لم تعد الشاشات التي نحملها بين أيدينا مجرد أدوات للتواصل والترفيه والحصول على المعلومات، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، تدخل معنا إلى غرف نومنا، وتجلس إلى موائد طعامنا، وترافق أبناءنا في لحظات وحدتهم وفرحهم وقلقهم، وربما تعرف عنهم أحيانًا أكثر مما نعرف نحن عنهم.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالمسألة لم تعد مجرد “استخدام للإنترنت”، ولا قضية تقنية يمكن حلها بمصادرة الهاتف أو تحديد ساعات استخدامه، وإنما أصبحت قضية إنسانية وتربوية وفكرية واجتماعية تمس طريقة تفكير شبابنا، ونمط علاقاتهم، ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى الآخرين وإلى المستقبل.
إن المعركة الحقيقية في عصرنا لا تُدار فقط في ميادين المواجهة التقليدية، بل قد تتسلل بصمت عبر شاشات مضيئة تستقر في كفوف أطفالنا وشبابنا، فتؤثر في أفكارهم، وتشكل بعض قناعاتهم، وتعيد ترتيب أولوياتهم، وتقدم لهم نماذج للنجاح والحياة والقيم قد لا تكون بالضرورة منسجمة مع واقعهم أو ثقافتهم أو احتياجاتهم الإنسانية.
لكن علينا، قبل أن نخاف من الشاشة، أن نسأل سؤالًا أكثر عمقًا:
لماذا أصبح الشاب يقضي كل هذا الوقت أمامها؟
فالشاشة ليست دائمًا أصل المشكلة؛ أحيانًا تكون مرآة لمشكلة أعمق.
عزلة الكثرة.. عندما يكون الجميع حولنا ولا نجد من يسمعنا.
من أكثر الظواهر التي تستحق التوقف عندها ما يمكن أن نسميه “عزلة الكثرة”.
نحن نعيش في عصر يستطيع فيه الإنسان أن يتحدث إلى مئات الأشخاص في اليوم، لكنه قد يعود في نهاية يومه وهو يشعر بأنه لم يتحدث مع شخص واحد حديثًا حقيقيًا.
قد يكون الشاب محاطًا بآلاف المتابعين، لكنه يفتقد صديقًا يصغي إليه، وقد تكون الفتاة على تواصل مستمر مع الآخرين، لكنها لا تجد داخل بيتها من يسألها بصدق:
كيف تشعرين؟ وما الذي يشغلك؟
وهنا تتحول الشاشة من وسيلة تواصل إلى ملاذ نفسي.
فكل “إعجاب”، وكل تعليق، وكل إشعار، قد يمنح الإنسان لحظة قصيرة من الشعور بأنه مرئي ومقبول ومهم.
ومع الوقت، قد يتحول هذا الاحتياج الطبيعي إلى تعلق مفرط بالعالم الرقمي، فيبدأ الشاب بالابتعاد تدريجيًا عن واقعه، وتضعف علاقته بأسرته، ويتراجع نشاطه الواقعي، وتصبح الشاشة مصدرًا أساسيًا للمتعة والتقدير والانتماء.
وهنا لا تكمن المشكلة في الهاتف وحده، وإنما في الفراغ الذي سمح للهاتف بأن يملأه.
الشاب لا يبحث دائمًا عن المحتوى.. أحيانًا يبحث عن نفسه
من الأخطاء التي نرتكبها عندما نتحدث عن الشباب والعالم الرقمي أن ننظر إليهم باعتبارهم مجرد مستهلكين للمحتوى.
الشاب في هذه المرحلة من عمره يبحث عن إجابات كبيرة:
من أنا؟
ماذا أريد؟
ما قيمتي؟
هل أنا ناجح؟
هل يحبني الآخرون؟
هل لي مكان في هذا المجتمع؟
وماذا سيكون مستقبلي؟
وحين لا يجد إجابات مقنعة في البيت أو المدرسة أو المجتمع، فإنه سيبحث عنها في مكان آخر.
وهنا يأتي دور العالم الرقمي.
الخوارزميات لا تقدم له بالضرورة ما هو أفضل له، وإنما غالبًا ما تقدم له المزيد مما يجذب انتباهه.
وكلما شاهد محتوى معينًا، جاءه المزيد منه.
وكلما تفاعل مع فكرة، ظهرت له أفكار مشابهة.
وهكذا قد يجد الشاب نفسه تدريجيًا داخل فقاعة رقمية تعيد إنتاج الأفكار نفسها أمامه حتى تبدو له وكأنها الحقيقة الوحيدة الموجودة.
من الفراغ إلى الاستقطاب.. حين يصبح الانتماء سلعة، وحين يشعر الإنسان بالوحدة أو الفراغ أو ضعف التقدير، يصبح أكثر قابلية للبحث عن جماعة تمنحه الشعور بالانتماء.
وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميتهم بـ “سماسرة الانتماء”؛ أولئك الذين يستغلون حاجة الإنسان إلى القبول والانتماء، ويوظفون المنصات الرقمية للتأثير في عقول الشباب ومشاعرهم.
وقد يأتي الاستقطاب في صور متعددة؛ أحيانًا في صورة خطاب متطرف، وأحيانًا في صورة شائعة، أو نظرية مضللة، أو خطاب كراهية، أو محتوى يسخر من القيم والثوابت، أو نموذج زائف للنجاح والسعادة.
والأخطر من ذلك أن المحتوى المؤثر لا يأتي دائمًا بصورة مخيفة.
قد يأتي في صورة مقطع قصير ممتع.
أو شخصية محبوبة.
أو مؤثر يتحدث بلغة الشباب.
أو قصة تبدو واقعية.
أو معلومة تحمل جزءًا من الحقيقة، ثم تُبنى عليها استنتاجات مضللة.
وهنا يصبح التحدي الحقيقي ليس أن نمنع الشباب من مشاهدة كل شيء، فهذا غير ممكن، وإنما أن نبني داخلهم القدرة على التمييز.
من الانقياد إلى التفكير.. هنا يبدأ الأمن الفكري
الأمن الفكري الحقيقي لا يتحقق عندما نمنع الشاب من التفكير، وإنما عندما نعلمه كيف يفكر.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون