مسابقة القصة القصيرة

قصة : تعويذة الخلاص . مسابقة القصة القصيرة .بقلم / سيد علي تمار ..الجزائر

 تعويذة الخلاص ! “

كان الهدوء يفرض سطوته المطلقة على تلك الغرفة المنعزلة المطلّة على ضفاف البحيرة الزرقاء ، لكنّه لم يكن هدوءً يبعث على السكينة أو يدعو للرّاحة ، بل كان صمتًا ثقيلاً، و لزجًا، يشبه صمت المقابر قبل البعث ، صمتًا تسمع فيه دقّات قلبك وكأنًها طبول حرب تقرع في أذنك .. في تلك الزّاوية المظلمة، كان صرصور الليل يواصل عزف “معزوفة الرحيل” برتابة موحشة ، تلك النّغمات المتكرّرة التي حوّلت المكان إلى أوركسترا جنائزيّة، شُخوصها لم تكن سوى جذوع بُنيّة ضخمة من أثاث الغرفة ، وقد ألبسها سواد الليل رداءً مهيبًا ، فبدت وكأنّها وحوش قادمة من عصور غابرة تراقب أنفاسه المتقطعة…
تسمّر الرجل في مكانه، وعيناه شاخصتان نحو القمر الذي بدا في تلك الليلة شاهداً لا يرحم ، يُرسل خيوطه الفضِيّة لتكشف ما وارتْه الظُّلمة .. كانت التّجاعيد المحفورة على ناصيته تحكي قصص سنوات عجاف ، لم تكن مجرّد علامات للزمن ، بل كانت وديانًا جافّة سكنتها الخيبات والهموم ، ومع كلّ حركة طفيفة ، كانت طقطقة أصابعه المرتجفة تدوِّي في سكون الغرفة كأنّها قنابل تنهمر من علياء سمائه الخاصة ، لتفجّر ما تبقّى من أمانٍ هشة في قلب ذلك الرجل الهاجع الذي جافاه الكرى .. وكأنّ كلّ طقطقة هي صرخة مكتومة لضحية قديمة.

صراع مع عقارب الساعة المتوقّفة
كانت الدّقائق تزحف ببطء مقيت، كأنها تعاني سكرات الموت ولا تريد الانصرام. كلّ ثانية تمر كانت تزيد من حدّة الألم الذي لا يطاق؛ ألمٌ ليس في العظام أو العضلات ، بل في مسامات الروح التي استباحت براءة ذلك المنهك… ومع كلّ “زفرة” تخرج من صدره المُثقل بالأنفاس ، كان يشعر بجزءٍ من كينونته يُنتزع بقسوة ، لقد صار الزّمن عدوّه الأول ، والليل سجّانه الذي لا ينام .
اشتدّ الخطب حين غرق مضجعه بالعرق البارد ، ليس عرق الحمّى الجسديّة العارضة ، بل عرق الروح التي تطبخ على نار النّدم الهادئة ، نهض من فراشه الذي بات يحمل “أوزار الصباح” قبل أن يُشرق ، يرتعش في وقفته كمن تلبّسه مسٌّ من شياطين الماضي التي لا تظهر إلا حين ينام العالم ! .. شفتاه اللّتان أطبقتا عن الكلام لسنوات ، انفتحتا أخيرًا ، لكن لم يخرج منهما صوت جهوري ، بل خرج همس محتشم ، ضائع في أرجوزة “النّبس” الغامضة ، كأنّه يرتّل تعاويذ الخلاص من لعنة أبديّة طاردته منذ تلك اللّحظة المشؤومة ! .
مواجهة “بنات الليل” وحواطب الذّكرى
أخذ نفساً عميقاً ، حاول فيه أن يستجمع شتات نفسه المبعثرة في أغوار الصراع النّفسي المرير الدّائر في غيابات روحه ، نظر إلى الأفق مستعجلًا الصّباح ، وكأنّ الضّياء يملك ممحاة سحريّة قادرة على غسل سواد سريرته … أراد أن يصرخ بملء شدقيْه ليحطّم جدار الصّمت: “كفى… كفى! أريد سلاماً… أريد عافية!”.
كان يدرك في قرارة نفسه حجم الخطيئة، يعترف لنفسه بمرارة بزلّته، لكنّه يتساءل بوجع : “أما لِهذا العذاب من آخِر؟ ليس هذا موعد جلدنا يا بنات الليل!”.. و”بنات الليل” هنا لم تكن سوى أفكاره السّوداء ، وهواجسه التي تنبت مع غياب الشّمس كالفطر السّام… بدأ يرى على جدران الغرفة خيالات بياض تحكي قصص أرواح طاهرةٍ خُطفت بغتة ، أرواح أزهقتها أنامل “القنص” الغادرة التي كانت يوماً ملكاً له ، حاول أن يرسم على وجهه ابتسامة تحسّباً لطلوع الفجر ، ظنّا منه أنّ النّور قد يحمل صك الغفران ، لكن هيهات هيهات! فقد أقسم الليل بسواده الدّامس أن يسردَ تفاصيل جُرمه كاملة ، ناسجًا سيناريو أبطاله “حواطب ليل” يجمعون حطب ذكرياته المُرّة ليوقدوا بها نارًا تقضّ شمل راحته وتأكل كريمَ عيشه وما تبقّى من مروءته…
شمس الحقيقة تحت دخان السيجارة ، هكذا كان يبدو الجوّ في تلك الغرفة البائسة …
سارع الخطى نحو بهو المنزل، يهرب من ضيق غرفته إلى سعة البهو، لعلّ الهواء المتجدد يطرد رائحة العفن المعنوي القابعة في صدره ، أشعل التلفاز ليهرب من صمت نفسه إلى ضجيج العالم الخارجي ، وأشعل سيجارة أخرى زادت الجو غيومًا كثيفة.. لم تكن تلك الغيوم مجرد دخان تبغ ، بل كانت ستائر صنعها ليحجب بها “شمس الحقيقة” التي بدأت تشرق في دهاليز ضميره.
كان شريط الأخبار “الاستعجالي” أسفل الشاشة يتكرر برتابة قاتلة ، وكأنّه رسالة مشفّرة موجهة إليه شخصيًّا، ركّز ناظره المجهد الذي أكله السّهر، فإذا بالكلمات تصفعه صفعة لم يتحملها كيانه المهزوز .. قرأ بذهول: “مقتل رجل بسبب طلقة نارية طائشة من عمق الفؤاد!”.
تسمّر مكانه كأنه صخرة هوت من جبل شامخ… لم تكن الطلقة رصاصاً معدنياً خرج من فوهة بندقية ، بل كانت حقيقة روحية أصابت لُبّ فؤاده الذي ظنّ أنّه تحجّر ! .. بهت الرجل ، وتجمّدت الدماء في عروقه، أطفأ التلفاز بحركة آليّة وكأنّه يطفئ شعلة حياته الأخيرة، وغرق في صمت مطبق وهو يهمس لنفسه بكلمات تقطر مرارة: “دعوات الثكالى أوثقتني مرارة النوم”.

أ. سيد علي تمار

الجمهورية الجزائرية

213 555160288

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى