مسابقة القصة

قصة : مقهى الفن . مسابقة الرواية . بقلم / يوسف القاضي .مصر

(مقهى الفن)

“يا فتَّاح يا عَلِيم… يا رزَّاق… يا كَرِيم…. أفرجْها يا رب”.

 هكذا استهلَّ المِعلِّم “عطوة” يومه بهذا الدُّعاء، وهو يأمرُ صبيه “مسعود” بفتح المَقْهَى الخاص به الشَّهير بمَقهَى”الفن”، والمُتواجِد بحَارةِ “مستكة” المتفرِّعة من شارع “محمد علي” الشَّهير بوسط القاهرة.

 جلس المِعلِّم “عطوة” على أحد الكراسي مُتذكِّرًا أيام شبابه، عندما كان يساعدُ والدَهُ في إدارة هذا المَقْهَى الذي كان له شأنٌ عظيمٌ في الأيام الخَوالِي.

بدأ روَّاد المَقْهَى بالدُّخول، تعَالت الأصواتُ بالضَّحكات والحوارات الجانبيَّة من روَّاد المَقْهَى.

 اعتادتْ “مُنَى” بنت العشرينَ ربيعًا الجلوس مع”أحمد” في مكان جانبي بداخلِ المَقْهَى، وهُمَا يتبادلانِ أطراف الحديث، ويُدخِّنانِ الشيشة.

في الجهة المُقابِلة لهما يجلسُ “كمال” الذي يعملُ بمهنة المحاماة مع موكِّلتِهِ”أمينة” يتجاذبانِ أطراف الحديث.

دخل الشَّيخُ “مبروك”، وهو رَجْلُ درويش، ودائمًا ما يجلسُ مُنزوِيًا في جانب المَقْهَى، ويعطفُ عليه المِعلِّم “عطوة” بإعطائه بعض الأطعمة والمَشرُوبات.

 دخل “عبده سبارس” المَقْهَى مُحدِثًا ضجيجًا كعادتِهِ، ومناديًا بصوتٍ عالٍ:

– الشَّاي والشِّيشة يا وَلَد يا مسعود!

 بادرَهُ مسعود قائلًا:

 -حِسابكَ تِقل يا “عبده” أفندي، ومفيش شُكُك!

أثناء جِدالِ “عبده سبارس” مع “مسعود”، دخل المَقْهَى رجلٌ في العِقد الخامسِ من العُمر، ويبدو من ملامحِهِ وهِندامِهِ أنَّهُ شخصيةُ ذاتِ شأنٍ عظيمٍ، بادرَهُ “مسعود” بكلماتِ التَّرحِيب، وقال:

 -اتفضَّلْ يا سَعادة البَاشَا!

 قالَ هذا الرَّجلُ:

– فنجان قَهوة مظبوط مِنْ فضلكَ.

استأنف “عبده سبارس” طلبَهُ من “مسعود” الذي بادرَهُ مرة ثانية بالرفض، ولكن جاءتْ كلماتُ هذا الرَّجلِ الأنيقِ لـ “مسعود” بأَنْ يحضرَ ما طلبَهُ هذا الرَّجلُ على حسابه الخاص.

 تهلَّلَ وجهُ “عبده سبارس” فرحًا، وهو لا يَدرِي أنَّ هذا الرَّجلَ الأنيقَ تفحَّصَهُ بعينيه التي لا تَخِيبانِ، وبحدسِهِ الذي لا يكذبُ، بأنَّهُ سيعينُهُ في مهمته التي جاء مِنْ أجلِها. جلسَ “عبده سبارس” بجوار هذا الرَّجلِ شاكرًا له ضيافتَهُ، ومتسائلًا عن اسمه، أجابَهُ، بأنَّ اسمَهُ “شريف أمين”، مُنتِج سينمَائِي، وأنَّهُ جاء خصيصًا لهذا المَقْهَى؛ لأنَّهُ يُعِدُّ لإنتاج عمل فني كبير، ويحتاجُ إلى وجوهٍ جديدةٍ لخوض هذا العمل مِن: مُمثِّلينَ، ومُطرِبينَ، ورَاقِصاتٍ، وأنَّهُ يرغب بمَنْ يساعدُهُ في التَّعاقُد مع هذه الفئات، وله الأجرُ المُجزِي، وبادرَهُ قائلًا:

 -هل تستطيعُ مُساعدتِي في ذلك؟

أجابَهُ “عبده سبارس” في حماسةٍ:

 -نَعَمْ، أستطيعُ؛ فأنا أعرفُ الكثيرَ منهم.

 وهو لا يدري أنَّ هذا الرَّجل ما هو إلَّا نصَّاب كبير، وأنَّهُ يوهِمُ ضحاياه بأنَّهُ سيضعُهم على سُلَّم النجاح، وسيصعدُ بهم إلى النجوميَّة، ويبتزُّهم ماليًا، ويلوذُ بالفرار!!

وسألَهُ “عبده سبارس” عن عنوان شركته؛ حتَّى يأتي إليه، ومعه بعضٌ من هذه الفئات.

  “شريف أمين” قال في لهجةٍ ماكرةٍ كالثَّعالِب:

 -لا؛ فأنا أرغبُ أن نتقابلَ هنا في هذا المكان؛ فهذا المكان له عبقُ خاصٌّ، وتاريخٌ جميلٌ في هذا المجال، وأرغبُ أن نبدأَ مِن الآنَ، إن استطعتَ.

 قال “عبده سبارس” مُتحمِّسًا:

 -نَعَمْ، أستطيعُ.

 واستأذنَهُ بالانصراف؛ لإحضار موهبةٍ -مِنْ وجهةِ نظرِهِ-، ستصبحُ نجمةً في عَالَم الفن.

تبادل “أحمد” و”مُنَى” النظرات، بعد أَنْ صمتَا قليلًا، وبدأ “أحمد” يلامسُ يَدِي “مُنَى” التي أبعدتْهما برفقٍ، وهي تنظرُ إليه بخجلٍ.

  “أحمد” يهمسُ كالعَصافيرِ:

-بحبكِ!

 ابتسمت “مُنَى” بعد أن قالتْ بصوتٍ أذاب القلبَ رقَّتُهُ:

 -وأنا أيضاً بحبكَ!!

قطعَ عليهما الشَّيخُ “مبروك” لحظاتِ العِشقِ هاتفًا:

 -السَّتر مِنْ عندكَ، يَا رَبّ!

  “كمال” قائلًا لـ “أمينة”:

 -من يوم ما عرفتكِ أنا لا أعتبرُكِ موكِّلتِي أبدًا؛ فأنتِ عندي أغلى مِنْ ذلك بكثير!، وبصراحة أنا بحبكِ، ولا أستطيع الحياة بعيدًا عنكِ!

أجابتْهُ “أمينة”، وهي تتنهد:

 -تعرف يا “كمال”، أنا بعد وفاة المرحوم زوجي، وبرغم الثروة الكبيرة التي أمتلكُها، فأنا لم أشعرْ يومًا بالسعادة؛ لأنَّني حُرِمتْ من نعمة الإنجاب.

ارتفع صوتُ الشيخ “مبروك” قائلًا:

– كُلُّهُ بأمره!!

عاد “عبده سبارس”، ومعه سيدة في العِقد الخامسِ مِن العُمر، ممتلئة الجسم، ويكادُ نهديها أن ينفجرَا مِن كِبرِ حجمِهما بداخلِ ملابسِها المتسخة قليلًا، قال لـ “شريف أمين”:

– أحضرتُ لكَ السِّت سعديَّة مِن السُّوق.

 “شريف” يردُّ عليه مستغربًا:

– سعديَّة…. سُوق…؟!

 قالتْ “سعديَّة”:

– أنا سعديَّة بائعة الملوخية، وعندي موهبة الغناء، هل ترغبُ بالاستماع لبعض الأغاني؟

 قال لها المُنتِجُ السينمائِي مُتصِنعًا الاهتمام:

– نَعَمْ.

 أخذتْ “سعديَّة” تشدُو، وتقولُ:

-مروحش الغِيط… الملوخيَّة زحلقتنِي

مروحش الغِيط… الملوخيَّة زحلقتنِي

أبويا قالي سيبكِ منه

وأجوِّزكِ أحسن منه

والملوخيَّة زحلقتنِي

مروحش الغِيط…. الملوخيَّة زحلقتنِي

أبويا قَالِي يا سَمَارة

متخرجِيش بَرَّا الحَارة

عُيُون العَوازِل غدَّارة

والملوخيَّة زحلقتنِي

مروحش الغِيط… الملوخيَّة زحلقتنِي

حَاطَّة الضَّفائر على الجانِبين

ووشكِ أحمر الخَدين

والطَّشَة دوَّختنِي

مروحش الغِيط… الملوخيَّة زحلقتنِي.

ابتسم “شريف أمين” بخبث الثَّعابينِ، وسألها:

– أنتِي تعرفي تكاليف رَبطة الملوخيَّة… قَصدِي الأغنية كام؟

ردَّتْ في دهشةٍ:

 -لا.

 قال المُنتجُ في لهجةٍ ناعمةٍ كجِلد الأَفْعَى:

– أنا سأقومُ بمساعدتكِ لوجهِ اللهِ، وأنتِ ستقومينَ بدفع مبلغ مالي صغير جدًّا، تكلفة اللحن والفرقة الموسيقية، وسأقومُ بإنتاج فيديو كليب لكِ، وسيُبَثُّ في معظم القنُوات الفضائيَّة، وبعدَها ستنالينَ شُهرةً كبيرةً، والفلوس ستنزلُ عليكِ كالمطرِ!

قالتْ “سعديَّة” بانكسارٍ:

– هأدفع كام؟!

 أعادَ جُملتَهُ الصَّاعقةَ:

– ثلاثون ألف جنيهٍ.

قالتْ في حسرةٍ عارمةٍ:

– هذا رأسُ مال تجارتِي كُلُّهُ!

 قال لها في ثقةٍ:

– فكَّري يا سِت سعديَّة، وسأعودُ غدًا.

في اليوم التَّالِي….

حضر “شريف أمين” مرتديًاً زيًا أنيقًا، وجلسَ في نفس مكانِهِ بالأمسِ.

نادَى عَلَى “مسعود” الذي حضرَ إليه مُسرِعًا قائلًا:

– أوامركَ يا بيه!

قال المُنتِجُ”شريف أمين” الذي لا يحملُ مِن اسمه أيَّ شيءٍ:

– فنجان قهوة مضبوط من فضلكَ.

 وأبدَى استحسانَهُ لقهوتِهِ التي احتسَاها كانتْ بالأمسِ.

بعدَ قليلٍ حضرَ “عبده سبارس”، وكانت المفاجأة: أنَّ معه السَّيدةَ “سعديَّة”، ومعها المبلغ المطلوب قائلةً للمُنتِج:

– لقد وافقتُ على طلبكَ.

 ردَّ عليها “شريف أمين”:

– مبروك عليكِ الشُّهرة والنُّجوميَّة يا سِت سعديَّة!

 وقامَ بفتح ملفٍ، بداخلِهِ بضعةُ أوراقٍ، وأوهمَها بأنَّ هذه الأوراقَ هي عَقْدُ الشَّراكة بينهما، وطلبَ منها أن توقِّعُ على العَقدِ.

 قالتْ لَهُ:

– أنا لا أكتبُ، ولا أقرأ.

 قام المُنتِجُ، وأحضرَ بصَّامة من سيَّارتِهِ، وأمسكَ بإصبعِها، وبصَّمها على الأوراقِ، وقالَ لها:

– هذا العَقْدُ به عنوانُ شركتِي، وسينتظرُكِ المُوظَّفُ المسئولُ بالشَّركةِ، وسيرسلُكِ إلى معسكر الأحلام لمدةِ شهرٍ؛ لإعدادكِ لعمل فيديو كليب خاص بكِ.

 أَعْطَى المُنتِج”شريف أمين” “عبده سبارس” جانبًا ثلاثة آلاف جنيه، بعد انصراف المُغنِّية قائلًا له:

– هذا المبلغُ عمولتُكَ!

 وأعطاهُ كارتًا مُدوَّنًا به رقم هاتفه الخاص، وقائلًا له:

– إنَّنِي في انتظار اتصالكَ بي؛ للتَّعاقُد مع موهبةٍ أخرى.

 وبادرَ باستقلال سيَّارتِهِ مغادرًا المكان.

استيقظ “عبده سبارس” مبكرًا منتشيًا، وسعيدًا، بعد أَنْ ذاقَ طعمَ الفلوس دون عناءٍ، وأخذ يدندنُ، ويقولُ:

– آه لو لعبت يا زَهر، واتبدِّلت الأحوال، وركبت أوَّل مُوجة في سِكَّة الأموال!!

 ثُمَّ خرج من منزله بعد تناوله وجبة الإفطار متوجِّهًا إلى المَقْهَى، بعد اتصالِهِ بـ “شريف أمين” مخبرًا إيَّاهُ بالاتفاق مع موهبةٍ جديدةٍ، ترغبُ في خوض مجال الفن، والعمل به.

جلس “عبده سبارس” بمكانه المعتاد بالمقهى، واضعًا قدمًا فوق الأخرى مناديًا على “مسعود” بصوتٍ عالٍ:

 -الشَّاي والشِّيشة يا وَلد، يا مسعود!

نظرَ إليه “مسعود” مُستنكِرًا الحالة التي أصبحَ عليها، وقائلًا له:

– إيه الشَّياكة دِي كُلَّها!، إنتَ ورثتَ، ولا نزلتْ عليكَ ثروة مِن السَّما يا سِي عبده؟!!

“عبده سبارس”ردَّ قائلًا في زهوٍ:

 -سي عبده إيه يا وَلد؟، أنا مِن اليوم اسمِي عبده بيه!!

 نظرَ إليهما الشَّيخُ “مبروك” قائلًا بصوتٍ عالٍ:

– زي الطاووس يتبَاهَى بريشه!

ضحكَ “مسعود” بصوتٍ مرتفعٍ عالٍ مُثيرًا حفيظة “عبده سبارس” الذي أخذ يكشِّرُ عن أنيابه.

توافدَ روَّاد المَقْهَى رويدًا، دخلتْ “مُنَى” بصُحبةِ “أحمد”، وجلسَا بمكانِهما، نَادَى “أحمد” على “مسعود طالِبًا منه شِيشةً، وفنجانًا مِن القهوة، وعصيرًا باردًا.

 تعمَّد “أحمد” أن يتحسَّس يَدِي “مُنَى” كما فعلَ مِنْ قبلُ، ولكنَّها سحبتْهما برفقٍ، وهي تنظرُ إليه بشيءٍ من التحفُّظ قائلةً له في وجلٍ:

– أحبُّ أن ينمو حبُّنا طاهرًا عفيفًا يا أحمد!

جلستْ “أمينة” وحيدةً في مكانِها شاردة الذهن، وهي تفكِّرُ فيما قالَهُ لها “كمال”، ويكادُ قلبُها أن يتوقَّف عن النَّبض، وترتجفُ خوفًا وألمًا، وقد انسكبتْ من عينيها دموعٌ كحبَّات اللؤلؤ على وجنتيها الورديتينِ، وهي تعلمُ أنَّها تبادلُ “كمال” نفس شعوره، ولكنَّها لا ترغبُ أن تبنِي سعادتَها على تعاسة الآخرينَ؛ فـ”كمالُ” ربُّ أسرةٍ، وعندَهُ زوجةٌ مُخلِصةٌ وأولادٌ في عُمر الزُّهور.

قطعَ شرودَها رنينُ هاتفِها الخلوي، تركتْ هاتفَها دون الردِّ، بعد أن علمتْ أنَّ المُتصلَّ “كمال”.

حضرَ المُنتِج السينمائِي المزعوم “شريف أمين” إلى المَقْهَى أنيقًا كعادتِهِ، وجلسَ بجوارِ “عبده سبارس”، أَتَى إليه “مسعود” مبتسمًا، وهو يحملُ قهوته المضبوطة، وقائلًا لـ “عبده سبارس”:

– تحب حضرتكَ تشرب حاجة تانية يا عبده بيه؟

قال باستعلاءٍ وخُيلاءٍ:

– لا!

قبل أن ينتهِي”شريف أمين” من احتساء قهوتِهِ، حضرَ للمَقهَى شابٌ مُلقِيًا التحية على “عبده سبارس”.

نهضَ “عبده سبارس” من مكانه مُرحِّبًا به، ومُعرِّفًا به المُنتِج السينمائِي قائلًا:

– أعرِّفُكَ بـ “ماجد علي”.

جلسَ “ماجد” بجوار “شريف أمين”، مُحدِّثًا إيَّاهُ بأنَّهُ يعشق التمثيل، ويتردَّدُ على هذا المَقْهَى من آنٍ لآخرٍ؛ لأنَّهُ يجدُ نفسَهُ في هذا المكان، ولعلَّهُ يجدُ ضالتَهُ بمَنْ يساعدُهُ ويأخذُ بيديه للوصول لهدفه المنشود.

تبسَّم “شريف أمين”، وهو يربتُ على كتفِهِ ضاحكًا:

– أنتَ حظكَ من السماء!؛ فأنا أمتلكُ شركةً كبيرةً للإنتاج الفَنِّي، ونُعِدُّ لإنجاز أكثر من عملٍ فَنِّي، وأنتَ شابٌ مُثقَّفٌ ووسيمٌ، وتمتلكُ مِن الكاريزما وخِفَّة الظِّل ما يؤهِّلكَ للنَّجاح في هذا المجال.

وصمتَ قليلًا ثُمَّ قال:

– لكن…

 تساءلَ “ماجد” في حذرٍ بالغٍ:

– لكن إيه…؟

أجابَهُ “شريف أمين”:

– يوجدُ شروط تنتهجُها الشركة لإتمام هذا الأمر.

سألُهُ “ماجد”:

 -ما هذه الشروط يا شريف بيه؟

أجابَهُ المُنتِج السينمائِي المُزيَّف:

– يجبُ أن تدفع مبلغًا ماليًا صغيرًا نظير تكاليف إعدادكَ لتجارب الأداء ووِرَش التمثيل بمعسكر الأحلام لدينا؛ حتَّى تتهيَّأ لأولى تجاربكَ معنا.
“ماجدُ” بصوتٍ متلعثمٍ:

– كم المبلغ يا شريف بيه؟
” شريف أمين” ردَّ عليه:

– خمسون ألف جنيه.
“ماجد” مُحدِّقًا عينيه:

 -هذا المبلغُ كبيرٌ، ولا أمتلكُهُ!

“شريف أمين” هادئًا، وبصوتٍ خافتٍ:

 -فكَّرْ في الأمر، وبلَّغ “عبده” بما قرَّرتَ.

استأذن “شريف أمين” بالانصراف.

رجعَ “ماجد علي” إلى منزله متوسِّلًا إلى أمه، بأن تقومَ ببيع الشَّقة التي يقطنُون بها، وينتقلُون إلى مسكن آخر بالإيجار، واعدًا إيَّاها بأنَّهم سيمتلكُون الكثير مِن الأموال بعد أن يصبحَ مشهورًا ولامِعًا.

بعد مرور أسبوعٍ….

اتصلَّ “ماجدُ” هاتفيًا بـ “عبده” مُخبِرًا إيَّاهُ بأنَّهُ دبَّر المبلغَ المَالِي، وأنَّهُ ينتظرُهُ بمَقْهَى الفَنِّ؛ لمقابلة “شريف أمين”.

حضر المُنتِجُ بصُحبةِ “عبده سبارس”، وقابلَا “ماجدَ”، وهو يمسكُ بيده ملفًا به عِدَّة أوراقٍ، وزاعِمًا لـ “ماجد” بأنَّ هذه الأوراق هي عقدُ الاتفاقِ بينهما، طالبًا من “ماجد” التوقيع عليها.

بعد أن وقَّع “ماجدُ”، طلبَ منه “شريف أمين” التوجُّه إلى شركة الإنتاج السينمائي؛ لمقابلة المُوظَّف المسئول، ولإرساله إلى معسكر الأحلام؛ حتَّى يتمَّ إعداده لخوض أولى تجاربه في التَّمثيلِ، وقبلَ أن ينصرفَ، أعطَى “عبده سبارس” عشرة آلاف جنيهٍ، ووعدَهُ بالمَزيدِ.

بعد أَنْ ذاعَ صيتُ “شريف أمين”، أصبحَ المَقْهَى شاغرًا يوميًا بأصحابِ المواهبِ، وعادَ المَقْهَى كسابقِ عهدِهِ، وأصبحَ لا يحلُو السَّمرُ والسَّهرُ إلَّا بين أركانه.

وأصبح المَقْهَى يدرُّ دخلًا كبيرًا لصاحبِهِ، وأصبحَ وجهُ “شريف أمين” هو وجهُ الخيرِ على المَقْهَى -مِنْ وجهة نظرِ صاحبِهِ-.

تغيَّرتْ أحوالُ “عبده سبارس”؛ فاشترَى زيًا أنيقًا، وحذاءً فاخرًا آخر، وأصبح يتكلَّمُ بلسانِ “شريف أمين”، كما طبعَ عدَّة كروت شخصيَّة مُدوَّنًا فيها رقم هاتفه، ومُسمِّيًا نفسَهُ “مُتعهِّد فنَّانينَ” لدى شركة الإنتاج السينمائي التَّابِعة لـ “شريف أمين”.

جلس “كمال” بالمَقْهَى وحيدًا وشاردًا، وظهرتْ على ملامحِهِ علاماتُ الحُزن الشَّديدِ، وبعد أن ارتشفَ رشفةً مِنْ فنجانِ قهوتِهِ، قام بإشعال سيجارةٍ كانتْ بيدِهِ، وأمسكَ بهاتفِهِ الخلوِي مُتَّصِلًا بـ “أمينة” التي لم تردّْ على اتصالِهِ.

 نزلتْ دمعاتٌ حارةٌ على وجنتيهِ، وتنهَّد بأسى وحسرة على حاله.

نظرَ الشَّيخُ “مبروك” إلى “كمال”، وهو يقولُ بصوتٍ عالٍ:

– كُلُّهُ مَقدَّر ومكتُوب! … كُلُّهُ مَقدَّر ومكتُوب!!

 كأنَّهُ قد قرأ ما بداخلِهِ.

اتصلَّ “عبده سبارس” بـ “شريف أمين” قائلًا له بضرورة التَّواجُد بالمقهَى ليلًا؛ للرَّغبة المُلحِّة من جانب الرَّاقِصة “كيداهم”في مقابلته، والتي أصبحتْ تقدِّمُ نمرة أسبوعيَّة لروَّاد المَقْهَى.

حضرَ “شريف أمين” في ذاتِ الليلةِ إلى المَقْهَى مُلقِيًا التحية على الحاضِرينَ الذين بادلوهُ التحية بكُلِّ سرورٍ، وجلسَ بجوار “عبده سبارس”، وبعد أن انتهت الرَّاقِصة “كيداهم” من تأدية نمرتِها، نادَى عليها “عبده سبارس”، وأجلسَها بجوارِهِ.

 أخذتْ “كيداهم” تحدِّقُ بعينيها، وتتلعثمُ بشفتيها، وهي تنظرُ إلى “شريف أمين” مِن فرطِ إعجابِها به، توجَّه “عبده سبارس” لـ “شريف أمين” قائلًا:

-الرَّاقِصة “كيداهم” ألحَّتْ عليَّ كثيرًا لمقابلتكَ، ولرغبتِها في أن تنالَ فُرصَة العمل بالمجال السينمائِي.

قال “شريف أمين”:

 -لا مانعَ مِن انضمامِها لفريق العمل بالشَّركة بعد قبولِها بالشروط المُتَّبعة.

الرَّاقِصة “كيداهم” تسألُهُ:

– وما الشروطُ؟

ردَّ المُنتِجُ باقتضابٍ:

-يجبُ دفع مبلغ مالي نظير إعدادكِ وتأهيلكِ بالصورة المناسبة؛ حتَّى تصبحِي نجمةً مشهورةً، ووقتُها ستتغيَّرُ حياتكِ، وستعيشينِ حياة البَذخ والرَّفاهيَّة، بعد أن تتهافتَ عليكِ العروضُ الفنيَّةُ من كُلِّ مكانٍ!!

لمعتْ عينَاهَا، وتساءلتْ:

– كام المبلغ؟

ردَّ عليها قائلًا:

– خمسة وسبعون ألف جنيهٍ.

قطَّبتْ حَاجِبيها، وقالتْ:

– هذا المبلغُ كبيرٌ!، ولا أملكُ سوى هذه الغوايش الذهبيَّة التي بذراعِي!!

“شريف أمين” بابتسامةٍ رقيقةٍ، وبحضوره الجذَّاب يكملُ:

– الخمسة والسبعون ألف جنيه هي تكاليف وجودكِ بمعسكر الأحلام لدينا؛ لعملِ كُلِّ الأشياء اللازمة لكِ من: عمليات تخسيس، وتمرينات لياقة بدنيَّة، وحمَّامات ساونا، ومُستحضَرات تجميل، وغيرها؛ حتَّى تُصبحِي كواحدةٍ من أجمل مَلِكات الجَمال؛ لخوضِ أولى تجاربكِ معنا، وعندئذٍ ستعرفينَ قيمة ما فعلناهُ من أجلكِ.

تمتمتْ قائلةً:

– وما العملُ؟

أجابَها:

– إن لَمْ تمتلكِي النُّقود؛ فأنتِ تمتلكينِ الذَّهبَ.

وافقتْ على الفور، كأنَّهُ سحرَها بكلماتِهِ، وقامتْ بخلع الغوايش، وأعطتْها له.

أحضرَ “شريف أمين” من سيَّارته العُقُود المُزيَّفة، وبصَّمها عليها، بعد أن قالتْ هي الأخرى بأنَّها لا تستطيع الكتابة، وأشار إليها أن تذهب صباحًا إلى مقر الشركة في العنوان المُبيَّن في العَقد؛ لمقابلة المُوظَّف المسئول، ولإرسالِها إلى معسكر الأحلام. عندئذٍ ضحكَ الشَّيخُ “مبروك” فجأةً بصوتٍ مرتفعٍ قائلًا:

– رُوحِي عند إخواتكِ يا أختي!!

  أعطَى “شريف أمين” مُتعهِّد الفنَّانينَ خمسة عشر ألفًا من الجنيهات قائلًا له:

– أنتَ تستحقُّ الكثير!!

 وغادر المُنتِج المُزيَّف المَقْهَى.

اتَّفقَ”عبده سبارس” مع الرَّيس “بشندي” تليفونيًا؛ لمقابلة “شريف أمين”، وأَتَى “بشندي” مِنْ قلبِ الصَّعيد مع أولادِهِ الخمسةِ؛ للبحثِ عن الشُّهرة والنُّجوميَّة؛ فقد باعَ الرَّيس “بشندي” قطعة الأرض الزراعيَّة البسيطة التي يمتلكُها، وشدَّ الرحالَ مع أولادِهِ إلى القاهرة.

جلسَ “عبده” بالمَقْهَى مرتديًا بذلةً أنيقةً، ومُصفِّقًا على يديه، ومُنادِيًا “مسعود” بإحضار الشَّاي وشِيشة التُّفاح.

حضرَ إلى المَقْهَى الرَّيس”بشندي” مع أولادِهِ مُحدِثينَ ضجيجًا وصخبًا، خصوصًا، وأنَّ أولادَهُ يحمُلون عِصيًا طويلةً بأيديهم التي يستخدمُها أهلُ الصَّعيد في لُعبة التَّحطيب.

التفت الرَّيس “بشندي” يمينًا ويسارًا قائلًا:

– فين الوِلد سبروس؟

ضحكَ “مسعود” ضحكةً عاليةً:

-هل تقصدُ عبده سبارس؟

نظرَ “عبده سبارس” قائلًا بحنقٍ:

– أنا “عبده”، وهل أنتَ الرَّيس “بشندي”؟

أجابَهُ قائلًا:

– نَعَمْ، أنا الرَّيس “بشندي”.

 رحَّب به مُتعهِّدُ الفنَّانينَ، وأجلسَهُ بجواره، واصطفَّ أولادُهُ الخمسةُ وراءَهُ بعدَ رفضِهم الجلوس.

طلبَ “عبده سبارس” مِن النَّادل أن يحضرَ لهم شايًا كما رغبُوا.

دخلَ “أحمد” و”مُنَى” إلى المَقْهَى، وجلسَا بمكانِهما، وقالَ لها، وهو مُسبلٌ عينيه:

– لقد جفاني النَّومُ، ولم أستطع الابتعاد عنكِ لحظةً واحدةً!؛ فأنا أحبُّكِ من أعماق قلبي!، وقد حدَّثتُ أُمِّي كثيرًا عنكِ، وعن رغبتي الشديدة في الارتباط بكِ، ورحَّبت أُمِّي، بعد أَنْ رأتْ وَلعِي وشَغفِي بكِ، وأرادتْ مقابلتكِ.

تلعثمتْ “مُنَى”، وهي تردُّ:

– وأين أقابلُها؟

ردَّ عليها:

– في منزلِنا؛ لأنَّها مريضةٌ، ولا تستطيعُ الخروج.

دخل إلى المَقْهَى “شريف أمين” أنيقًا كعادتِهِ، قابلَهُ شريكَهُ بترحابٍ شديدٍ، وأخبرَهُ عن رغبة الرَّيس “بشندي” بالعمل، هو وأولادُهُ في مجال الفَن.

رحَّب “شريف أمين” بالرَّيس”بشندي” وأولادِهِ قائلًا لهم:

– لا مانعَ، بعد موافقتِكم على شروط العمل التي تنتهجُها الشَّركةُ، ولكن قبل ذلك أودُّ معرفة نوع الموهبة التي تمتلكُونَها.

قال الرَّيس “بشندي”:

– موهبتُنا، هي: الموَّال الشَّعبِي.

قال “شريف أمين” مظهرًا حماسه المُفرِط:

– أرغبُ بسماعِ بعض منه.

 ونظر إلى أولادِهِ بقلقٍ، خصوصًا، بعد ما لاحظ حولًا بعينِي أحدِهم.

وقفَ الرَّيس “بشندي”، ووراؤهُ أولادُهُ، وهُمْ مُمسِكُون بعِصيهم، وأخذَ يشدُو بموَّاله وبلهجته الصعيديَّة:

-فايت على قصر

عجبني القصر واللي بَانيه

وقريت الفاتحة للي بَانِيه.

وأولادُهُ يردِّدُون:

-واه واه يا بوي … واه واه يابوي…

 وهُمْ يرفعُون عصيهم لأعلى، ويضربُون بها الأرض.

استمرَّ الريس “بشندي” قائلًا:

-ولقيت غَزالي الصُّغير

فارش ونايم فيه

ومبين الدق الأخضر

أنا قولت له غطِّيه

ضحك ولعب وقالي

يا جَدع ما انتش شريكي فيه.

وأولادُهُ يردِّدُون:

-واه واه يا بوي.

وأثناء رفعهم عِصيهم لأعلى، ويضربُون بها الأرض، ضربَ أحدُهم أحول العينينِ عصاه بشدةٍ على الطاولة التي يجلسُ عليها “شريف أمين” و”عبده سبارس”؛ فطارتْ أكواب الشاي وفناجين القهوة مِنْ على الطاولة، وتطاير ما بداخلِها على ملابس “عبده سبارس” الذي قام من مكانه مفزوعًا، وبتلقائيةٍ شديدةٍ، وبصوتٍ عالٍ صارخًا:

– يخرب بيت أبوكَ!!

هدَّأ “شريف أمين” من روعه، وملتفتًا إلى الرَّيس “بشندي” قائلًا له:

– برافو!، ولكن قبل تعاقُدِكم معنا يجبُ دفع مبلغ ثمانين ألف جنيه نظير تكاليف إعدادكم للعمل لدينا، وتدريبكم بعنايةٍ؛ حتَّى تتمكَّنُوا من الوقوف أمام الكاميرات.

قال الرَّيس “بشندي” في دهشةٍ صعيديَّةٍ:

– واه! … نجيب الفلوس دي كُلَّها منين؟، وأنا كُلّ اللي حيلتِي ستين ألف جنيه؟!

نظر إليه المُنتِج مُبتسِمًا:

– أنا هأكمِّلكَ باقي الفلوس من عندي، علشان خاطركَ إنتَ.

ردَّ عليه الرَّيس “بشندي”:

-تُشكَر يا بيه!

 وقام برفع جلبابه، وفكَّ شالًا كان يربطُهُ حولَ وسطِهِ، ووضعَهُ أمامَهُ، وأخرجَ مِن داخلِهِ ستين ألف جنيه، وأعطَاهَا له.

 بصَّمه “شريف أمين” هو وأولادَهُ على العَقدِ المزعومِ، بعدما أخبروهُ بأنَّهم لا يجيدُون القراءةَ، ولا الكتابةَ، وطلبَ منهم الذَّهابَ إلى مقر الشَّركة، كما هو مُبيَّن في العَقدِ؛ لمقابلة الموظف المسئول، ولإرسالهم إلى معسكر الأحلام؛ لإعدادِهم للعمل.

 أعطَى “شريف أمين” لـ “عبده سبارس” عشرين ألفًا، ومُهنِّئًا له على جِدِّهِ ونشاطِهِ، وواعدًا إيَّاهُ بالمزيدِ، وذهب بسيَّارتِهِ مِنْ حيثُ أَتَى.

 أصبحَ المَقْهَى مِنْ أشهرِ المَقَاهِي، ومُزدَحِمًا بروَّاده ليلًا ونهارًا، وأصبحت الفُرَصُ سانحةً لرَاغبِي العمل في المجال السِّينمائِي لدى الشَّركةِ المزعومةِ، وعادتْ إلى المَقْهَى بعض المواهبِ الفنيَّةِ التي كان لها شأنٌ في العقودِ السَّابقة.

دخلَ إلى المَقْهَى المونولوجست “سمير بلبل”، ومعه رفاقُهُ القُدَامَى: عازف البيانو “أشرف فتوح”، وعازف النَّاي “مصطفى علي”، وعازف الطَّبلة “عزت أنتكة”، سائلينَ المِعلِّم “عطوة” عن “عبده سبارس”؛ لعلَّهم يجدُون ضالتَهم، وينجحُون في اقتناص فُرصةِ عملٍ في المجال السينمائِي.

تصادفَ سؤالُهم عن مُتعهِّد الفنَّانينَ”عبده سبارس”، ودخوله إلى المَقْهَى؛ فأشار إليه المِعلِّم “عطوة”.

رحَّب بهم “عبده سبارس”، وأجلسَهم بجوارِهِ، وأخبروهُ برغبتِهم في مقابلة “شريف أمين”.

تظاهرَ “عبده” بأنَّ مقابلة “شريف أمين” ليستْ سهلةً، ولكنَّهُ سيحاولُ مساعدتَهم.

اشتاقتْ “أمينة” لرؤية “كمال”، رغم عدم ردِّها على اتصالاته، وجلستْ في مكانِها بالمقهَى.

حضر إليها “مسعود”؛ لمعرفة نوع الشَّراب الذي تريدُهُ، وأخبرها بأنَّ “كمال” قد ظهرتْ عليه علامات الحزن والاكتئاب، ورأى دموعَهُ، وهي تنسابُ على وجنتيه قبل مغادرته المَقْهَى.

شعرتْ “أمينة” بالقلق عليه، وأخرجتْ هاتفَها، واتصلتْ به.

ردَّ عليها حابسًا دموعَهُ، وأخبرَها بأنَّهُ يمرُّ بظروف سيئة؛ فأخبرتْهُ أنَّها بالمَقْهَى، ولن تبرح مكانَها؛ حتَّى يأتِي إليها، وتطمئن عليه، أجابَها، بأنَّهُ في المستشفى لإجراءِ بعض الفحوصات الطبيَّة لزوجتِهِ، وسيقابلُها غدًا بالمَقْهَى.

في اليوم التالي……

حضر “عبده سبارس” إلى المَقْهَى بعد اتصالِهِ بـ “شريف أمين” طالبًا حضوره؛ لمقابلة موهبةٍ جديدةٍ.

حضرَ “شريف أمين” إلى المَقْهَى، وعرَّفَهُ “عبده سبارس” بالمونولوجست “سمير بلبل” ورفاقه الموسيقيينَ قائلًا له، بأنَّهم يرغبُون في نيل فُرصة العمل بأحدِ الأعمال السينمائيَّة التي تنتجُها شركتُهُ.

قال “شريف أمين”:

– إنَّ مجال المونولوج أصبحَ نادرًا، ولم يعدْ له رَواجًا، كما كان من قبلُ، ولكنَّهُ سيعملُ جاهدًا على إحياء هذا الفَن من جديدٍ.

 وأخبرَهُ بأنَّهُ يرغبُ في سماعِهِ، وهو يشدُو بأحدِ أعمالِهِ.

رحَّب المونولوجست “سمير بلبل”، وفرحَ كثيرًا بذلك، كأنَّهُ أعاد إليه روحَهُ مِنْ جديدٍ، وأشارَ لفريقه الموسيقي، بأنَّهُ سيشدُو بمقطوعة: (كُلُّ الأبحاث العلميَّة تاهتْ في البطنِ المصريَّة)، وأشارَ إليهم بالبِدءِ في العَزف.

وأخذ يشدُو:

-كُلُّ الأبحاث العلميَّة تاهتْ في البطن المصريَّة!

الشَّحم كتير والكِرش كبير ومحدش قابل تَوعيَّة!

في الصُّبح نقومُ نلعب دورنا

نطبخ ونسبِّك لفُطورنا

والطُرشِي مَدَام يفتح زُورنا

منسيبش رِغيف على الطَّبليَّة

كُلَّ الأبحاث العلميَّة تاهتْ في البطن المصريَّة!

 صفَّق “شريف أمين” قائلًا:

– برافو برافو! … لا مانع من انضمامِكم لفريق العمل بالشركة شريطة موافقتِكم على شروط العمل.

سألَهُ “سمير بلبل”:

-ما هذه الشروطُ؟

أجابَهُ قائلًا:

 -يجبُ دفع مبلغ مالي نظير اختيار المقطوعات المناسبة، وتكاليف الألحان، والإعداد، والتدريب؛ حتَّى يخرج العمل الفني جيدًا، وينال استحسان المُشاهِدينَ.

ردَّ “سمير بلبل”، وقال:

– كام المبلغ؟

أجابَهُ “شريف أمين”:

 -سبعون ألف جنيه.

 واستأذن المُنتِجُ في الانصرافِ قائلًا لهم بأن يبلغُوا وكيلَهُ بما استقرُّوا عليه.

قابلتْ “أمينة” “كمال”، ووجدتْهُ شاحبَ الوجهِ، ويبدو عليه علاماتُ الإرهاق والتَّعب الشديد.

قلقتْ على الحالةِ التي أصبحَ عليها، وربتتْ على يديه قائلةً له:

– ماذا بكَ؟!

أجابَها، بأنَّ زوجتَهُ قد مرضتْ، وقام بنقلِها إلى المستشفى، وتبيَّن أنَّها تُعانِي من سرطان في المعدةِ، وتحتاجُ إلى إجراء عمليَّة جراحيَّة عاجلة.

سقطتْ من عينِي “أمينة” دموعٌ حانيةٌ، ووعدتْهُ، بأنَّها ستكونُ رهن إشارته، وعلى استعدادٍ لدفع أية مصاريف علاجيَّة.

في اليوم التَّالِي….

اتصلَّ المونولوجستُ “سمير بلبل” بـ “عبده سبارس” قائلًا:

– لم أتمكَّن أنا ورفاقي إلَّا من تدبير خمسين ألف جنيهٍ فقط.

وعدَهُ “عبده سبارس” بأنَّهُ سيحاولُ مع “شريف أمين” بتخفيض المبلغ.

تقابل المُنتِجُ، و”عبده سبارس”، والمونولوجست “سمير بلبل” ورفاقه بالمَقْهَى، بعد موافقته على تخفيض المبلغ المالي إلى خمسين ألف جنيهٍ، وأحضر ما اعتاد عليه من العقُود المزعومةِ طالبًا من المونولوجست “سمير بلبل” ورفاقه التَّوقيع عليها، وأخبرَهم بالذَّهاب إلى مقر الشركة؛ لمقابلة المُوظَّف المسئول، ولإرسالهم إلى معسكر الأحلام؛ لإعدادهم وتدريبهم لخوض أولى تجاربِهم بالشَّركة.

 واستأذنَهم في الانصراف، وأعطَى شريكَهُ خمسة عشر ألفًا.

                                         *****

استيقظ “عبده سبارس” على غير عادته؛ فقد راودتْهُ أفكارٌ وأحلامٌ عديدةٌ، وبدأ ينظرُ إلى الدُّنيا بمنظورٍ مختلفٍ عمَّا كان ينظرُ إليها مِنْ قبلُ؛ فقد كانتْ حياتُهُ في السَّابق مُهمَّشةً، وكان عاطلًا عن العمل، وقد دبَّ اليأسُ والانكسارُ بداخلِهِ، بعد أن رفضتْ “نوال” زواجَهُ منها؛ لفقرِهِ، رغم حبِّهِ الكبيرِ لها.

تناول إفطارَهُ، وذَهبَ إلى المقهَى، وجلس يحتسِي كوبًا من الشاي، ويُدخِّنُ شيشة التفاح شاردَ الذِّهن.

دخل “أحمد” و”مُنَى” المَقْهَى، وقد علتْ وجهيهما السَّعادة، وجلسَا بمكانِهما المُعتَاد، قالتْ “مُنَى”:

– أريدُ أن تحدِّثنِي عن والدتكَ، وعن سبب مرضِها.

صمت “أحمد” قليلًا، وهو يحاولُ أن ينسج قصةً وهميَّةً عن مرض والدته المُزيَّف، وتأوَّه قائلًا:

– إنَّها قصَّة طويلة!، ولا أريدُ أن أشغلَ تفكيركِ بهذا الأمر.

 وتبسَّم، وأردفَ:

-حدِّثينِي أنتِ عن والدتكِ، ووالدكِ، وباقي أُسرتكِ.

قالتْ “مُنَى” في لهجةٍ حانيةٍ:

 -والدتِي إنسانة طيِّبة، وقد عانتْ كثيرًا مع أبي؛ فقد كان يتركُها وحيدةً بالمنزل، بحُجَّة أنَّهُ مشغول دائمًا بالعمل، وقد أخذ مالَها الذي ورثتْهُ عن أبيها، بحُجَّة استثماره وبدَّده عن آخره!، وقد أنجبتْني أنا وأخي الأصغر “عادل”، وكرَّست كُلَّ اهتمامِها لنا، ولم تعدْ تُبالِي بما يفعلُهُ أبي، واحتسبتْ أمرَها عند الله.

ذهب “كمال” إلى المستشفى؛ لمتابعة الحالة الصحيَّة لزوجته، والترتيب لإجراء العملية، حيثما تسمحُ حالتها الصحيَّة بذلك.

اتصلَّتْ “أمينة” به؛ للاطمئنان على حالة زوجته الصحيَّة، وطلبتْ منه أن يحضرَ أبناءه عندها بمنزلِها؛ حتَّى يتفرَّغ لمتابعة زوجته.

 وافق “كمال” على مطلبها بعد إلحاحها؛ فهو يعلمُ أنَّها قد حُرِمتْ من الإنجاب، وأحسَّ أنَّ هذا المطلب سيسعدُها.

بعد أن فرغَ مَقْهَى الفن من النمرة الأسبوعيَّة التي تقدِّمُها الرَّاقصةُ “كيداهم” لروَّاد المقهَى؛ ونظرًا للرغبة المُلحّة من جانب روَّاد المَقْهَى بضرورة وجود راقصةٍ كُلّ أيام الأسبوع.

طلب المِعلِّم “عطوة” من “عبده سبارس” ضرورة البحث عن راقصة إضافيَّة، ووعدَهُ بإعطائه مبلغًا ماليًا كبيرًا نظير ذلك.

ويبدو أنَّ الدُّنيا قد فتحتْ ذراعيها لـمُتعهِّد الفنَّانينَ؛ فقد تصادف طلب المِعلِّم “عطوة” تلقِّي”عبده سبارس” اتصالًا هاتفيًا من الرَّاقصة “شوق”، وآخر من الراقصة “هند”، وكلتاهما ترغبانِ في مقابلة”شريف أمين”؛ للعمل في المجال السينمائي.

اتصل “عبده سبارس” بـ “شريف أمين”، وحكَى له ما دار بينه وبين الرَّاقصتينِ والمِعلِّم”عطوة”.

كان “شريف أمين” عندَهُ من سرعة البديهة والأفكار الحاضرة؛ مِمَّا جعلَهُ يرغب في ضرب عصفورينِ بحجر واحد، وبمهارة فائقة في اصطياد ضحاياه، جعلَهُ يقول لـ “عبده سبارس”:

– قُمْ بالتنسيق والترتيب مع المِعلِّم “عطوة” في جعل كلتا الراقصتينِ تقدِّمانِ نمرة رقص مشتركة فيما بينهما، ومَنْ تنالُ منهما استحسان روَّاد المَقْهَى يتمُّ التعاقدُ معها.

في اليوم التالي ……

تقابل “عبده سبارس” بكلتَا الرَّاقصتينِ بالمقهَى بعد اتصاله بهما، وقد انبهرَ بجَمال الراقصة “شوق”، وخفة ظلِّها، وأنوثتها الطاغية؛ فقد كانت تمتلكُ من الجَمال، والقَوام المَمشوق والجاذبيَّة ما تسحرُ به القلوب، وتأخذُ بالألباب إلى عَالَم آخر من السِّحر، والمُتعة، والإثارة.

 وانبهرَ أيضًا بالراقصة “هند”، وإن كانت بدينةً بعض الشيء، إلَّا أنَّها لا تقلُّ جاذبية وأنوثة عن الراقصة “شوق”، وكلتاهما تتمتَّعانِ بالحيويَّة والنشاط.

ذهب “كمال” إلى المستشفى، وأخبرَهُ الطَّبيب المُعالِج بأنَّهُ لا بُدَّ من إجراء العملية الجراحيَّة في أقرب وقتٍ.

استيقظتْ “أمينة” باكرًا، وأعدَّتْ بنفسِها إفطارًا شهيًا لأولادِ “كمال”، واتَّصلتْ به؛ لتطمئن على الحالة الصحيَّة لزوجته، ولتطمئنه على أولاده.

أخبرَها “كمال” بما قالَهُ الطبيبُ المُعالِجُ، واطمأنَّ على أولاده.

وافق المِعلِّم “عطوة” على ما قالَهُ “عبده سبارس”، وأخبرَهُ أن يرتِّب مع الراقصتينِ؛ لتقديم وصلة رقص مشتركة ليلة الخميس لروَّاد المَقْهَى.

جلسَ “أحمد” و”مُنَى” في المَقْهَى، وأخبرَها برغبة والدته في مقابلتها اليوم.

وافقتْ “مُنَى” بعد أن رأت الإلحاح الشديد من جانبه.

 أثناء خروج “مُنَى” و”أحمد” من المَقْهَى، تعرقلتْ “مُنَى”، وسقطتْ على الأرض.

تهلَّل وجهُ الشَّيخِ “مبروك” فرحًا بعد سقوطها، كأنَّهُ يعلمُ أنَّ اللهَ أراد لها الخير.

اعتذرتْ “مُنَى” لـ “أحمد” عن الذَّهابِ معه اليوم.

بعد أن رتَّب “عبده سبارس” للقاءِ ليلة الخميس، جلسَ هو و”شريف أمين” بالمَقْهَى، يشاهدانِ الرَّاقصتينِ “شوق” و”هند”، وهُمَا ترقصانِ وتتمايلانِ بخفةٍ ورشاقةٍ، وقد أشعلتَا المَقْهَى بالمَرحِ والسُّرورِ.

بعد أن انتهَت الرَّاقصتانِ من تأدية رقصتِهما، نَادَى عليهما “عبده سبارس”، وأجلسَهما بجوارِهما.

 أبدَى “شريف أمين” إعجابَهُ برقصِهما قائلًا لهما:

– أنتُمَا تمتلكانِ من الجاذبيَّة، والحضُور، وخِفَّة الدَّم ما يجعلُكما نجمتينِ ستسطعانِ قريبًا في عَالَم الفَن، وأنَّهُ لا مانع من انضمامِكما لفريق العمل، بعد موافقتكما على شروط العمل التي تنتهجُها الشركة.

سألت الرَّاقصتانِ في نفس الوقتِ:

– وما هذه الشروطُ؟

أجابَهما، بأنَّهُ يجبُ دفع مائة وخمسين ألف جنيه تكاليف إعدادكما وتدريبكما بمعسكر الأحلام، وأيضًا لعمل كُلِّ الأشياء اللازمة لكما؛ حتَّى تصبحَا كنجمات هوليوود.

في اليوم التَّالِي …

اتصلَّ “عبده سبارس” بـ “شريف أمين”، وأخبرَهُ بموافقة الرَّاقصتينِ على دفع المبلغ.

حضر “شريف أمين” للمَقْهَى في كامل أناقته كالعادةِ، ومُعطَّرًا بعطرٍ جذَّابٍ يأخذُ الألباب إلى عَالَم آخر من السِّحر والغموض.

ألقَى التحية على الرَّاقصتينِ، ومبتسمًا لهما بابتسامة جميلة، ثُمَّ أخذَ منهما المبلغ المالي، وقام بإحضار العقود المزعومة، وطلب منهما بعد توقيعهما أن تذهبَا إلى عنوان الشركة المُبيَّن في هذه العقُود؛ لمقابلة المُوظَّف المسئُول بالشَّركة، وإرسالهما إلى معسكر الأحلام؛ للتَّدريب والإعداد لخوضِ أولى تجاربِهما بالعمل السينمائِي، ثُمَّ قام بإعطاء “عبده سبارس” عشرين ألف جنيهٍ، وانصرفَ.

بعد مرورِ يومينِ دخل “عبده سبارس” المَقْهَى صباحًا مُلقِيًا التحية على المِعلِّم”عطوة”، ومعتذرًا له عن رفض الرَّاقصتينِ “شوق” و”هند” الرَّقص بالمَقْهَى، وواعدًا إيَّاهُ بإحضار راقصةٍ أخرى؛ لتحلَّ محلَّهما.

جلسَ “عبده سبارس” بمكانِهِ المُعتَاد بالمَقْهَى شارد الذهن، ودار بخُلدِهِ أفكارٌ مُتعدِّدةٌ في كيفية الوصول لمُبتغاه، وتحقيق الثَّروةِ التي لطَالَما حَلِمَ بها.

قطعَ شرودَهُ ضربةٌ قويةٌ على الطاولة التي يجلسُ عليها، أحدثَها الشَّيخُ “مبروك” بعصا قوية كانتْ في يدِهِ، وبعصبيةٍ شديدةٍ قال للشَّيخ “مبروك”:

– إيه اللي إنتَ عملتُهُ ده يا مجنون؟!

ردَّ الشَّيخُ “مبروك” قائلًا، وبقهقهةٍ عاليةٍ:

– عِيشْ عيشة أهلكَ؛ لتِهْلكَ!

ضحكَ “مسعود” بصوتٍ عالٍ قائلًا للشَّيخ “مبروك”:

– لمَاذَا أحضرتَ هذه العَصَا؟

ردَّ الشَّيخُ “مبروك”:

-هأضرب بيها الكَلب.

اتصلَّتْ “أمينة” بـ “كمال” الذي أخبرَها بأنَّهُ سيتمُّ إجراء العملية الجراحيَّة لزوجتِهِ غدًا.

في صباح اليوم التَّالِي تمَّ إجراءُ العمليَّة الجراحيَّة لزوجته بنجاحٍ كبيرٍ.

دخل الشَّيخُ “مبروك” إلى المَقْهَى، وتبدو على وجهه علاماتُ الضِّيق والضَّجر، ضاربًا أرض المقهَى بعصاه القوية، كأنَّهُ يستعدُّ لخوض حرب ضارية، وجلس منزويًا كعادتِهِ، ومُترقِّبًا دخول”أحمد” و”مُنَى” إلى المَقْهَى.

دخلَ المَقْهَى شابٌ سائلًا “مسعود” عن مُتعهِّد الفنَّانينَ.

ألقَى الشاب التحية على “عبده سبارس”، بعد أن أشار “مسعود” إلى مكانِهِ، وعرَّفَهُ بأنَّ اسمَهُ “طارق”، وأنَّهُ يرغبُ في مقابلة المُنتِج “شريف أمين”.

ردَّ عليه “عبده سبارس” قائلًا:

– على الرَّحب والسِّعة!

 وأمسكَ هاتفَهُ الخلوي متصلًا بـ “شريف أمين”؛ لتحديد موعد للقائه.

  أوضح “شريف أمين” بأنَّهُ قريب من المقهى، ولا مانعَ من مقابلتِهِ بعدَ قليلٍ، ردَّ “عبده سبارس”:

– ونحنُ في انتظاركَ.

بعد مرور وقتٍ قصيرٍ ….

تقابلَ “شريف أمين” معهما، وسأل “طارق” عمَّا يريدُهُ.

أجابَهُ “طارق” بأنَّهُ شاعر غنائي، ويرغبُ أن يُغنِّي ما يكتبُهُ كبار المُطرِبينَ.

قال “شريف أمين”:

– لا مانعَ في ذلك، ولكنَّ هناك شروطًا تنتهجُها شركتنا لإتمام ذلك.

تساءل “طارق”:

– وما هذه الشروطُ؟

أجابَهُ “شريف أمين”، وقد لمعتْ عيناهُ:

 -يجبُ دفع مبلغ مالي قدرُهُ مائة ألف جنيهٍ، وذلك نظير تكاليف الألحان، والاتفاق مع المُطرِبينَ، وعمل الإجراءات اللازمة لتصوير الكليبات الغنائيَّة.

 وأخبرَهُ بأنَّ هذا المبلغ ضئيل، بجانب الأرباح الكبيرة التي سيحصلُ عليها.

واستأذنهما في الانصراف قائلًا:

– سأعودُ للمَقْهَى مرَّة أخرى في الثالثة عصرًا، إذا وافقتَ على دفع المبلغ المَالِي.

جلسَ “أحمد” مع “مُنَى”، وترجَّاها أن تذهب معه اليوم؛ لمقابلة والدته.

وافقتْ “مُنَى” على طلبه، وذهبتْ معه خارجةً مِن المَقْهَى؛ لمقابلة والدتِهِ بمنزله، كما أرادَ.

خرج الشَّيخُ “مبروك” من المَقْهَى ذاهبًا خلفَهما، دون أن يُشعِرَهما بذلك.

دخلَ “أحمد” بصُحبةِ “مُنَى” إلى منزلِهِ مُغلِقًا باب المنزل، وقائلًا لـ “مُنَى”:

– لقد اشتقتُ لهذه اللحظة كثيرًا!!

 واحتضنَها بعنفٍ، وطرحَها أرضًا؛ للنَّيل من عُذريتِها، وإفراغ شهوتِهِ العَفنةِ بها، لكنَّها قاومتْهُ بشدةٍ، وصرختْ صرخةً مُدوِّيةً، وفي هذه اللحظة كسرَ الشَّيخُ “مبروك” باب المنزل، وانهالَ على “أحمد” ضربًا بعصاه، حتَّى أفقدَهُ الوعي، وأخذَ “مُنَى”، وخرجَ مِن المنزل.

لملمتْ “مُنَى” ما تبقّى من أشلاء روحِها الحزينةِ، وأشار إليها الشَّيخُ “مبروك” بأن تأتِيَ معه إلى المقهَى؛ حتَّى تستردَّ أنفاسَها، وتهدأَ.

دخلتْ “مُنَى” إلى المَقْهَى، وجلستْ في مكانٍ آخر غير المكانِ الذي جمعَها بهذا الذِّئبِ البَشرِي.

اتصلَّ “عبده سبارس” بـ “شريف أمين” قائلًا له، والسعادةُ تتقافزُ في الهاتف:

– لقد حضرَ “طارق”، ومعه المبلغ المطلوب.

أجابَهُ “شريف أمين”:

–  سآتِي بعدَ قليلٍ.

أثناء ارتشاف “مُنَى” بعضًا من عصير الليمون؛ لكي تهدأ، وجدتْ والدَها يدخلُ إلى المَقْهَى، ويجلسُ على المقعد القريب منها بعض الشيء، والذي يجلسُ عليه رجلانِ آخرانِ، دون أن يشعرَ بوجودِها أو يَرَاها، ووجدتْهُ يأخذُ نقودًا من أحدِهما، ويُخرِجُ من حقيبةٍ كانتْ في يده أوراقًا، ويقولُ لهذا الرَّجلِ:

-إنَّ هَذِهِ الأوراق هي عقدُ الشَّراكة بينكَ وبين شَركة الإنتاج السينمَائِي.

  وطلبَ منه التَّوقيع على العَقدِ، وبعد أن قام هذا الرَّجلُ بالتوقيع، طلب منه المُنتِجُ أن يذهبَ إلى مقرِّ الشركة في العنوان المُبيَّن بالعَقدِ؛ لمقابلة المُوظَّف المسئول، وإرساله إلى معسكر الأحلام؛ لإعدادِهِ لعمل الكليبات الغنائيَّة.

 واستأذنَ” شريف”، وانصرفَ كعادتِهِ.

وضعتْ “مُنَى” يديها على رأسِها، وقالتْ متمتمةً:

– لماذا غيَّر أَبِي اسمَهُ؟!

وما حكاية شركة الإنتاج السينمائي؟!!

ظلَّتْ “مُنَى” لعِدَّة أيام متتالية حزينةً وشاردةً؛ فقد فقدَت الثِّقةَ في كُلِّ شيءٍ؛ فهي لم تتخيَّل للحظةٍ واحدةٍ أن يكون “أحمد” بهذه الوحشيَّة والحَقارة، وممَّا زاد الطين بِلَّةً صدمتها بأبيها؛ فهي لم تتوقَّع أبدًا أن يكون نصَّابًا، ويَمْشِي باسمٍ مستعارٍ؛ من أجل دُنيَا فانية!!

 ركَّزتْ “مُنَى” اهتمامَها في كيفية الوصول للوسائل المناسبة لإبعاد والدِها عن هذا الطريق المُظلِم الذي سيُؤدِّي به حتمًا في غياهب السُّجون، ناهيكَ عن عقاب الله عزَّ وجلَّ.

ذهبتْ إلى المَقْهَى؛ لعلَّها تقابلُ الرجلينِ اللذينِ كانَا يجلسانِ مع والدها.

تحسَّنت الحالة الصحية كثيرًا لزوجة “كمال” بعد نجاح العملية الجراحيَّة التي أُجرِيتْ لها، وعادتْ إلى منزلها بصحةٍ جيدةٍ.

اطمأن “كمال” على حالة زوجته الصحيَّة، وبدأ قلبُهُ يعاود الحنين لـ “أمينة”.

 قام بالاتصال بها، وأخبرَها برغبته في مقابلتها بالمَقْهَى.

ردَّتْ عليه “أمينة” مُعرِبةً عن سعادتِها بسماع صوته، وعن رغبتِها أيضًا بمقابلتِهِ.

أرادتْ “أمينة” مِن هذا اللقاء أن تضعَ حدًّا لعلاقتِها بـ “كمال”؛ فهي رغم حُبِّها الشَّديد له، إلَّا أنَّها رغبتْ أن تُضحِّي بهذا الحُبِّ؛ مِنْ أجلِ إسعاد زوجة “كمال” وأبنائه.

ذهبتْ “مُنَى” إلى المَقْهَى، وفُوجِئتْ بوجودِ أحدِ الرَّجُلينِ، وسألتْ “مسعود” عن اسمه.

أجابَها بأنَّ اسمَهُ “عبده سبارس”، مُتعهّد فنَّانينَ لدى شركة الإنتاج السينمائي الخاصَّة بـ “شريف أمين”، شكرتْهُ “مُنَى”، ثُمَّ قامتْ واتَّجهت نحو الطاولة التي يجلسُ عليها، وقالتْ له بأنَّ اسمَها “مُنَى فاروق”، وأنَّها راقصة، وترغبُ في مقابلة “شريف أمين”؛ للعمل في المجال السينمائي.

رحَّب بها قائلًا:

– لا مانعَ!

 وقام بالاتِّصالِ بـ “شريف أمين”؛ ليحدِّدَ لها موعدًا معه.

ردَّ “شريف أمين”، بأنَّهُ سيقابلُها غدًا.

حضرَ “كمال” للمَقْهَى، وقابلتْهُ “أمينة” بهدوئها المُعتَاد وبَساطتها.

 أفصحَ لها عن رغبتِهِ في الارتباطِ بها، ردَّتْ عليه بأنَّها تحبُّهُ وتحترمُهُ، ولكنَّها ترفضُ هذا الزَّواجَ؛ لأنَّها لا تريدُ أن يكونَ ذلك سببٌ في هدم كيان أسرته.

 ترجَّاها أن تُعِيدَ حساباتِها مِنْ جديدٍ.

قابلتْ “مُنَى” “عبده سبارس” بالمَقْهَى بعد اتصالِها به، وجلستْ في انتظار قدوم والدِها.

بعدَ قليلٍ ….

حضر إلى المَقْهَى “شريف أمين”.

ولاحظ “عبده سبارس” الاندهاش والوجوم على وجهِهِ، وهو ينظرُ إلى “مُنَى”.

قال “شريف أمين” مُندهِشًا:

– “مُنَى”؟! ……بتعملي إيه هنا يا “مُنَى”؟!

قال “عبده سبارس” في تلالٍ من الحيرةِ:

– إنتَ تعرَفها يا شريف بيه؟
قالتْ “مُنَى”، وبسرعةٍ قبل أن يتكلَّم والدُها، وهي تحدِّقُ في عينيه:

-والدِي صديقُ الأستاذ “شريف أمين”.

لم ينطقْ “شريف أمين”، وجلسَ على المقعد واضعًا يدَهُ على رأسِهِ، بعد أن أُصِيب بدوارٍ.

نظرَ إليه “عبده سبارس” بقلقٍ هاتفًا:

-ماذا بكَ يا “شريف” بيه؟!

 “شريف أمين” يردُّ:

– أنا أشعرُ بدوارٍ وألمٍ في رأسِي!

 واستأذنَهما في الانصراف.

استأذنتْ “مُنَى” هي الأخرى بعد مرور دقائق معدودةٍ، وخرجتْ مِن المَقْهَى.

قطع انهماك “عبده سبارس” في تدخين الشِّيشة أصواتُ الإنذار الصادرة من سيَّارات الشُّرطة، واندفع منها أفرادُ الشُّرطة إلى داخل المَقْهَى، ومعهم المواهب الفنيَّة التي قام “شريف أمين” بالتعاقُد معها.

أرشدت المواهبُ الفنيَّة أفراد الشُّرطة عن”عبده سبارس”، وقالتْ:

– إنَّهُ يعملُ لحسابِ “شريف أمين”.

قال “عبده سبارس”مُدافِعًا عن نفسِهِ:

– أنا لا أفهمُ شيئًا مِمَّا يقولُون!!

ردَّ عليه أحدُ الضُّباط قائلًا:

– إنَّ هؤلاء يتهمُّون “شريف أمين” بالنَّصب عليهم، وسرقة أموالهم.

 وشرح له أنَّ المسئولينَ عن إدارة القرية السياحيَّة التي كانوا يقيمُون بها قدَّمُوا بلاغًاً للشُّرطة؛ لعدم دفعهم باقي تكاليف إقامتهم، وقد زعمَ هؤلاء الناس أنَّهم مبعوثُون مِنْ قِبلِ شركة الإنتاج السينمائي للإعداد والترتيب لعمل العديد من الأعمال السينمائيَّة الخاصَّة بالشركة، وقالوا، بأنَّهم تمَّ التعاقدُ معهم بمقهَى الفَن، ومَنْ ساعدَهم في التعرُّف والتعاقُد مع المُنتِج السينمائي، هو: أنتَ.

ردَّ “عبده سبارس” قائلًا في ثبات الجبال:

– أنا مُجرَّد وسيط بينهم؛ حيثُ أوهمني”شريف أمين” مثلهم تمامًا، بأنَّهُ مُنتِج سينمائِي، ويريدُ التَّعاقُد مع مواهب فنيَّة متعدِّدة؛ لإنتاج عِدَّة أعمالٍ سينمائيَّةٍ، وقال للضابط:

 -أسألْهم، هل أنا أخذتُ منهم أموالًا أو تعاقدتُ معهم؟

قام الضَّابِطُ بسؤالِهم، ونَفوا أنَّهُ أخذَ منهم أموالًا.

ردَّ عليهم الضَّابط:

– إذًا ستبقون معنا، لحين دفعِكم باقي تكاليف إقامتِكم بالقرية السياحيَّة، وسوف يتمُّ البحث والتحرِّي عن المدعوِّ “شريف أمين”.

قرَّرتْ “مُنَى” أن تحسمَ أمرَ والدِها بمواجهته وتحذيره، وإن لم يُرجِع الحقوقَ لأصحابِها، فسوف تُبلِغُ عنه الشُّرطة.

                                                                          (انتهتْ)

                                                                  بقلمِ/ (يُوسف القَاضِي)

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى