مسابقة القصة القصيرة

قصة : مرآة العالم . مسابقة القصة القصيرة بقلم / فاطمه حامد محمود فرج ..مصر

فرع القصة القصيرة
الاسم / فاطمه حامد محمود فرج
الدولة / مصر
اسم الشهرة / استينا الشامي
رقم التواصل والواتساب
01227972665
رابط صفحة الفيسبوك
https://www.facebook.com/share/19z64iDNKW/

القصة
مرآة العالم
تميل الدنيا من حولي، ويهبط قلبي دفعةً واحدة من شدّة الدهشة.
من جهة الحمّام يصلني أنين مكتوم، كأن صاحبه يضغط على ألمه كي لا يوقظ أحدًا. أهرول نحو الباب الموارب، فأرى ظله منحنياً، يستند إلى الحائط، وشفتيه منقبضتان على وجع أثقل من جسده.
أعود بعينين دامعتين، وأصرخ في وجوه من حولي:
— وكيف نصمت على هذا؟
تأتيني الإجابة ببرود صار مألوفًا:
— لا نملك مالًا… أسبوع كامل نعيش على فتات الخبز ورقائق الجبن.
أفهم حينها كم كان يحتمل بصمت، وكم حاول أن يكون أقوى من ألمه، لكنه اليوم لم يعد قادرًا على الاحتمال.
تسقط الملاءة المضرّجة دمًا، وينفجر داخلي شيء كان صبري كله معلّقًا به… فانقطع.
يحملونه أمامي، فأشيح بوجهي. لا أدري: أهو خوف، أم خجل، أم عجز لا اسم له.
بعد أيام يخضع لعمليته الجراحية.
وأنا أراقب عودته البطيئة إلى الراحة، كأن كل يوم يمر يعيد إليّ جزءًا من نفسي كنت قد فقدته فيه.
تتزاحم الذكريات بمرارتها: ليالي البرد القاسية، وهو يحرس في صمت شوارع خاوية، وعلاقة أنهكها العناد والخلاف طويلًا.
أزوره كل يوم.
وهو يتبعني بنظرة محمّلة بأسئلة لا يطرحها. أتهرّب منها، وأغادر مسرعة، أحمل حقيبتي، وفي صدري كلام ثقيل لا يعرف طريقه إلى الخروج.
أفتح نافذة الحافلة، فيعانقني هواء الصباح، ويبدو الطريق كأنه يمتد داخل صدري.
أرى عامل النظافة يجر أدواته، كتفاه منحنيتان فوق أرض لا ترحم.
يمر رجل يبيع ملابس في حقيبة مهترئة.
وأرى معلمتي عند البوابة، تمرّر راحتيها ببعضهما علها تصنع دفئًا، ثم تستقبل الطالبات بابتسامة لا تنكسر.
كأنني أرى العالم للمرة الأولى.
أما هو… فما زال يراقبني. فيتحوّل كل ما حولي إلى مرآة واسعة، أراه فيها، ولا أستطيع الهروب من شعوري نحوه.
أعود كل يوم.
أرتّب سريره، أعد دواءه، أقدّم له الماء، وأفتح النافذة حين يطلب الهواء.
يصمت، لكنه يفهم أكثر مما يقول. ثم ينطق أخيرًا:
— بارك الله فيك يا ابنتي.
كلمة واحدة، لكنها تعبر قلبي كنسمة دافئة، وتدخل أعمق الجروح، وتضيء داخلي خيط نور رفيع، يرتق ما تمزّق بالصمت والخجل.
أبتسم بصمت لا يُسمع… لكنه يُفهم.
وأدرك أنني لم أعد أخشاه، بل أراه.
حين يهمّ قلبي بأن أرمي الورقة، أكبح نفسي عن ذلك، خجلًا من أن أزيد الحمل على ظهر عامل مثله. صرت أنظر باحترام لكل من يسعى في رزقه، كأن بيني وبينه معرفة خفيّة.
ومنذ اليوم الذي تصالحت فيه علاقتي بأبي، اكتسبت حياتي وقلبي وكل ما حولي لونًا آخر… أجمل ممّا كنت أتخيّل.
أصبح العالم ملكي، يحمل نبضي ودمي.
فارحمهما، اللهم، كما ربّياَني صغيرًا.

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى