كتاب المجلهكتاب همسة

“القلم السوري” لا يعترف بسايكس- بيكو .. “الرابطة القلمية” وإرث الأمة السورية في مواجهة محاولات طمس الهوية

كتب جورج م. رياشي

في مدينة نيويورك، في حديقة عامة أقيم فيها نصب تذكاري يخلد ذكرى كبار أدباء المهجر، اندلع جدل لم تتوقعه بلدية المدينة الكبرى. فعندما وصفت اللوحة التعريفية جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وأمين الريحاني بأنهم “كتاب سوريون”، ثارت عاصفة من الاحتجاجات الرسمية في بيروت. طالب وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي “بتصحيح خطأ” جنسيات هؤلاء الرموز، وأكد أنهم “لبنانيون لا سوريون”، وأصدر توجيهاته إلى السفيرة اللبنانية في واشنطن لإجراء الاتصالات اللازمة لتصحيح النص. فيما اعتبرت الدائرة الثقافية في حزب “القوات اللبنانية” أن هذه التسمية تشكل “محاولة اغتيال للثقافة والهوية اللبنانيتين”. أما المؤرخ الدكتور عصام خليفة، فقد حذر من “خطورة تصنيف بعض الشعراء اللبنانيين كأدباء سوريين”، معتبرًا أن ذلك يمثل مساسًا بالهوية الوطنية.

لكن التاريخ لا يصنعه الوزراء، ولا تعاد كتابته بمواقف سياسية آنية، مهما كان موقع أصحابها. فالحقيقة الثابتة أن هؤلاء الأدباء العظام وُلدوا وعاشوا وكتبوا في زمن كانت فيه “سوريا” اسماً لأمة واحدة تمتد من جبال طوروس إلى سيناء، ومن الفرات إلى البحر المتوسط، قبل أن تأتي معاهدة سايكس بيكو لتقسم هذا الكيان الحي إلى أشلاء، وتصنع من الواحد المتجانس كيانات سياسية متباعدة. وهذه المقالة محاولة لإعادة الاعتبار للحقيقة التاريخية، وتأكيد أن الانتماء إلى الأمة السورية لم يكن يومًا عيبًا، بل كان مصدر فخر لأولئك الرواد، وأن هذا الانتماء لا ينتقص من لبنانيتهم الحالية ولا من أي انتماء آخر، بل يثري الهوية ويفتحها على رحابها المشرقي الواسع.

الرابطة القلمية السورية: صرخة أدباء النهضة في دفاع عن الأمة السورية قبل سايكس- بيكو

1- الرابطة القلمية السورية: المشروع الأدبي الجامع

في العشرين من نيسان عام 1920، اجتمع في نيويورك ثمانية من كبار الأدباء المهاجرين، وأسسوا كيانًا أدبيًا أطلقوا عليه اسم “الرابطة القلمية”، وانتخبوا جبران خليل جبران رئيسًا لها، وميخائيل نعيمة أمينًا للسر. لكن ما يغفله كثيرون اليوم أن هذه الرابطة لم تكن مجرد “رابطة قلمية”، بل كانت “الرابطة القلمية السورية” بامتياز، حيث ضمّت أدباءً جمعتهم سوريا التي انحدروا منها، سوريا الكبرى التي كانت أمهم ووطنهم الأول.

والأهم من ذلك أن تسمية الرابطة حملت الصفة “السورية” ليس اعتباطًا ولا مجرد تسمية شكلية، بل لأن أعضاءها أنفسهم عرّفوا أنفسهم بهذه الصفة. ففي نيويورك آنذاك، اعتُمدت التسمية “السورية” لتوصيف الجالية بأكملها، وكأنها لا تزال أسيرة التاريخ الذي كان يسبق التقسيمات الاستعمارية. وكان أعضاء الرابطة يشاركون في المسيرات الوطنية تحت لافتة الجالية السورية الأمريكية، ولهم منظماتهم الوطنية مثل “جمعية النهضة السورية”.

هؤلاء الأدباء، الذين جمعتهم الهجرة المشتركة واللغة العربية الواحدة والقضية الوطنية الواحدة، لم يعرفوا انقسامات سياسية في نيويورك. كانوا سوريين عندما يكتبون، سوريين عندما ينشرون، سوريين عندما يناضلون من أجل استقلال وطنهم الأم.

2- جبران خليل جبران: الروح السورية التي رفّت من بشري إلى نيويورك

جبران خليل جبران، ابن بشري اللبنانية، لم يكن يومًا بعيدًا عن سورية. لقد وُصف بأنه “الروح السورية المجنحة التي رفّت من بشري اللبنانية، فوق مسطحات البحار والمحيطات، إلى عالم الغرب، حاملة روح هذا الشرق السوري”.

في عام 1912، وفي رسالة مؤثرة، كتب جبران: “أنا لست وطنيًا… غير أن فؤادي يكتوي من أجل سورية”. وفي رسالة أخرى إلى ماري هاسكل عام 1917، عبّر عن مشاعره الجياشة تجاه وطنه الأم، وقال إنه لا يستطيع أن يتخلى عن سوريا لأنها “الأم العليلة”. … لكن سوريا الضعيفة والأم العليلة، أم خاصة جداً، فليس بوسع المرء أن يتركها لمجرد أنها عليلة”. وحين أسس عام 1916 “الجمعية السورية” في نيويورك، لم يكن ذلك عملاً خيريًا عابرًا، بل كان تعبيرًا عن انتماء روحي عميق يتجاوز الحنين العابر. يقول جبران عام 1912: “أنا لست وطنياً… غير أن فؤادي يكتوي من أجل سورية.

“لو أن موتي سيفعل شيئاً عظيماً من أجل سوريا، فلتأخذ سوريا حياتي”.

وفي تمثيليته الحوارية: “بين الليل والصباح 1919” يقول: “أوه ما أعظم بليتك يا سوريا، إن أرواح أبنائك لا تدبّ في جسدك الضعيف المهزول، بل في أجساد الأمم الأخرى، لقد سلتك قلوبهم وبعدت عنك أفكارهم، يا سوريا، يا سوريا، يا أرملة الأجيال وثكلى الدهور، يا سوريا يا بلاد النكبات، إن اجسام ابنائك لم تزل بين ذراعيك، أما نفوسهم فقد بعدت عنك، فنفسٌ تسير في جزيرة العرب، و نفسٌ تمشي في شوارع لوندرة لندن ، ونفسٌ تسبح مرفرفة فوق قصور باريس، ونفس تعدّ الدراهم وهي نائمة. يا سوريا يا أماً لا أبناء لها”.

ويكمل: “اسمعوا أيها المسجونون في سجن ضمن سجن ضمن سجن، ليست سوريا للعرب، ولا للإنكليز، ولا للفرنسيين، ولا لليهود، سوريا لكم ولي. إن اجسامكم التي جُبلت من تربة سوريا، هي لسوريا، وارواحكم التي تجوهرت تحت سماء سوريا هي لسوريا، وليست لبلاد أخرى تحت الشمس. فأنا سوري وأريد حقاً سوريا، وحرية سوريا لسوريا”.

وفي إحدى رسائله، كان يوقّع أحيانًا بعبارة “بشري – سوريا”، ما يدل على أن مفهوم سوريا كان مفهومًا جغرافيًا وحضاريًا شاملاً يشمل كل بلاد الشام. ووصفته إحدى الصحافيات الشهيرات بأن سوريا كانت عنده “كرمة قد نمت قدماً أمام الشمس” .

لقد كان جبران من الأوائل المنادين بوحدة سورية الطبيعية، وكان يكتب ويخطب ويجمع التبرعات من أجل أبناء وطنه السوريين. وهو أول رئيس للرابطة القلمية، وكان يصر على تسميتها “بالسورية” لأنها ضمّت أبناء أمة سورية واحدة.

وكان جبران سباقاً في خدمة قضية سوريا، حيث أسس عام 1916 في نيويورك “الجمعية السورية” لمساعدة المتضررين من المجاعة التي اجتاحت سورية في تلك الحقبة. وفي كتاباته، يردد دائماً نداء الألم: “مسكينة سوريا، ما برحوا يحفرون في صدرها”، داعياً أبناءها إلى الاعتماد على الذات بدلاً من التطلع إلى حكومات أجنبية تحل مشاكلهم.

جبران كان الأكثر بين رواد النهضة تمردا وتعبيرا عن قوميته وانتمائه السوري نثرا وشعرا وفنا ونشاطا. فهو من رسم  في 11/11/1918 “سوريا الحرة” لحظة انسحاب الجيش العثماني من سوريا، فجسد امته بلوحة للمرأة الحرة المشعة ثقافة وانتماء وارادة على الحياة والنهضة، تنظر الى العلى رافعة رايتها ” على انقاض ماضينا سنبني مجد آتينا ” سار خلف حامليها المتظاهرون فرحا بالتخلص من النير العثماني.

أليس هو جبران خليل جبران السوري الإنتماء والمولود في “بشري- جبل لبنان – سوريا”  حسب نصه هو، اليس هو ذلك المهاجر قسرا والمتمرد اجتماعيا  والمفعم نفسيا بما سماه سعاده في كتابه نشوء الامم لاحقا ” الأثم الكنعاني” فعبر عن “اثمه الكنعاني السوري” في كتابه “النبي” عن لوعة الغربة وعودة المصطفي الى شواطئ سورية، اليس هو جبران السوري بالأنتماء والبشراوي بالولادة ، الفيلسوف المتمرد الذي حاور الله مجسدا وممثلا بالدهر في رائعته النثرية ” الدهر والأمة ” يشكي جبران لوعة قلبه وقلب امته الممزقة بالتقسيم، الرازحة تحت ضغط الجوع والحزن ونير العبودية ؟ الم يلاحظ هؤلاء المنتقدين إن قرؤا، كم كان جبران تواقا لنهضة امته السورية – زهرة الحضارة – المطمورة في رماد الإنحطاط، الم يكن هو جبران والى جانبه رواد النهضة والرابطة القلمية السورية، بنظرون الى سورية الفينيق المنتفض من الرماد عندما ينهي رائعته بالتحية ” الوداع ايها الدهر – بل الى اللقاء يا سوريا” كرائعة ادبية مدرحية تعبر عن توقه لنهضة امته وعودتها الى الصراع في معترك الأمم.

3- ميخائيل نعيمة: المؤسس الذي كتب دستور الرابطة

أما ميخائيل نعيمة، صديق جبران ورفيقه في الرابطة، فلم يكن أقل منه انتماءً لسورية. فقد جعل من أدبه ونقده منبراً للدفاع عن قضايا الأمة السورية. في كتاباته، يردد نعيمة فكرة “أن من يريد أن يخلص في حبه لسوريا، عليه أن يتخلى عن ولائه لأي قوة أجنبية، وأن يعمل من أجل بناء أمة سورية قوية موحدة.”

وقد كتب نعيمة في مقدمة كتابه “مذكرات الأرقش” معتبراً أن لكل أمة حق أن تزدهي بكتابها وشعرائها، وأن من حق الأمة السورية أن تفخر بعباقرتها الذين رفعوا راية الأدب والفكر في المهجر.

عندما عاد نعيمة إلى لبنان عام 1932، لم يتخلَّ…

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى