مسابقة القصة القصيرة

قصة : حارس العتبة . مسابقة القصة القصيرة بقلم / محسن عبد الحميد ابرهيم . مصر

[القصة القصيرة
” حارس العتبة ”
في الصباحات المبلّلة بالندى،
وفي الظهيرات الخانقة،
وفي الليالي التي تشبه قاع بئر لا ضوء فيه.
كان واقفًا…
لا يتحرك إلا قليلًا،
ولا يجلس إلا نادرًا،
يحمل في يده عصًا قصيرة،
ويرتدي جلبابًا رماديًا لونه يشبه لون الجدران بعد الغبار.
لم يكن يتحدث كثيرًا،
ولا يبتسم كثيرًا،
لكن له نظرة…
نظرة لا تشبه نظرات البشر.
نظرة تشبه رجلًا يرى ما لا يُرى،
ولا يعلق على شيء…
وكأنه يحرس شيئًا لا يعرفه إلا هو.
كانت العمارة قديمة،
مليئة بالسكان الذين يتغيرون كل بضعة أعوام.
وجوه جديدة،
عائلات جديدة،
أصوات أطفال،
أبواب تُغلق وتُفتح…
لكن الشيء الوحيد الثابت كان عمّ صالح.
الجميع يظنه “حارسًا للعمارة”.
يدفعون له نقودًا صغيرة،
يضعون أمامه الشاي،
ينادونه: “عم صالح… افتح الباب.”
“عم صالح… خد بالك من العربية.”
“عم صالح… شيل الشنطة دي.”
وكان يفعل.
يصمت طويلًا…
ثم يفعل.
لكن لم يسأله أحد يومًا:
من أين جاء؟
أو لماذا اختار هذا المكان؟
أو لماذا لا يغادر أبدًا؟

في يوم ما،
وبعد خمس سنوات من السكن في العمارة،
قرر سليم—أحد السكان—أن يسأله.
كان سليم رجلًا فضوليًا،
تضايقه الأشياء غير المفهومة،
والأشخاص الثابتون بلا تفسير.
وفي ذلك الصباح،
وقف أمام عم صالح وقال:
– يا عم صالح…
إنت بقالك قد إيه هنا؟
رفع عمّ صالح عينيه إليه.
كانتا هادئتين،
عميقتين مثل بئرٍ مطموس.
قال بصوت خفيض:
– من بدري…
من زمان.
ضحك سليم وقال:
– طب…
عمرك دخلت العمارة؟
ولا عمرك طلعت فوق؟
عم صالح أدار وجهه نحو باب العمارة.
بدا عليه أنه يسمع سؤالًا مختلفًا تمامًا…
كأنه سمع شيئًا من الماضي لا من الحاضر.
ثم قال:
– الناس اللي جوّه…
مش دايمًا جوّه.
قال سليم باستغراب:
– يعني إيه؟
ردّ ببطء:
– ساعات…
الناس يكونوا بُره وهم من جوّه.
وأوقات…
يكونوا جوّه وهما واقفين برّه.
العتبة دي…
بتقول كتير.
كانت الجملة غريبة،
لكن سليم لم يقتنع بالصمت.
قال:
– طب وإنتَ؟
عمرك دخلت جوه؟
ولا إنت واقف هنا ليه؟
ابتسم عم صالح،
ابتسامة شاحبة،
كأنها آخر ضوء في شمعة انتهت.
ثم قال:
– أنا واقف…
عشان أشوف اللي بيقع.
من جوّه.
ومن برّه.
سليم ضحك وقال:
– بيقع؟
يقع من فين؟
قال عم صالح:
– من نفسُه.
تركه سليم وهو يظن أن الرجل فقد عقله من كثرة السنوات.
لكن في الأيام التالية…
حدث ما جعل كلام عم صالح يبدو حقيقيًا
أكثر مما يحتمل سليم.

في مساء يوم خريفي،
انهار رجل من سكان العمارة في المدخل.
كان يبدو طبيعيًا طوال اليوم،
ثم فجأة…
وقع.
بلا سبب.
بلا مرض واضح.
الأطباء قالوا:
“جلطة مفاجئة.”
لكن حين سحبوا جثته،
كان عم صالح يقف في نفس مكانه،
ينظر،
ولا يتعجب.
قال بصوت منخفض حين مرّ سليم بجواره:
– أول من وقع.
سليم تجاهل الجملة…
لكن صداها ظل في أذنه.

بعد أسبوع،
سمع سكان العمارة صراخًا من الطابق الخامس.
امرأة انهارت في الحمام.
كانت تبكي منذ أيام،
ثم توقفت عن الأكل،
ثم وقعت.
قالت الجارة:
“كانت مكتومة…
من جوزها… ومن نفسها.”
ولمّا أُنزلت الجثة،
رأى سليم عم صالح واقفًا
بالابتسامة نفسها،
والعينين الهادئتين نفسيهما.
قال:
– تاني من وقع.
هذه المرة…
سليم لم يستطع تجاهل الكلمات.

في الأسبوع الثالث،
اختفى شاب من سكان العمارة.
لم يُعثَر على أثر له.
ترك عمله،
ترك هاتفه،
ترك كل شيء.
قال الناس إنه “هرب”.
لكن حين مرّ سليم على عم صالح في الليل،
قال الرجل:
– مش كل اللي بيقع…
يقع برة.
في ناس…
بتقع لجُوّه.

بدأت جملة تتردد في رأس سليم
حتى النوم:
“أنا واقف… عشان أشوف اللي بيقع.”
وقع من ماذا؟
من أين؟
أمام من؟
وماذا يرى عم صالح بالضبط؟
ولماذا يبدو الرجل وكأنه يعرف
متى يسقط كل إنسان
قبل أن يسقط بالفعل؟

الليل التالي،
جلس سليم أمام عم صالح.
قال له:
– إنت مش حارس…
صح؟
نظر إليه عم صالح طويلًا.
ابتسم.
وقال جملة واحدة:
– أنا…
لا أحرس الباب.
أنا بحرس العتبة.
– عتبة إيه؟
– العتبة اللي الناس بتعدّيها كل يوم…
ومابتفهمهاش.
العتبة اللي بين اللي هما فاكرينه نفسهم…
واللي هما فعلاً.
اقترب منه سليم.
– طب إنت هنا ليه؟
مين جابك؟
ومين قالك تفضل واقف؟
قال عم صالح بهدوء يشبه الصمت:
– محدش.
بس كل واحد بيقع…
عدّى من قدّامي.
وشُفته.
الناس بتوع العمارة…
متخيّلين إنهم ساكنين جوّه.
بس الحقيقة…
كتير منهم برا.
برا نفسهم.
ثم أشار بعصاه نحو الطوابق فوقهما:
– لما يبقى اللى جوه فاضي…
اللى برّه بيغلب.
وبيوقعوا.

سليم ارتجف.
سأل بصوت خافت:
– وانت…
بتعمل إيه هنا؟
نظر إليه عم صالح بعمق،
ثم قال:
– بستنى.
وأراقب.
وبعد شوية…
همشي.
– هتمشي إمتى؟
– لما آخر واحد…
يوقع.
– آخر واحد؟
مين؟
نظر عم صالح إلى سليم مباشرة.
نظرة جعلت الدم يتجمد في عروقه.
وقال:
– اللي لسه واقف…
على العتبة.

في تلك الليلة،
ظلّ سليم يفكر في الجملة.
يمشي في الشقة بلا سبب.
يقترب من الباب،
ثم يبتعد.
ينظر من الشباك،
ويتذكر الوجوه التي رحلت.
تذكّر أشياء خبّأها،
أحلامًا دفنها،
ذنوبًا صغيرة،
أكاذيب كبيرة…
أثقالًا لم يعترف بها.
وتذكّر كيف كان يقول لنفسه دائمًا
أنه “بخير”…
بينما شيء داخله كان يتشقق ببطء.
شعر فجأة أن عم صالح
لم يكن يصف الآخرين…
بل كان يصفه هو.

في يوم الغد،
نزل سليم إلى المدخل.
وجد عم صالح واقفًا كعادته.
اقترب منه وقال:
– أنا…
أنا آخر واحد؟
قال عم صالح:
– لسه.
بس قريب.
ثم أكمل:
– اطلع جوّه.
قبل ما تقع.
– جوه؟
جوه إيه؟
– جوه نفسك.
الأوضة اللي سبتها مقفولة من زمان.
لو ما فتحتهاش…
هتقع زيهم.
في تلك اللحظة،
مرّ ساكن جديد من أمامهما.
شاب يحمل صندوقًا.
ابتسم لعم صالح وقال:
– مساء الخير يا عم صالح.
ابتسم الرجل العجوز…
ابتسامة هادئة،
وقال:
– أهلاً يا ابني…
تعال…
تعال عدّي من العتبة.
مرّ الشاب فوق العتبة.
نظر إليه عم صالح بعينين تقرآن طبقات الإنسان.
ثم قال لسليم:
– هو…
لسه واقف.
لسه جوّه.

في الصباح التالي…
اختفى عم صالح.
لم يجدوه أمام الباب.
لم يكن على الرصيف.
لم يره الحارس الليلي.
لم يلاحظ أحد متى غادر.
لكن أحدهم وجد عصاه الخشبية
موضوعة فوق العتبة تمامًا،
في المكان الذي وقف فيه عمرًا كاملًا.
وعلى الحائط بجوارها،
كانت هناك جملة مكتوبة بخطٍّ هادئ:
“كل واحد له عتبته…
واللي ما يعدّيهاش جوّه نفسه…
هيقع.”

سليم قرأ الجملة…
ثم دخل العمارة ببطء،
كما لو كان يدخل نفسه لأول مرة.
وفي داخله،
صوتٌ خافت،
يشبه صوت رجل حكيم وقف عمرًا أمام العالم،
يقول له:
“احرس نفسك…
قبل ما تحتاج حارس.”

تمت بحمد الله وتوفيقه.
: الاسم: محسن عبد الحميد ابرهيم
01097041028- 01283888722
مصر
https://www.facebook.com/share/1CQBw9K1Jc/

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى