ اكْتِشَافُ ثَغَرَاتِ الْقَانُونِ لُعْبَتَكِ الْمُفَضَّلَةَ..
أُخْبِرُكِ سِرّاً: أَنَّنِي وَقْتَهَا اسْتَكْثَرْتُكِ عَلَيَّ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي؛ كَيْفَ حَالَفَنِي حَظِّي الْمُتَعَثِّرُ بِامْرَأَةٍ هِيَ الْكَمَالُ بِعَيْنِهِ، فَكَانَتْ تِلْكَ عَيْنَ الْمُعْضِلَةِ..
حُبُّنَا لَمْ يَنْتَهِ يَا غَالِيَةُ، هُوَ فَقَطْ تَوَقَّفَ عِنْدَ عَتَبَةِ الْوَاجِبِ، وَحَافَّةِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالْتَزَمَ حُدُودَ الْعَقْلِ وَالْمَنْطِقِ، وَأَخَذَ يُعِيدُ التَّفْكِيرَ، وَيَزِنُ الْأُمُورَ بِمَوَازِينِ مُخْتَلِفَةٍ..
هَلْ شَعَرْتِ بِالضَّعْفِ حِينَ سَأَلْتُكِ عَنْ سَبَبِ زِيَارَتِهِ، أَمْ فَاجَأَتْكِ كَلِمَاتِي الْمُبَطَّنَةُ بِالتَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، وَكَيْفَ كَانَتْ غَيْرَ مَنْطِقِيَّةٍ وَمُرْتَجَلَةٍ؟!..
لَمْ تَعْلَمِي كَمْ أَحْبَبْتُكِ، وَكَيْفَ أَحْرَقَتْنِي الْغَيْرَةُ بِنِيرَانِهَا الْمُتَأَجِّجَةِ؟!..
رُبَّمَا يَا حَبِيبَةَ كُلِّ أَيَّامِي: فَالثِّقَةُ هِيَ الرُّكِيزَةُ الْأَكْبَرُ وَالْأَهَمُّ الَّتِي نَبْنِي عَلَيْهَا بِنَاءَ حَيَاتِنَا مَعاً، وَعِنْدَمَا تَهْتَزُّ تِلْكَ الثِّقَةُ لِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ؛ يَبْدَأُ الْبِنَاءُ الَّذِي نَرْتَكِنُ إِلَيْهِ بِالِاهْتِزَازِ وَالزَّلْزَلَةِ..
تَعَذَّرْتُ بِالسَّفَرِ وَهَرَبْتُ مِنْكِ، وَمِنِّي، وَعِنْدَمَا أَقْسَمْتُ أَنْ أَعُودَ إِلَيْكِ سَرِيعاً، كَانَ فِي نَفْسِي أَنْ أُعِيدَ النَّظَرَ فِي أَمْرِنَا مَعاً، وَأَنْ أُعْطِيَكِ مَسَاحَةً تُحَرِّرِينَ فِيهَا نَفْسَكِ مِنِّي، فَتَطْلُبِي أَنْتِ الْانْفِصَالَ، وَأَتَظَاهَرَ أَنَا بِبَعْضِ الْكِبْرِيَاءِ، هَكَذَا كُنْتُ أَتَصَوَّرُ!..
كُنْتُ مُسْتَبِدّاً عِنْدَمَا حَرَمْتُكِ حَقَّ الِاخْتِيَارِ وَالْقَرَارِ، وَعَقْلِي يُخْبِرُنِي أَنَّهُ لِلْأَفْضَلِ..
عَقْلِي الْمَرِيضُ لَا يَسْتَحِقُّ قَلْبَكِ الْكَبِيرَ، وَرُوحَكِ الْمُتَفَانِيَةَ بِالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَبِالْإِيثَارِ أَكْبَرَ..
يَا رَبَّ السَّمَاوَاتِ! كَيْفَ أُخْبِرُكِ كَمْ أُحِبُّكِ الْآنَ، كَيْفَ أُخْبِرُكِ بِأَنَّنِي احْتَرَقْتُ عِشْقاً، وَاكْتَوَيْتُ شَوْقاً، وَاسْتَعْذَبْتُ عَذَابِي فِي بُعْدِي عَنْكِ، وَلَكَمْ أَوْجَعَنِي حِمْلُ السَّفَرِ!..
أُقْسِمُ بِمَنْ زَرَعَ مَحَبَّتَكِ فِي قَلْبِي وَوِجْدَانِي، أَنَّكِ لَمْ تَغِيبِي عَنِّي سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، طِوَالَ تِلْكَ السَّبْعِمِائَةِ وَالثَّلَاثِينَ يَوْماً الثَّقِيلَةِ اللَّعِينَةِ بَعِيداً عَنْكِ، كُنْتُ حَرْفِيّاً أَقْبِضُ عَلَى الْجَمْرِ..
كَانَتْ تِلْكَ أَسْوَأَ أَيَّامِ عُمْرِي كَامِلًا، كَانَتْ تِلْكَ أَيَّامَ الْجَحِيمِ الْمُسْتَعِرِ..
كُنْتُ أَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ بِالْكَيِّ!..

صَدِّقِينِي يَاغَالِيَةُ لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ عَلَى رَجُلٍ شَرْقِيٍّ مِثْلِي أَنْ يَضَعَ كِبْرِيَاءَهُ جَانِباً، وَيَقُولَ مَا قُلْتُهُ لَكِ الْآنَ..
وَلَكِنَّهُ حَقُّكِ يَا غَالِيَةُ، وَعَهْدِي لَكِ بِالصِّدْقِ..
نَعَمْ؛ لَقَدْ حَقَّقْتُ مِنَ الثَّرْوَةِ مَا اسْتَطَعْتُ، وَلَكِنْ أَيَّامُ الْغُرْبَةِ الْمَرِيرَةُ نَهَشَتْنِي بِأَنْيَابِهَا حَتَّى النُّخَاعِ، وَنَخَلَتْنِي لَيَالِي الْفِرَاقِ الثَّقِيلَةُ مِنْ كُلِّ أَفْكَارِي السَّوْدَاءِ، وَعَاقَبَتْنِي بِطُولِ الْأَجَلِ..
فَبِتُّ هَزِيلًا، عَصَبِيّاً، أَطْحَنُ الْوَقْتَ بِالْعَمَلِ، وَأَقْتُلُ الشَّوْقَ بِخَنْقِ الْفَرَاغِ، حَتَّى أَرْتَمِي نَائِماً هَدَّنِي شَوْقِي إِلَيْكِ وَالتَّعَبُ، وَقَدِ ارْتَسَمَتْ خُطُوطُهُ جَلِيَّةً فِي صَفْحَةِ وَجْهِي بِلَا كَلَلٍ..
كُنْتُ أَتَخَيَّلُ طَعْمَ الْفَرَحِ فِي ذِكْرَيَاتِنَا، وَأَعْتَصِرُ حُبِّي وَشَوْقِي كَيْ يَسْتَعِيدَ قَلْبِي نَبَضَاتِهِ، الَّتِي تَاهَتْ بَيْنَ دَوَالِيبِ الْحَيَاةِ الْجَاحِدَةِ..
تِلْكَ الْوَحِيدَةُ الَّتِي أَبْقَتْنِي عَاقِلًا، وَشَدَّتْ مِنْ عَزِيمَتِي..
وَلَكِنْ أَيُّ عِيدٍ تُرَانِي أَفْرَحُ فِيهِ بِدُونِكِ؟!..
أَيُّ عِيدٍ يُنْسِينِي وَجَعِي فِيكِ، وَأَنْتِ لَسْتِ مَعِي؟!..
كُنْتُ أَسْتَغْرِبُ الْفَرْحَةَ فِي عُيُونِ النَّاسِ!..
حَتَّى أَضَاءَ لِي مِيثَاقُنَا الْغَلِيظُ نِبْرَاساً فِي رَوْعِي، أَنْ أَضَعَ كِبْرِيَائِي الْغَبِيَّ جَانِباً، وَأَتَّصِلَ بِكِ..
قُلْتُ فِي نَفْسِي: أَنَّنِي أُرِيدُ سَمَاعَ صَوْتِكِ فَقَطْ..
وَعِنْدَمَا أَجَبْتِ؛ تَوَقَّفَ قَلْبِي عَنِ الِارْتِجَافِ بَيْنَ ضُلُوعِي، وَاسْتَعْذَبْتُ صَوْتَكِ كَمَاءٍ عَذْبٍ بَارِدٍ، أَعَادَ إِلَى رُوحِي الْعَطْشَى الْحَيَاةَ، عِنْدَ أُولَى رَشْفَةٍ مِنْ صَوْتِكِ..
اسْتَعْذَبْتُ الْمَزِيدَ مِنْ صَوْتِكِ، وَأَنْتِ تَقُولِينَ بِرَزَانَةٍ: مَنْ أَنْتَ وَمَاذَا تُرِيدُ؟!..
وَحَقِيقَةً تَنَفَّسْتُ أَنْفَاسَكِ، وَغَلَبَتْنِي عَيْنِيّ بِالدُّمُوعِ..
وَأَخِيراً قُلْتُهَا: يَاحَبِيبَةَ كُلِّ أَيَّامِي أَنَا آسِفٌ..
أَنَا آسِفٌ.. أَنَا آسِفٌ..
وَعِنْدَمَا وَقَعَ صَدَى صَوْتِي مَوْقِعَهُ فِي عَقْلِكِ وَقَلْبِكِ؛ بَكَيْتِ..
وَكَذَلِكَ فَعَلْتُ أَنَا..
بَكَيْتُ أَكْثَرَ، وَأَكْثَرَ..
ثُمَّ قَطَعْتُ الِاتِّصَالَ، وَشَعَرْتُ حِينَهَا وَأَنَا أَنْظُرُ حَوْلِي، وَكَأَنَّنِي أَرَى شَقَّتِي هَذِهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَكَأَنَّنِي كُنْتُ غَائِباً عَنِ الْوَعْيِ، وَالْآنَ قَدْ عُدْتُ..
الْآنَ فَقَطْ..
وَإِذْ بِي أُعِيدُنِي إِلَى هُنَاكَ، حَيْثُ زَوْجَتِي وَبِضْعَةُ رُوحِي وَمَوْطِنِي، وَأُنْهِي كُلَّ شَيْءٍ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، فَوَكَّلْتُ مَنْ يَشْتَرِي لَنَا مَسْكَنَ أَحْلَامِهَا..
وَوَجَدْتُنِي أَفْتَحُ دُرْجَ مَكْتَبِي وَأُطَالِعُ كُلَّ تِلْكَ الرَّسَائِلِ الَّتِي كَتَبْتُهَا لَكِ، وَلَمْ أُرْسِلْهَا مُطْلَقاً، وَلَكَمِ اعْتَذَرْتُ فِيهَا، وَوَضَّحْتُ كُلَّ شَيْءٍ..
سَأَقْرَأُهَا لَكِ وَأَنْتِ مُطْمَئِنَّةٌ عَلَى صَدْرِي..

لَمْ أَكُنْ أَتَصَوَّرُ يَاغَالِيَة أَنِّي بَعْدَ رَحِيلِي سَأُحِبُّكِ أَكْثَرَ..
يَاحَبِيبَةَ كُلِّ أَيَّامِي، يَا وَجَعِي الْأَكْبَرَ..
يَاعُمْرِي الَّذِي لَا.. وَلَنْ يَتَكَرَّرَ..
أَنِّي بَعْدَ رَحِيلِي سَأُحِبُّكِ أَكْثَرَ..
بِرَحِيلِي صَارَ الرُّجُوعُ إِلَيْكِ غَايَتِي الْأَكْبَرَ..
مَاذَا أَفْعَلُ وَقَدْ كُنْتِ بَعْضِي، أَرَاكِ فِي عَيْنِي جَمِيعَ الْبَشَرِ..
بَعْثَرَتْنِي رِيَاحُ الْقَلَقِ، وَشَغَلَتْنِي هُمُومُ الدَّهْرِ..
وَمَحَتْ ظِلَالَ يَأْسِي قَطَرَاتُ الْمَطَرِ..
كَمْ كَانَ يُعْجِبُكِ عِنْدَمَا أَكْتُبُ مِنْ أَجْلِكِ الشِّعْرَ..
قَسَماً يَاغَالِيَةُ لَمْ أَكْتُبْ لِغَيْرِكِ، وَقَدْ عَلَّمْتِنِي كَيْفَ السَّهَرَ..
وَكَيْفَ أُجَنُّ فِي هَوَاكِ، فَحُبُّكِ لِي مِنْ عَطَايَا الْقَدَرِ..
فِي بَحْرِ عَيْنَيْكِ جَنَّتِي وَجَحِيمِي، حَتَّى انْقِضَاءِ الْعُمْرِ..
قَرِيباً أَوْ بَعِيداً مَا زِلْتُ عَلَى عَهْدِي بِكِ، وَقَدْ أَعْيَتْنِي لَيَالِي السَّهَرِ..
رُزِقْتُ حُبَّكِ، وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَانِدَ الْقَدَرَ..
يَا حَبِيبَةَ كُلِّ أَيَّامِي قَسَماً لَمْ.. وَلَنْ أَكْتُبْ لِغَيْرِكِ، فَأَنْتِ ضِيَائِي وَالْقَمَرُ..
مَهْمَا ابْتَعَدْتِ، عَانَدْتِ وَغِبْتِ، حَتَّى غَابَ ضَوْؤُكِ عَنْ مَدَارِي فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُ..
طَالَ انْتِظَارِي وَأَعْيَانِي يَأْسِي فَقَرَّرْتُ الْعَوْدَةَ وَإِعَادَةَ النَّظَرِ..
أَمَلِي أَنْ تَقْبَلِي اعْتِذَارِي، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلِي فَقَسَماً لِآخِرِ الْعُمْرِ سَأَنْتَظِرُ..

وَصَلْتُ بَاكِراً، لَمْ أُخْبِرْكِ عَنْ قُدُومِي، فَكَانَتْ مُفَاجَأَةَ الْعُمْرِ..
غَيْرَ غُرْبَةِ عَيْنَيَّ عَنِ الْمَكَانِ، وَحُرْقَتِي لِرَائِحَةِ حَبِيبَتِي، كَانَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى حَالِهِ؛ قِطْعَةُ السَّجَّادَةِ أَمَامَ عَتَبَةِ الْبَابِ، وَأَصِيصُ الرَّيْحَانِ عَلَى جِهَةِ الْيَمِينِ، وَالْجَرَسُ عَلَى الْيَسَارِ..
وَعِنْدَمَا قَرَعَتْ طُبُولُ قَلْبِي جَرَسَ الْبَابِ؛ وَجَدْتُنِي وَاقِفاً مِثْلَ مُرَاهِقٍ يُقَابِلُ حَبِيبَتَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ..
انْتَظَرْتُ دَقِيقَتَيْنِ كَبُعْدِ السِّنِينَ، حَتَّى سَمِعْتُ أَصْوَاتاً تَقْتَرِبُ، وَضَحِكَاتٍ صَغِيرَةً تَرْتَفِعُ، وَخَرْبَشَاتٍ عَلَى الْبَابِ، ثُمَّ انْفَتَحَ الْبَابُ بِرَهْبَةٍ، وَصَوْتُكِ الْحَنُونُ يَقُولُ: حَبِيبِي؛ تُرَى مَنْ الَّذِي سَيَأْتِينَا بَاكِراً هَكَذَا؟!..
فَتَصَاعَدَ دُخَانُ الْغَيْرَةِ مِنْ شَعْرِي وَأَنَا أَسْتَعِرُ غَيْظاً، وَأُعِيدُ كَلِمَتَكِ “حَبِيبِي” كَالْحَنْظَلِ فِي فَمِي..
ثُمَّ رَأَيْتُكِ.. نَعَمْ.. رَأَيْتُكِ!..
رَحْمَاكَ يَا رَبَّ السَّمَاوَاتِ؛ خَانَتْنِي الْكَلِمَاتُ وَالْحَرَكَاتُ، وَقَدْ أَصْبَحَ جَسَدِي بِأَكْمَلِهِ خَارِجَ نِطَاقِ عَمَلِهِ، عِنْدَمَا رَأَيْتُكِ تَحْمِلِينَ طِفْلًا صَغِيراً..
كَانَتِ الْمُفَاجَأَةُ أَكْبَرَ مِمَّا أَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَهُ، فَهَزَزْتُ رَأْسِي، وَبِيَدِي أُشِيرُ إِلَيْهِ وَأَسْأَلُكِ صَامِتاً: هَلْ هَذَا الْمَلَاكُ ابْنِي؟!..
وَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَعَيْنَاهُ تُطَالِعَانِّي كُلَّ صَبَاحٍ فِي مِرْآتِي؟!..
فَأَجَبْتِنِي أَنَّ نَعَمْ، وَعَيْنَاكِ تَغْرَقُ فِي بُكَاءِ حَبِيبٍ.. حَبِيبٍ..
لَا أَعْرِفُ كَيْفَ وَجَدْتُنِي أَحْمِلُهُمَا مَعاً وَأُعِيدُنَا إِلَى مَوْطِنِي، وَعَاهَدْتُ نَفْسِي؛ لَدَيَّ الْكَثِيرُ عَلَى عَاتِقِي لِأُعَوِّضَهُمَا إِيَّاهُ..
الْآنَ أَيْقَنْتُ كَمْ كُنْتُ أَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ بِالْكَيِّ!..
حَتَّى أَعْرِفَ النِّعَمَ الْجَلِيلَةَ الَّتِي كَانَتْ وَسَتَظَلُّ فِي قَلْبِي وَبَيْنَ يَدَيَّ..

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى