المشاركة في فرع القصّة القصيرة: مرايا الوجع
اسم المشارك؛ سامية
غشّير
البلد: الجزائر
رقم الهاتف والواتساب: 213775379743+
رابط صفحة الفيسبوك:
https://www.facebook.com/share/1DPk5449C4/?mibextid=wwXIfr
الحلم العربيّ تلك الأمنيّة والأغنيّة الحالمة التي نزفت بها حروف الجرائد وتجمّلت بها الألحان، كانت مجرّد همسات متناثرة تعبّر عن الجرح الذّي نخر الخوالج إلى درجة الهوس، كان حلمًا ذابلًا، يصوّر أفول الرّوح وتلاقح الألم بأساطير العروبة، حلمنا العربي صار بعيدًا كالسّراب، مثقل الوجد، شريد الرّوح لما انتشر الفقد يلسع شظايا أرواحنا والتهمها بعنف، فصارت رنّة الموت تنبض في تلابيب العمر هلاكًا وشرخًا.
كان “قصيّ” الطّفل السّوري ذي العشر سنوات، الذّي فرّ من جحيم الحرب الأهليّة السّوريّة واحتمى ببلاد الجزائر رفقة والدته العجوز الكفيفة، هاجر بلاده غير أنّ شروخ العذاب لا تزال ترسو على ملامحه البريئة، وفي داخله ندوب تتدفق وتصرخ: آه أيّتها الحرب القاسيّة، قد هزمت الأرواح ونشرت في خوالجنا سموم الفراق وندوب الغياب…
أخذ أوراقه المبلّلة بدموعه وبدأ في قصّ خواطر جروحه، آه أيّتها الحرب المحرقة ألهبت قلبي وقلب تلك العجوز، سرقت منّي أغلى ما أملك، أبي إخوتي، أصحابي ابتسامتي، طفولتي، حياتي، والأكثر من ذلك سرقت منّي وطني الذّي نزُع أمام عيني عنوةً من قبل قطّاع الحياة وسرّاق الوقت، ما مصيرنا كلاجئين نبحث عن الأمان في أوطانٍ غير أوطاننا، ونفترش طرقات العذاب، ونتذوّق علقم الذّكريات المرّة، ونترك الوطن وراءَنا يندب تجاعيد الغياب، آه يا وطني، كيف حالك اليوم؟
هل مازلت شريد القلب، ملبّد بالغيوم؟
هل زال الظّلام وأشرقت فيك النّجوم
وبينما “قصّي” يردّد كلماته التي تشبه الرّثاء اندلع بجانبه صوت آخر، أخذ يتدفّق ليحرق أنفاسه المشتعلة حرقةً ومرارةً.
اندفعت كلمات “قصّي” تخاطب ذلك الوجه العابس، الغارق في منفى وجعه: من تكون؟
انطلق صوته الحزين يغرّد: معك “بهاء” لاجئ ليبي، عندي عامين وأنا بعيد عن وطني، لم أرتضِ فراقه لكن الظروف أجبرتنا على التّنازل عن أوطاننا، الحرب لسعت أرواحنا، شرّدتنا، يتمتنا، ضعنا في ربيع الاحتراق، يا إلهي كيف سيكون حاضرنا؟ ما مصير أوطاننا؟ كيف سنعيش والفقد ينخر أرواحنا، والجرح ينهش أضلاعنا، ما ذنبنا أن نتألّم ونكابد الخسران ونحن في حلبة الهزيمة.
تكلّم “قصّي” (وعلامات اليأس تكسو ملامحه): بلداننا تحترق وتنزف صيحات رفض وتمرّد، أوطاننا أرهقت وأزهقت بقنابل الطّيش والأنانيّة والكراهيّة، ما ذنبنا أن نغترب ونُعاني آلام البِعاد والهجر؟؟؟
التفت “قصّي” إلى “بهاء” وهو يحاول شحنه معنويًّا حتى ينسى مواجعه، وينتظر بزوغ نجم العودة إلى وطنه ويقطن مراتيجه الحسناء، إلّا أنّه لم يجده، فقد غادر مكانه، وترك بقايا ورقة أخذها وتمعّن فيها جيّدًا، فرأى فيها صورة الوطن المهزوم المكبّل بقيود الفناء، وأمامه صورة لطفلٍ يحمل مصباح علاء الدّين، ومكتوب في أعلاها “حتّى مصباح علاء الدّين أصبح عاجزًا أمام جسامة ربيع الاحتراق ستذيقنا قذائف الموت من لوعتها حتى الانصهار، ستستباح أرواحنا في أوطاننا التّعيسة التي منحت إشراقتها للأفول، ستكسونا التّجاعيد، وتغزونا مسامات الغياب وعثرات اللّقاء.”
أخذ “قصّي” قلمه وخطّ من حنان حبر وفائِه: آسف يا صديقي، سأخالفك هذه المرّة، ستعود أوطاننا كالعنقاء، وتنهض من الرّماد، وسيشرق مصباح الأمنيات في شوارعها، لتعود وتمارس طقوس الفرح والسّمر ومراودة العشّاق، وتلهب من جديد سيمفونيّات الأمل حناجرنا الملتهبة بصدأ الفراق.
ستشرق ملائكة السّلام تخوم الغياب
وتغرب التّجاعيد وينزوي العذاب
ونعود لنعزف أوتار الحبّ بين الأحباب
والوطن والأصحاب.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون