مسابقة القصة

ملخص رواية : مالا يدفنه الموت ..مسابقة الرواية. بقلم / سارة الأنصاري . مصر

الاسم : سارة الانصاري
البلد : مصر ـالمنصوره

لينك الفيس بوك: https://www.facebook.com/share/17xSXD16r6/
للمشاركه في مسابقة الرواية الطويلة
ملخص الرواية
مالا يدفنه الموت

أحيانًا لا يقتل الموتُ الجسد… بل يقتل كلَّ ما حوله، ويترك الأحياء يتعذّبون بما هو أفظع من الرحيل.”
في مدينةٍ يختلط فيها صوت الحفر بأنين البشر، ويمتزج غبار الخراب بدموع المظلومين، وُلدت حكاية لم يكن أحد يتخيّل أنها ستتحوّل إلى سلسلةٍ من الجرائم.
كل شيء بدأ بانهيار بيت، لم يكن بيتًا عاديًا، بل مأوى لأرواحٍ بريئة سُحقت تحت أنقاض الطمع والفساد. ومن تحت الركام لم يخرج سوى صرخة، صرخة لم تهدأ، بل صارت لعنةً تبحث عن من يرويها.
لم تكن هذه قصة قاتلٍ أو ضحيةٍ فقط، بل قصة ظُلمٍ إذا تمادى صار أشد فتكًا من الشياطين. ولأن بعض الجرائم لا يطالها القانون، وُجد دفتر غامض يكتب الحكاية بمدادٍ من الدماء، سطرًا وراء سطر، حتى صار كل ما يُخط فيه قدرًا لا مهرب منه.
ما ستقرؤه ليس رواية عابرة، بل شهادةً دامية على ما يحدث حين ينهار بيت… فتنهار معه قلوب، وتولد من بين أنقاضه أشباح لا تعرف للرحمة سبيلًا.

كان حسن عائدًا من عمله في ساعةٍ متأخرة، يسير بخطى متعبة لكن مطمئنة. كان يعرف الطريق جيدًا، ويعرف أن في نهايته وجهًا ينتظره كل مساء. رفع رأسه، فرأى ليلى واقفة في الشرفة، تلوّح له بيدها وتبتسم. كانت تضحك، وتشير إليه أن يُسرع، ثم قالت بصوتٍ وصله واضحًا رغم المسافة إنها ستنزل إليه.
ابتسم حسن، وشعر أن تعبه كله قد تبخّر.
لم يكن يعلم أن تلك الابتسامة ستكون الأخيرة.
قبل أن يصل إلى باب العمارة، دوّى صوتٌ غريب من الخلف، صوت آلةٍ ضخمة تشقّ الأرض بلا رحمة. توقّف لحظة، والتفت بقلق، ثم اهتزّت الأرض من تحته، وارتفع غبار كثيف، وسقط البيت أمام عينيه كما لو أنه لم يكن يومًا مأوى للحياة.
تجمّد حسن في مكانه، ثم اندفع صارخًا باسم ليلى. ركض نحو الركام، يزيح الحجارة بيديه العاريتين، يناديها بصوتٍ مبحوح، لا يشعر بالألم ولا يرى الدم الذي سال من أصابعه. كان كل ما يراه هو البيت الذي ابتلع حياته.
حتى لمح يدًا خارجة من بين الأنقاض.
اقترب ببطء، وقلبه ينهار قبل أن تصل عيناه، فرأى خاتم الزواج في إصبعها. سقط على ركبتيه، ولم يعد يسمع شيئًا من حوله. أزاح ما تبقّى من الركام، ووجد جسد ليلى ساكنًا، بلا حراك.
احتضنها حسن كما لو أنه يحتضن العالم كله، وبكى بكاءً لم يعرف له مثيلًا. كانت حاملًا، وكان يعلم ذلك، وكان يحلم بحياةٍ تبدأ من جديد… لكنها انتهت قبل أن تولد.
منذ تلك اللحظة، لم يعد حسن كما كان.
ارتدى السواد، وسكن الصمت ملامحه. حاول أن يلجأ إلى القانون، قدّم بلاغًا، ثم قضية، لكن الأوراق ضاعت، والملف أُغلق، وكأن البيت لم ينهَر، وكأن الأرواح التي ماتت لم تكن موجودة.
كان الظلم أثقل من أن يُحتمل.
حين دخل حسن شركة العقارات الكبرى، لم يكن يبحث عن عمل فقط، بل عن إجابات. وهناك بدأ يكتشف شبكة من الطمع، وأسماء تتكرر، وشركاء اعتادوا أن يبنوا ثرواتهم فوق أنقاض الآخرين. كان اسم شارع الميرغني الجديد يتردّد في الاجتماعات، وفي الملفات، وفي أحاديثٍ جانبية لا يُراد لها أن تُسمع.
وفي الليالي، كانت ليلى تعود إليه. يراها في المرآة، يسمع صوتها، تحذّره وتسأله إلى أين يمضي. كان يعلم أنها وهم، لكنه كان يحتاج إليها.
وفي المدينة، بدأت الجرائم.

لم يكن قبول حسن في شركة العقارات حدثًا عاديًا في مساره الجديد؛ كان خطوة محسوبة. جلس في مقابلة العمل أمام مديرها، رجلٌ يعرف كيف يبتسم وهو يُخفي أكثر مما يُظهر. الأسئلة كانت رتيبة، والإجابات محفوظة، لكن النظرات كانت تقول ما لا يُقال. حين خرج حسن من المكتب، كان يعرف أنه دخل بيتًا آخر… بيتًا لا تسقط جدرانه، بل تسقط فيه الضمائر.
مرّت الأيام الأولى هادئة. أوراق، اجتماعات، زيارات مواقع. ثم جاء الاستدعاء. دخل حسن مكتب المدير فوجد خمسة رجال آخرين. وجوه متباينة، لكنّ القاسم المشترك كان واحدًا: الثقة المفرطة. قال المدير، بنبرة من يعرف ما يفعل، إنه يريد حسن ضمن فريقٍ خاص لبناء عمارة ضخمة في شارع الميرغني الجديد. توقّف قليلًا، ثم أضاف أن العمل سيتأخّر بعض الشيء.
سأل حسن عن السبب.
قال المدير، وهو يبتسم ابتسامة قصيرة: «لأننا… ننقّب عن آثار».
لم يُبدِ حسن دهشة. سمع الكلمة، وسمع معها صدى البيت الذي سقط. في تلك اللحظة، لم يكن يسمع سوى ضجيج الحفر.
في مساء اليوم نفسه، عاد حسن إلى منزله. دخل غرفته، وقف أمام المرآة، نظر إلى وجهه طويلًا. بدا له شاحبًا، كأنّه يختبر إن كان ما زال حيًّا. فجأة، ظهرت ليلى في انعكاس الزجاج. لم ترفع صوتها، لم توبّخه، فقط سألته بهدوء موجع: «إلى أين تمضي؟».
ابتسم ابتسامة واهنة، ولم يُجب. اختفى انعكاسها كما جاء.
في صباح اليوم التالي، سادت الفوضى أرجاء الشركة. أوراق متناثرة على الأرض، تحمل صورة أحد الشركاء، وتحتها عبارة واضحة تُعلن موعد موته. لم يفهم الموظفون ما يحدث، وارتفعت الهمسات في الممرات. في مكتب المدير، كان الرجل صاحب الصورة يصرخ ويتوعد، يتهم الجميع ويطالب بمعرفة الفاعل.
لم تمضِ أربع وعشرون ساعة حتى وُجد مشنوقًا في منزله.
قالت التقارير: انتحار.
لكن المدينة لم تصدّق.
توالت الأخبار سريعًا. شريك ثانٍ سقط في حادثٍ غامض، وثالث وُجد في شقته بلا أثر اقتحام. بدا كل موتٍ منفصلًا عن الآخر، لكن الإحساس العام كان يقول إن يدًا واحدة تقف خلف الجميع. تسلّل الخوف إلى قلوب من تبقّى، وصار الصمت سيّد الاجتماعات.
في مديرية الأمن، وقف الضابط قاسم وافي أمام إحدى الجثث، يتأمل التفاصيل بعينٍ خبيرة. لم يعجبه المشهد. لا طريقة الدخول، ولا توقيت الوفاة، ولا رواية الانتحار. قال بهدوء إن الدخول قد يكون عبر الشرفة، فالدور الأول لا يمنع ذلك. ثم طلب جميع الملفات المتعلقة بالشركة.
في الشركة، استُدعي حسن مرة أخرى. دخل المكتب، فوجد الوجوه أقل عددًا وأكثر شحوبًا. قال المدير إنه يثق به، ولهذا يريد أن يكون قريبًا منه في المرحلة المقبلة. تحدث عن المشروع بثقة، وعن البناء الذي سيبدأ فور الانتهاء من «كل ما تحت الأرض».
سأل حسن عن الشركاء.
أجابه المدير ببرودٍ صادم:
«وأين هم؟ جميعهم ماتوا… وهذا أفضل.»
في تلك الليلة، عاد حسن إلى منزله فوجد والدته تنتظره في الصالة. نظرت إليه طويلًا، وسألته عمّا تغيّر فيه. قالت إن حزنه لم يعد كما كان، وإن هذا يخيفها. أجابها بصوتٍ هادئ لكنه حاد:
«لا أنا مقبول حين أحزن، ولا حين أبدو هادئًا.»
تمنت له أن تكون الطريق التي يسلكها نهايتها خيرًا، لا شرًا. لم يُجبها، ودخل غرفته.
تمدّد على السرير، وأغمض عينيه. عاد إليه صوت ليلى في ذاكرته، تتحدث عن هدوء الشارع، وعن صمت الليل. قال لها يومًا إن الهدوء نعمة. ضحكت، وقالت إن لديه وقتًا للمزاح. وعدها بأغنية.
انطفأ المشهد.
فتح عينيه، وانحدرت دمعة واحدة. نهض، ارتدى السواد، وضع القفازين، وغادر المنزل.
دخل ملهًى ليليًا في ساعة متأخرة. غرفة مغلقة، ورجلان ينتظران. أغلق الباب بإحكام، وجلس قبالتهما، ثم حيّاهما بهدوء. سألاه كيف عرف المكان، ولماذا هذا الزيّ. قال إن وجود رجالٍ «مرموقين» مثلهما في مكان كهذا لا يليق بسُمعتهم. ثم أضاف جملة واحدة أربكتهما:
«صديقكما يسلّم عليكما.»
تبادلا نظرات الذعر، وسألاه إن كان هو من فعل ذلك. لم يُجب. اكتفى بابتسامة باردة.
لم يمضِ وقت طويل حتى خيّم الصمت.
في الصباح، كانت المدينة أوسع من أن تحتمل خبرًا جديدًا.
استُدعي حسن للتحقيق. جلس أمام الضابط قاسم، الذي طرح أسئلته بحدّة وهدوء في آنٍ واحد. قال مدير الشركة إن حسن موظف جديد، لا تجمعه علاقة وثيقة بالشركاء الراحلين، وإن التعامل بينهم كان محدودًا.
خرج حسن من غرفة التحقيق، ودخل مكتبه. جلس غاضبًا، وشعر بثقلٍ يضغط على صدره. ظهرت ليلى بجانبه، حذّرته بصوتٍ خافت من الطريق الذي يسلكه. طلب منها أن تتركه. نظر حوله… فلم يجدها.
في الخارج، كانت الشرطة تقترب خطوة بعد خطوة.
وفي الداخل، كان البناء يستعد للبدء.
وتحت الأرض، كانت الآثار تُستخرج حجرًا حجرًا، كما تُستخرج الذكريات المؤلمة من صدرٍ لم يعد يحتمل.
لم يعد حسن يتحرّك بدافع الغضب وحده، بل بدافع يقينٍ داخلي بأن كل ما يفعله هو استعادة لتوازنٍ اختلّ منذ لحظة سقوط البيت. كانت الجرائم تتوالى، وكل واحدة تُحكم إغلاق الدائرة أكثر حول المتورطين. في المقابل، كانت الشرطة تضيق الخناق، وإن ببطءٍ محسوب.
في مديرية الأمن، انكبّ الضابط قاسم وافي على ملف حسن القديم. أعاد قراءة البلاغ الذي قُدِّم عقب انهيار المنزل، وتوقّف طويلًا عند قرار حفظ القضية. بدت الأوراق باردة، لكن ما تحمله من ظلم كان فادحًا. حين أغلق الملف، لم يفعل ذلك بعنف، بل بهدوءٍ مشوبٍ بألمٍ إنساني. في تلك اللحظة، لم يرَ في حسن مجرّد مشتبه به، بل رجلًا سحقه النظام قبل أن يسحق غيره.
أمر قاسم مساعده نادر برفع المراقبة عن منزل حسن. لم يُرد أن يرى ما لا يستطيع منعه.
في الجانب الآخر، كان حسن يراقب هدفه الجديد: رشاد خطاب. تابع تحركاته لأيام، حفظ عاداته، أوقات خروجه وعودته، حتى اللحظة التي يختلي فيها بنفسه. وفي إحدى الليالي، دخل حسن منزله دون أن يترك أثرًا.
جلس على الكرسي المقابل للسرير، ينتظر.
حين استيقظ رشاد، تجمّد في مكانه من الذهول. دار بينهما حوار طويل، كُشفت فيه تفاصيل التنقيب، والرشاوى، والتهاون المتعمّد بأرواح السكان. حاول رشاد الدفاع عن نفسه، ثم انتقل إلى التهديد.
انتهى كل شيء بحركة واحدة.
كسر حسن عنقه، وسقط الجسد بلا صوت.
في اليوم التالي، عمّ الذعر الشركة. اسم رشاد انضم إلى القائمة. بدأ المدير محمد الباز يشعر بأن النهاية تقترب. استدعى حسن، وأخبره بتفاصيل لم يُفصح عنها من قبل: الآثار التي استُخرجت من أرض شارع الميرغني، والثروة التي جُمعت، والأدوار التي أُضيفت إلى المبنى بعد «تنظيف» الأرض.
سأله حسن بهدوء:
«ألم يكن من المفترض أن يُقسَّم كل ذلك بينك وبين شركائك؟»
أجابه الباز ببرودٍ قاسٍ:
«وأين هم شركائي؟ لقد ماتوا جميعًا… وهذا أفضل.»
في تلك الليلة، وقف حسن تحت المطر، يراقب منزل الباز من بعيد. كانت السماء تمطر بغزارة، والرعد يشقّ الصمت. لم يعد هناك متسع للتردّد.
في ساعةٍ متأخرة من الليل، تلقّى محمد الباز رسالة مقتضبة على هاتفه:
«تم العثور على آثارٍ أخرى في موقع شارع الميرغني الجديد. الحضور ضروري. الدور الثاني.»
لم يتردّد. ارتدى معطفه على عجل، وخرج إلى الشارع تحت مطرٍ غزير، والرعد يشقّ السماء كأنّه إنذار أخير. كان الطريق إلى المبنى قصيرًا، لكن خطواته بدت أطول من المعتاد. صعد السلالم إلى الدور الثاني، ونادى بصوتٍ مرتفع، فلم يُجبه أحد.
في اللحظة التي استدار فيها، ظهر حسن خلفه.
ارتجف الباز، ثم قال محاولًا التماسك:
«كدتَ تُوقِف قلبي. ما الذي جاء بك إلى هنا؟ أأنت من أرسل الرسالة؟»
أجابه حسن بهدوءٍ بارد:
«أحيانًا، من يركضون خلف أطماعهم لا ينتبهون إلى الطريق… حتى يؤذيهم في النهاية.»
تلفّت الباز، وقال بحدّةٍ متوترة:
«لا أفهم ما تقول.»
ابتسم حسن ابتسامة قصيرة، ثم قال:
«وهذا ما يجعل الأمر أسهل.»
تراجع الباز خطوة، وقال وقد بدأ الخوف يتسلّل إلى صوته:
«أأنت من قتل شركائي؟»
لم يُنكر حسن. رفع نظره، وكأنّه يستدعي شريطًا طويلًا من الذكريات، ثم قال بصوتٍ خافتٍ لكنه واضح:
«واحدًا تلو الآخر… كما سقط البيت.»
ابتلع الباز ريقه بصعوبة، وسأله:
«ولماذا أنا؟ ولماذا هنا؟»
أجابه حسن:
«لتلحق بهم. فلا أنت هنئتَ بحياتك، ولا بالآثار التي استخرجتها من تحت هذا البيت.»
حاول الباز الهرب. ركض نحو السور القصير، لكن حسن أمسك بقدمه وأسقطه أرضًا. تدحرجا على الخرسانة الرطبة، وتبادلا ضرباتٍ عنيفة. تلقّى حسن ضربة على رأسه، فترنّح، لكنّه عاد وأمسك بقضيبٍ معدني، وضرب ذراع الباز ضربة كسرتها. سقط الباز وهو يصرخ:
«لماذا تفعل هذا؟»
في تلك اللحظة، انفجر الفلاش باك.
كان حسن يترجّل من سيارته، وعلى بُعد أمتار قليلة من منزله.
رنّ هاتفه. كانت ليلى. قالت بفرحٍ واضح إنها تنتظره في الشرفة منذ وقت، وإنها تشتاق إليه. ابتسم وقال لها أن تنزل ليأخذها في نزهة قصيرة. ضحكت وقالت إنها والطفل يحتاجان إلى بعض الهواء.
دخلت ليلى مسرعة إلى الداخل لتستعد.
وفي الخلف، بدأ صوت جرّارٍ ثقيل يتحرّك.
التفت حسن. رأى الآلة تقترب من خلف المبنى. لم يفهم في البداية، ثم اهتزّت الأرض فجأة. ارتفع الغبار، ومالت الجدران، وسقط البيت أمام عينيه.
صرخ باسمها، وركض.
بحث بين الأنقاض، يناديها بجنون، يزيح الحجارة بيدين داميتين. ثم توقّف. رأى يدًا خارجة من تحت الركام. وفي إصبعها خاتم الزواج.
سقط على ركبتيه.
أزاح ما تبقّى من البناء، ووجد ليلى. احتضنها، وبكى وهو يناديها، ويستجدي الحياة أن تعود. كانت حاملًا. وكان يعلم. وكان الحلم قد انتهى.
عاد حسن إلى الحاضر، ودموعه تنهمر. نظر إلى الباز وقال بصوتٍ مكسور:
«كانت حاملًا. وقد رفعتُ عليك قضية. لكن اسمك كان أكبر من العدالة. القضية تبخّرت.»
حاول الباز التبرير، وقال إنه حذّر السكان، وإنه عرض عليهم الرحيل.
صرخ حسن في وجهه:
«وأين ذنبها؟ وأين ذنب ابني؟ وأين ذنب من ماتوا تحت طمعكم؟»
أمسك حسن بحبلٍ غليظ، واقترب. في لحظةٍ يأس، نهض الباز وضرب حسن على رأسه، فسقط. لكن حسن عاد، التفّ بالحبل حول عنق الباز، وضغط حتى خرجت أنفاسه الأخيرة. سقط الجسد ساكنًا.
وقف حسن يتنفّس بصعوبة. نظر حوله، ثم اتجه نحو السور. أمسك بالحديد، وأدار وجهه نظرة أخيرة إلى المكان. تذكّر ليلى. ابتسم ابتسامة هادئة. ثم فتح ذراعيه، وألقى بنفسه من الدور الثاني.
وصل الضابط قاسم إلى المبنى المنهار جزئيًا في شارع الميرغني مع أول خيطٍ من ضوء الفجر. كانت الشرطة قد سبقت إليه، لكن شيئًا في صدره كان يضيق كلما اقترب. لم يكن هذا مجرد بلاغٍ جديد، بل إحساسًا ثقيلًا بأن النهاية هنا… وأنها ليست عادية.
دخل الطابق الثاني بخطواتٍ بطيئة. الأرض مبللة بمياه المطر، ورائحة الحديد الصدئ تختلط برائحة الدم. توقّف فجأة.
كان حسن ممدّدًا على الأرض، ساكنًا تمامًا، كأن الضجيج كله انتهى داخله. ذراعاه ممدودتان، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، تحدّقان في الفراغ، لا خوف فيهما… بل راحة غريبة، موجعة.
اقترب قاسم أكثر، وجثا على ركبتيه دون أن يشعر. لاحظ الخاتم في يد حسن، خاتم زواجٍ بسيط، متآكل الحواف، لكنه لا يزال لامعًا كذكرى لم تُدفن. أمسك الخاتم برفق، كأنه يخشى أن يوقظه من نومه الأخير.
في تلك اللحظة، خانته ملامحه. سقطت دمعة وحيدة من عينه، لم يحاول مسحها. لم تكن دمعة ضابط، بل دمعة إنسان فهم متأخرًا.
همس بصوتٍ خافت: «سامحني… تأخّرنا كثيرًا.»
نهض ببطء، وأدار وجهه بعيدًا. خلفه كان جسد حسن، وأمامه كانت الحقيقة العارية: لم يكن هذا قاتلًا عاديًا، بل رجلًا سُحق تحت الظلم، فلم يجد طريقًا للنجاة إلا أن يصير هو نفسه طريقًا للدم.
أغمض عينيه للحظة، ثم تمتم بصوتٍ متهدّج:
ـ «في النهاية… لم ينتصر أحد.»
والمطر يزداد هطولًا حتى صار كأنه يبكي معه.
أما الكاميرا ـ أو المشهد الأخير ـ فقد توقّفت عند يد حسن، والخاتم بين أصابعه، تدور حوله قطرات المطر في دوائر صغيرة كأنها تحاول أن توقظه من نومٍ لا عودة منه.
ثم خيّم الصمت التام.
وانطفأ الضوء.

“حين يُدفَن العدل تحت أنقاض الطمع، يخرج الانتقام من بين الركام باحثًا عن وجهٍ يعرفه… فالألم لا ينسى، وإن صمتَ طويلاً.
وأحيانًا، لا يأتي العدل من القضاء، بل من الألم.
فهل يكون الانتقامُ يومًا وجهًا آخر للعدل؟”

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى