مسابقة القصة القصيرة

قصة :   قبل أن يجف عصير المانجو ..مسابقة القصة القصيرة بقلم / فاضل العباس ..العراق

                              قبل أن يجف عصير المانجو

تجاوز عن تلك اللحظة الصعبة التي وِضِعْتَ فيها؛.”لماذا تُأنب روحك  وتحاسبها بشدة كأنها في روح القيامة،لا يحصل أكثر مما توقعت وهي الآن تُسمِعُكَ كلمات قاسية يتوارى خلفها  كل الكذب الذي عشته طيلة عامين من البعد عنها برسائل واتصالات تنتظرها أن تُحي روحك المنبوذة من أمراضها، أليس من الغرابة أن لا أحلام يمكن أن تتحق سوى أكاذيب ولعنات للزمن المستهلك في الإنتظار والطواف  في دوائر الوهم وتخيلات الأحساس الروحي، وحساب الكسب والربح وما ستعطيه لها لليلة واحدة؟ ربما أضعاف ما تعطيه لعاهرة أرادت أن توقع بك وتسرقك بعد أن تبضعت بكل ماتشتهي من فساتين وعطور وهدايا ثم حاولتْ التملص من عهودها بالمبيت معك.رغم أنك أعددت كل شي للمائدة من طعام وشراب ولم تنسى الواقي الذكري لحلم تلك الليلة. لكنك في لحظة المغادرة كنت جسوراً أكثر مما توقعت في داخلك من جُبنٍ وهزيمة. أنتفض الرجل الآخر فيك ليثور بوجهها. من أيقضه من أيقض  تلك الذكورة في أعماقك؟ وأنت المنكسر نفسياً الذي طالما سقط في كمائن  الحائكين.ربما ستدرك الآن أن “أنطونيوس)\” الذي هزمه الحب فخسر معركة اشرس من معركة “أكتيوم البحرية” كان بمقدروه أن يصنع مركباً قوياً يصارع به الموج والحرب لكنه هُزم في معركته مع كيلوبترا”.

تستحق روحك التصفيق لتلك الوقفة الرجولية  حين قلت لها: “هذا مخالف لما اتفقنا عليه،هاتِ ما أنفقته وارحلي! .”حاولت أن تطرحك ببضع كلمات تموسقت بها بغنج “ما بك يا حبيبي؟ وساوافيك في وقت آخر”.

 المرأة التي تجلس أمامك الآن في المقعدِ الساخنِ أَرادتكَ مهزوماً ​مستسلماً لإرادتها وقوتها.ذكريات اللقاءات الأولى أمست حلماً وفي هذا اللقاء أدعت إنها مصدومةٌ  من نواياك الخبيثةَ بإفراغَ شهوتك في حضنها الممتلئ. لا أكتم سراً كُنتَ تتشهى جسدها الثائرالغافي في سبات بلا قُبل، بلا منْ يوقد النار في براكينه الخامدة منذ سنوات.أرض عطشى تنتظرمطراً من مُزنٍ.

في خيالك تبدأ بقبلةٍ ،ثم تسحبك إلى غرفتها وتخلع كل ما يسترها لتقول »هات لك« وأنت تردُّها بوقارٍ:»معاذ الله  أن أقترب منكِ إلا بالحلال« لكن سقف توقعاتك إنهار في لحظة الموجهة اللامتوقعة من زمن الإنتظار الحارق.كأس عصير المانجو المصلوب أمامك في حسابه العسير، حين تَركَتْه في مقهى”أولد ستريت ” عند “محطة الرمل” يجفُ بلا قبلةٍ من شفاهِها  تُبقي أثراً للحمرةِ على حافاته المتلهفة  للقبل،لاذتْ بالفرار بعذر تافهٍ.

…………………..

الهاتف على الجانب الأيسر من السرير ينتظر صوت أنثى ليرقص مع الموسيقى.هل للهواتف رغبة جنسية مثلُنا؟ لماذا تهتز ويتغيرصدى صوتها مع الصوت النسائي،وتُغير نغمتها المكررة ببلادة كمخمورينشد أناشيد إغريقية في دروب أثينا.الساعة الثامنة وهي قد وعدتْ أن تنطلق مع أول خيوط الفجرللقاءِك.دَبَتْ الروح في  الهاتف و دون تحية:”صعب أن ألتقيك هذا الصباح عليَّ حضورمأتمٍ  لقريبٍ لنا فلايهم ساحاولُ لقاءك في وقت آخر!”.

 غادرتَ الشقةَ دون وجهة وفي الباص القرار.الشوارع خالية، من المارة في منتصف نهارٍحارٍ لاهبٍ وشمسٍ متعامدةٍ .وجدتَ جسدكَ  في الباص، ألقيته في أقربِ مقعدٍ بعد أن سمعتَ السائق ينادي “باب الشعرية”. المكان مزدحم  ترتادَه لأول مرة. فكرتَ في تناول طبق من السمك،في محلٍ شعبيٍ.سألتَ المارة َعن  إتجاه” شارع المعز” وأخترقتَ صفوف الغادين والرائحين تمرُ بين أسواق فرعية تعرضُ بضائعَ متنوعةً بين غذائية ومنزلية وصناعة محلية لتجد جسدكَ في منتصفِ “شارع المعز”.هدوء بلاضجيج سيارات،محلاتٍ تروجُ  لموديلاتٍ من التماثيل الفرعونية والتراثية،حركة محدودة لبَشرةٍ شقراء وبرونزية،ونارية،وشَعر لم تشرقْ  عليه الشمسُ هارب من ملابسٍ شفافةٍ تكشف ما تحتها من ملابس داخلية واللحم اللذيذ.صورة فوتوغرافية ليس فيها ما يخدش ألا قلبي؛ لقد أتيتُ خيالاً روحياً وأطيرفي خيالٍ بأجنحة صنعها”عباس بن فرناس”لأسقط هنا، وأعوض خيبتي.صوتُ “جوهر الصقلي” يهمس: “هنا القاهرة”.

دق هاتفكَ مرة آخرى:

– أنا أسبقك إلى(الجاردن).. في مكانٍ جميلٍ على النيل؟، عليك أن تأتي بسرعة.اسأل سائق التكسي سيدلك على المكان.

المسافة بعيدة والزمن يخونك،حاولتَ التبريرلكنها أصرتْ.خضعتَ  لأوامرها  وتنازلت عن عرش كبرياءك” تركت صحن السمك الساخن ليبردومسحت فمك بمندبل مبلل،وأسرعت الخطى في ممرات ضيقة لإختصارالمسافة محاولاً الوصول لنهاية الشارع الخالي من العربات.أين قوتك يا “لويس الخامس عشر”؟كنت هشاً  أمام “عشيقتك “ماركيز دي بومبادور”فأسقطتك من سمائك إلى أرضها  لتندلع الثورة في شوارع باريس.

عند ناصية الشارع تقف سيارة الأجرة لصيد المغفلين من الغرباء الذين يجهلون الوجهات ومقدارالأجرة ويثقون بما يقوله السائق.ارتميت في المقعد الأمامي ولم يبتعد تفكيرك كثيراً  حين طلب السائق مبلغاً مبالغاً فيه،لكنك  كنت مُضطراً لشراء الوقت.بعد مسافة قصيرة،رفع السائق هاتفه ليوهمك بتمثيلية متقنة؛ تأفف وزفروأشعل سجارة أخرجها بأسنانه من علبة كارتونية،ثم التفتَ إليك بذوق مصطنع  مستأذناً التدخين

 – أتسمح ليّ يأفندم أن أدخن ؟

ماذا تتصورردك سيكون على رجلٍ: السجارة مولعة في فمه والدخان يحتل جو سيارةٍ كعلبة السردين، فخفضت زجاج السيارة  لتغير الهواء  الذي بات ثقيلاً مشبعاً بالدخان مع زفرات السائق المُمثلْ لتغيرروح المكان وإلتصاقه حتى بملابسك وأنت المعطر للقاء والجاهز للإحتضان.بدأ الساضق حواره المسرحي عبر الهاتف:

– قلت لك أرجعي لا عليكِ سأدبر المبلغ،سأجري لها العملية حتى ولو بعت السيارة.اغلق الهاتف ليتصل اتصالاً آخر.

– كم تأخذ على الألف جنيه؟ (ستوميئة ده كتير مش حرام)..عاود الإتصال  بإمرأة ليؤكد  الفصل الأول من مسرحيته امامك.

– هذا يطلب (ستمائة)على الألف قلت له حرام،هذا نصاب. قلت لك سأسلم السيارة لأصحابها وأبحث عن عمل لتدبير المبلغ.

ضحكتَ في داخلك من هذا المحتال لقد نسي إنه قال منذ قليل: “سابيع السيارة “وأعمل لها العملية، ثم قال الآن “سأسلم السيارة لأصحابها”.تجاهلته ولم تعير له أي أهتمام بل حتى المبلغ الذي كان في  بالك بزيادة الأجرة قد شطبته وأعطيته مبلغ أجرته فقط وترجلت.

تحت ظل شجرة  كانت تجلس،فتاة في عقدها الثالث،تتلفتُ يميناً وشمالاً وهي تضع الهاتف على أذنها،وقفت،دارت في كل الإتجاهات ثم في إتجاه  بوابة المقهى لوحتْ بيدها..إنها هي  ..هي في زاوية المقهى  أمامك، أسرعتَ نحوها  دَنوتَ وابتسمتْ ؛هذا موعدك الثالث. بدأتْ تتطلعُ نحوك ببرودة هبط الصقيع ليثلج  المسافة التي قطعتها الطائرة وسنين الإنتظار.لاذت تتطلع بشرودها لزوايا المقهى. غابتْ من عينيها بل في وجهها أي حمرة رغم مساحيق التجميل وغلب الشحو؛ أين  حرارة الشوق لتذيب هذا الجليد المتساقط حولكم.تطلعتَ ليدها الممدودة نحوك ببرودة.امسكت اصابعها بحرارة فصرخت.. آه!.

في تلك اللحظة كدت تغادر المكان وتتجاهلها أو تصرخ  في وجهها فهي ليست “هي” التي كانت  في لهيب رسائلها وعدت بأن ترتمي  على صدرك وتبكي في حضنك.أهذه هي من ستكتب على جدران معبدها “هي التي من أجلها تشرق الشمس”كما كتب “رمسيس الثاني لنفرتاري” في  معبدها الخاص في “أبو سمبل”.

على طاولتها، تركت  كأس عصير المانجو بلا لون ولا رائحة ينشف في حرارة القيظ وغادرتْ لتشربَ كأساً في مكان آخر.

الاسم الكامل/فاضل عبد العباس مكطوف

الاسم الادبي/فاضل العباس/العراق

ت/009647827158919

Email/[email protected]

https://www.facebook.com/share/1

الاسم في صفحة الفبس فاضل العباس أو صفحة ثانيةfadelalabass

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى