كانت القرية صغيرة، يعانقها الزرع من الجهات الأربع، ككفّ خضراء تضمّ ما تبقّى من سكينة العالم.في طرفها الشرقي، خلف صفّ من أشجار التين والجوافة، تنتصب بئر قديمة يعرفها الجميع باسم “بئر أمّ السرّ.”
لم يُستعمل ماؤها منذ سنين طويلة، حتى قيل إنّها شاخت عن الإرواء، وإنّ الناس بدؤوا يلقون فيها أسرارهم بدل دلائهم.
تحكي الجدّات أن امرأة تُدعى أمّ السرّ، لم يعرف أحد اسمها الحقيقي، كانت تعالج المرضى وتعين الحوامل وتكشف الخائن من الصادق، وتفصل في أنسابٍ ظنّها الناس مشبوهة.
وفي ليلةٍ شتويةٍ مظلمة، وجدوها ميتة في قاع البئر، شعرها الأسود ملتفّ حول عنقها، ووجهها نحو السماء.. مبتسمة.
منذ تلك الليلة تغيّر كل شيء،من يقترب من البئر بعد الغروب يُصاب بالهذيان، ومن يجرؤ على النظر فيها يسمع نحيبًا عميقًا لا يُشبه صوت امرأة ولا ريح، كأن البئر تُعيد إلى المرء ما دفنه فيها: ذنوبه، مخاوفه، وسرّه الذي ظنّه نجا.
في موسم القمح، حين ترتدي أراضي القرية اصفرار السنابل، جاء شاب يُدعى حسام.
كان باحثًا في الفولكلور والأساطير، سمع عن البئر قديمًا من خالته “تحية”، وحين كبر لم يزل صداها يلاحقه، فقرّر أن يكتب عنها دراسة.
استقبلته خالته بوجهٍ سمحٍ وترحابٍ صادق، لكنّ أسئلته عن البئر أيقظت في عينيها ريبةً قديمة.
قالت له بصوتٍ متوجّس:
“خذها نصيحةً يا ولدي، لا تقترب منها.. البئر لا تُحب من ينبش سرّها.”
لكنّ حسام لم يكن يخشى القصص، بل كان يلهث وراءها.
حين انتصف الليل، خفتت أصوات القرية، ولم يبقَ في الشوارع سوى نباحٍ متقطّعٍ لكلابٍ بعيدة، وصوت بقرٍ جائع.
حمل كشافه ودفتره، وتسلّل من بيت خالته حتى لا توقظه، ومضى شرقًا نحو البئر.
كلما اقترب، أحسّ بثقلٍ في الهواء، كأن الأرض تمسك أنفاسها.
لا صوت لأشجار، لا نقيق لضفادع، لا همس للريح… سكونٌ يثير الرعب أكثر من الصخب.
وقف عند حافة البئر ونظر إلى داخلها.
لم يجد ماءً، بل عتمةً كثيفةً تتدلى بلا نهاية، كأنها فمٌ مفتوح على الهاوية.
ثم جاء الصوت:
” حساااام…”
ارتجف قلبه.
لم يكن أحد في القرية يعرف اسمه سوى خالته.
استدار حوله، فلم يجد أحدًا.
“اقترب أكثر…” همس الصوت.
تقدّم ببطء، وقدماه ترتجفان كأن البئر تشدّه لا بجاذبية الأرض، بل بجاذبية الذنب.
ثم سمعها ثانية، بنبرةٍ أقرب إلى العتاب منها إلى النداء:
“أين كنتَ في تلك الليلة يا حسام؟”
سقط الكشاف من يده، وانحبس صوته في صدره.
تدفّقت الذكريات كفيضانٍ أسود:
الليلة التي ترك فيها صديقه ينزف على الطريق،
الليلة التي أقسم فيها أنّه لم يكن السائق،
الليلة التي دفن فيها سره.
“لا أحد ينجو من أمّ السرّ…”
كان هذا آخر ما سمعه قبل أن تمتدّ من قاع البئر يدٌ بيضاء طويلة، أمسكت بعنقه وسحبته إلى الداخل.
لم يسمع أحد صراخه، سوى العتمة.
في اليوم التالي، عثر أطفال القرية وهم يلعبون على دفتر عند فوهة البئر، مفتوحًا على صفحةٍ واحدة كتب فيها:
“من ينظر في البئر، يُرى من الداخل.
ومن يُخفي سرّه في الأرض… يعود إليه ميتًا.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون