مسابقة القصة القصيرة

قصة : حبر كاذب ..مسابقة القصة القصيرة بقلم / محمود خالد عبد الجواد .مصر

الاسم: محمود خالد عبد الجواد
الدولة: مصر
رقم التواصل: 01004907933
فيسبوك: https://www.facebook.com/mahmoud.qudsy/
عنوان القصة: حبر كاذب
================================================================
“ويدور الزمن بينا. يغير لون ليالينا. بنتوه بين الزحام والناس. ويمكن ننسى كل الناس. ولا ننسى حبايبـ..”، انتزعني من شرودي صوت قائد الطائرة “برجاء ربط الأحزمة استعدادًا للهبوط”، نزعتُ سماعتي وبصري عالقٌ عند شعار الطائرة وهو يقترب من نقطته الأخيرة في الشاشة المقابلة.
أدرتُ وجهي إلى النافذة، أرى بقايا السحب قبل أن تتلاشى وتعود الصورة إلى أسطح المباني المتكدسة. كم تمنيتُ أن آخذ من أحب، ونسكن فوق سحاب المدينة التي أعمل بها!
“سنين وسنين بتفوت ما نحس بوجودها ولا وجودنا”
لاحظتُ وجهي في مرآة النافذة، متى ظهرتْ تلك التجاعيد والشعيرات البيضاء؟ لا أنسى ذلك الشاب الذي حمل حقيبته وسافر بسترة تخبئ جواز السفر وخطاب التعيين، وقلم يطلّ من جيبي قبل عشرين ربيعًا، ولا يزال.
نظرتُ إليه وابتسمتُ بعينٍ مرقرقة، رأيتُه في درج أبي ليلة وفاته، ولم يفارقني، بحبره دفنتُ وورثتُ، وتزين توقيعي عقدَ زواجي بـ”وداد”، ونقشتُ اسم طفلي “وحيد” في سجلات الحكومة. سافرتُ وصارت الحياة رقمية، ولا يزال عيني الثالثة التي تحمل قبعة زرقاء تشبك في جيب سترتي.
“ولحظة حب عشناها، نعيش العمر تسعدنا”
لم أنسها يومًا، سنتان منذ فارقتها، عاهدت نفسي على أن يكون الفراق الأخير، تركتُها ونجلي في فيلا أنفقتُ من أجلها كل ميراثي، وأكملتُ تجهيزها برواتبي.
“صعب”. بها رددتُ على إلحاحها بمرافقتي في سنوات سفري الأولى، لظروف عملي، وردتْ على إلحاحي في سنوات الأخيرة، لظروف عملها.
وصلتُ إلى الفيلا، وجدتُ أخي “فايز” عند البوابة، بين جلابيب وفئوس، قرأتُ مفاجأته وضحكتُ وأنا أعانقه، لهذا لم أخبرهم بأني قادم، تخطيتُ الممر الحجري بين الحدائق، “عفارم عليك يا أخي، الفيلا كما طلبتُ منك بالضبط”.
رأيتُ زوجتي ونجلي، عانقتُهُما، لكن ما قرأته في عينيهما أطفأ جذوتي.
“خارج مع أصحابي”، قالها ابني ورحل، لم يمهلني كي أطمئن عليه، لم أجد وداد أمامي، جمود يسكن ملامح وجهها الغارق في المساحيق والشفاه المزدانة بالطلاء الأحمر.
رد مقتضب على أسئلتي، نصف ابتسامة عند حقيبتي الممتلئة بالهدايا، أعانقها ولا تتشبث بي، ظمآن أردت أن أروي أرضي القاحلة، ولكن. ماذا قالت؟ فايز؟
وقفت مشدوهًا. عين على اتساعها ينزل منها خيط سائل فوق فوهة بركان خامد أوشك لهيبُه على الانفجار.
ماذا. كيف. متى. أين. لماذا؟ كل الأسئلة قيلتْ، ردها لم يعدْ مقتضبًا، تسترسل، تصرخ باكية، لم أسمع سوى “أنا بريئة” و”أنت السبب”.
“ونظرة من بعيد لبعيد تقول حبيت. ورمش يقول غلبني الحب”
وقفتُ عند البوابة، أراها خلف النافذة، عيناها معلقتان به وهو يقطف الثمار، أحدهم يربت على كتفي، ويسألني “هل هذه فيلا الأستاذ فايز؟”، ولم أرد.
أسير في الطرقات بلا هدى، أرى العمارات عملاقة خانقة، بينها ضاقت الممرات، الشمس على أوجها لم تنر ظلمتي، أذوب في لهيبها ولا أكاد أراها، وجوه هلامية وأجسام بأربع عَجَلَات تذهب وتجيء. ذقتُ الغربة في وطني الذي صرت به وحيدًا.
رنّ هاتفي، زميلتي “صدّيقة”، تحسستْ قلمها الذي رافقني سهوًا في حقيبة يدي. أخبرتُها متلهفًا أن تمزق طلب الاستقالة الذي وقّعتُه بقلمي، ولا تقدمه لصاحب العمل.
عدتُ في زيارة خاطفة. التقطتُ قلمها، أنهيتُ زيجتي بكلمتين في ورقة بيضاء، تركتُ معها ألمي عند الطاولة ورحلت.
بضع ساعات وعدتُ فوق السحاب. تأملتُ في قلمها وأعدتُ السماعة إلى أذني.
“لسه مشوار الحياة شايل لنا وقفات. معالم في طريق الحب أحلى بكتير. من اللي فات من اللي فات”.

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى