الاسم /روعه عماد أحمد
العنوان /سوهاج
رقم الفون /01102621017
لينك صفحة الفيس/ https://www.facebook.com/rawaa.emad.742048?mibextid=ZbWKwL
العنوان:
«حين تأخر الندم عند عتبة الدعاء»
لم يكن البيت قديمًا، لكنه كان مثقلًا بالصمت، صمتٍ لا تصنعه الجدران بل تصنعه القلوب حين تتباعد.
في ذلك البيت نشأ آدم، شابٌ عرف طريق العلم مبكرًا، وفتح له النجاح أبوابه سريعًا، حتى ظن أن الدنيا قد منحته مفاتيحها كاملة، ولم يدرك أن مفتاحًا واحدًا فقط كان مفقودًا… رضا والديه.
كانت أمه امرأة هادئة الملامح، كثيرة الدعاء، لا ترفع صوتها إلا بالذكر، ولا تشتكي إلا إلى الله.
أما أبوه، فكان رجلاً أنهكه العمل، وأثقلت كتفيه السنين، لكنه لم يُنقص يومًا من واجبه، ولم يبخل على ابنه بشيء سوى الشكوى.
كبر آدم، وكبرت معه ثقته بنفسه، حتى تحولت الثقة إلى غِلظة، والاعتماد على النفس إلى استعلاء خفي.
صار يرى نصائح أبيه تكرارًا مملاً، ويرى دعاء أمه خوفًا زائدًا عن الحد.
كان يجيب أمه ببرود، ويؤجل حديث أبيه بحجة الانشغال، ويغلق باب غرفته طويلًا كأن العالم كله خلفه لا يعنيه.
ذات مساء، عاد متأخرًا، فوجد أمه تنتظره عند النافذة، عيناها متعبتان، وشفتيها تلهجان بدعاء لم تسمعه أذناه.
قالت له بهدوء:
— تأخرتَ يا بني… قلبي لم يهدأ.
ردّ دون أن ينظر إليها:
— لا تكبّري الأمور، أنا أعرف مصلحتي.
لم تبكِ، لم تعاتبه، فقط دخلت غرفتها، وأغلقت الباب بهدوء موجع.
أما الأب، فكان صمته أشد قسوة من الكلام.
كان ينظر إلى ابنه طويلًا، كأنه يريد أن يقول شيئًا ثم يتراجع، حتى اعتاد آدم ذلك الصمت، ولم يعد يشعر بثقله.
مرّت الأيام، وتتابعت النجاحات، وابتعد آدم أكثر، حتى صار البيت محطة عابرة لا مقامًا.
وفي أحد الأيام، عاد ليجد أمه طريحة الفراش، جسدها واهن، ونظراتها معلّقة بسقف الغرفة.
اقترب منها على استحياء، أمسك يدها، فابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بصوت مبحوح:
— لا تخف يا بني… أنا بخير… فقط ادعُ لي.
تجمّد لسانه، لم يعتد الدعاء، ولم يعتد أن يكون هو السند.
خرج من الغرفة سريعًا، كأن ضيق صدره يهرب من عينيها.
وفي الليلة نفسها، جلس الأب وحيدًا في فناء البيت، يسبّح بهدوء، ثم قال لابنه دون أن يلتفت:
— يا آدم… البر ليس طاعةً عند الحاجة فقط، البر حياة كاملة… قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الاعتذار.
لم يجب آدم.
دخل غرفته، وأغلق الباب كعادته.
وفي الفجر، ارتفع صوت الأذان حزينًا على غير عادته.
دقّ الأب باب غرفة ابنه، لم يطرق هذه المرة، بل فتح الباب، وعيناه دامعتان.
قال بصوت منكسر:
— أمك… سابقةٌ إلى رحمة الله.
سقطت الكلمات على آدم كصاعقة.
لم يبكِ فورًا، لم يصرخ، فقط جلس على الأرض، ينظر في الفراغ، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة التي لم يقل فيها: سامحيني.
في الأيام التالية، امتلأ البيت بالناس، وبقي قلب آدم فارغًا.
كان يسمع عبارات العزاء، لكنها تمرّ عليه بلا أثر، حتى خلا البيت، وبقي الأب وحيدًا أكثر من ذي قبل.
حاول آدم الاقتراب من أبيه، لكنه وجد بينهما مسافة لم تكن موجودة من قبل.
صار الأب أكثر صمتًا، وأكثر انكسارًا، وأقل حديثًا.
وذات ليلة، دخل آدم غرفة أمه، فتح خزانتها، فوجد دفتراً صغيرًا.
كان مذكراتٍ كتبتها بخطٍ متعب، وفي آخر صفحة قرأ:
“اللهم إن قصّر ابني، فاغفر له، وإن قسا، فاهدِ قلبه، وإن نسي، فلا تنسه ذكرك، واجعل رضاي عنه سببًا لرضاك عنه.”
انهار آدم باكيًا لأول مرة.
أدرك أن الدعاء الذي كان يراه خوفًا، كان حصنه الحقيقي، وأن البر الذي أخّره، قد لا يُعطى له فرصة أخرى كاملة.
خرج من الغرفة، توجّه إلى أبيه، قبّل يده، وجلس عند قدميه صامتًا.
لم يقل شيئًا، لكن الدموع كانت أصدق من كل الكلمات.
رفع الأب عينيه إلى السماء، وقال بصوت خافت:
— الحمد لله… ما دام القلب قد استيقظ، فالباب لم يُغلق بعد.
وفي تلك الليلة، سجد آدم طويلًا، دعا، وبكى، وسأل الله أن يقبل توبته، وأن يجعل ما بقي من عمره برًّا لا ندمًا.
لكن السؤال الذي ظل معلقًا في قلبه، ولم يجد له جوابًا حتى الآن:
هل يكفي الندم إذا جاء متأخرًا؟
أم أن بعض القلوب لا تُختبر إلا بعد أن تفقد من كان يستحق البر أولًا؟
ك/روعه عماد
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون