لم يعد الزواج في مجتمعاتنا الحديثة مجرّد خطوة طبيعية أو مصيراً حتمياً كما كان يُنظر إليه سابقاً، بل تحوّل إلى موضوع نقاش واسع تتداخل فيه الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية. ورغم أن الخطاب السائد غالباً ما يحمّل المرأة نصيباً أكبر من المخاوف تجاه الارتباط، إلا أنّ الواقع يكشف أن الرجل بدوره يعيش هواجس لا تقلّ قوة، وإن اختلفت في طبيعتها.
مخاوف المرأة: بين فقدان الذات وضغط المثاليات
تواجه المرأة اليوم معادلة معقدة حين يتعلق الأمر بالزواج؛ فهي تخشى فقدان استقلاليتها وذاتها الفردية في إطار قد يتحول – في بعض الحالات – إلى قيد يحدّ من حريتها. كما أنّ تجارب أخريات في الطلاق أو العنف الأسري أو الخيانة تجعلها تنظر إلى الزواج بريبة، لا كتجربة مُلهمة بل كخطوة محفوفة بالمخاطر.
ويضاف إلى ذلك الضغط المجتمعي الذي يُحمّلها مسؤولية أن تكون “الزوجة المثالية”، ما يولّد شعوراً دائماً بالقلق والخوف من الفشل. ومع تطور مكانتها التعليمية والاقتصادية، لم تعد المرأة ترى في الزواج ضرورة اجتماعية قصوى، بل خياراً يمكن مراجعته أو حتى الاستغناء عنه.
مخاوف الرجل: ثقل المسؤولية وهاجس الفشل
أما الرجل، فيرتبط خوفه أساساً بالمسؤوليات الكبيرة التي يُتوقع منه تحمّلها؛ من الإنفاق إلى توفير الأمن والاستقرار. وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتذبذبة، يتحول الزواج أحياناً إلى تحدٍّ مادي أكثر منه خياراً عاطفياً.
كما يعيش الرجل بدوره قلقاً من الفشل أو الخيانة، إذ يخشى أن يمنح ثقته فيفقدها فجأة، أو أن ينكسر عاطفياً بعد تجربة غير ناجحة. ولا تخلو هواجسه من الضغط الاجتماعي الذي يضعه دائماً في صورة “العمود والسند”، وهو ما يجعله متردداً إن لم يكن على يقين بقدرته على الوفاء بهذه التوقعات. وإلى جانب ذلك، هناك من يربط الزواج بفقدان الحرية الشخصية أو تقييد دائرة الاهتمامات والعلاقات.
نقاط التلاقي والاختلاف
إذا كانت المرأة تخاف أساساً من الظلم العاطفي وفقدان الذات، فإن الرجل يميل إلى الخوف من ثقل المسؤولية وضغوط المعيشة. غير أنّ القاسم المشترك بينهما يظلّ الخوف من الخذلان العاطفي وفشل العلاقة.
وتشير دراسة ميدانية حديثة إلى أنّ 68% من النساء العازبات بين 25 و35 عاماً يعبّرن عن مخاوف حقيقية من الزواج، مقابل 54% من الرجال في الفئة العمرية نفسها، حيث ترتبط هواجس النساء أكثر بالجوانب النفسية والعاطفية، بينما ينصبّ قلق الرجال على الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
نحو رؤية متوازنة للزواج
إنّ الخوف من الزواج لدى الرجل والمرأة ليس علامة ضعف بقدر ما هو انعكاس لوعي جديد بدقة هذه الخطوة، وما تتطلبه من نضج ومسؤولية. فالزواج الناجح لا يقوم على التضحيات من طرف واحد، بل على الاحترام المتبادل، التفاهم، تقاسم الأعباء، وإتاحة الحرية الشخصية لكل طرف داخل إطار من المشاركة الواعية.
فالمرأة لا ترفض الزواج في حد ذاته، بل ترفض أن تكون مجرد ظل أو ضحية. والرجل لا ينكر أهميته، لكنه يخشى أن ينهار تحت ثقل التوقعات. وبين هذين الموقفين، يظل الزواج مشروعاً إنسانياً عظيماً إذا تأسس على الحب والوعي والمسؤولية المشتركة.
وبذلك، فإن تجاوز هذه المخاوف لا يتحقق إلا عبر تغيير النظرة التقليدية للزواج من “واجب اجتماعي” إلى “شراكة حياتية متكافئة”، حيث يتقاسم الطرفان الحقوق والواجبات على حد سواء.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون