غياهب الذات
قصة قصيرة
كان يقبع في صومعته بعيداً عن صخب المدينة التي لا يظهر منها غير بقايا أضوائها الخافتة. يرتشف الماء من إنائه الفخاري، ويأكل بعض كسرات الخبز التي يعتليها الغبار في تلك السلة المصنوعة من جريد النخل المعلقة في أحد أركان الصومعة.
يخرج ثم يجلس على الصخرة؛ لا أحد.. لا ضجيج. ينتشر الظلام في كل أرجاء الصحراء من حوله، ينظر إلى السماء فتؤنسه النجوم، ثم يتمتم ببعض الكلمات وكأنه يتحدث إليها. وفجأة، يخترق الصمتَ صوتُ انفجار قوي! انتفض مفزعاً يهرول نحو الصوت، صاح في تعجب: “سبحان الله!”.
إنها سيارة ارتطمت بصخرة بعد أن انفجر الإطار. اقترب، فإذا بفتاة ملقاة على الأرض، ترتدي ملابس شفافة قد اعتلاها التراب، لا تشعر بمن حولها. حملها إلى الصومعة، أخذ يمسح التراب عن وجهها، ثم يئس من أن تكون ما زالت على قيد الحياة، فإذا بصوت خافت ينبعث من بين شفتيها.
اقترب بأذنيه منها فسمع كلمة: “ماء”. أسرع بالإناء الفخاري وحمل رأسها على فخذيه وسكب في فمها الماء. نظرت إليه في تعجب: “من أنت؟ وما هذا المكان الموحش؟ وما الذي أتى بي إلى هنا؟”. فحكى لها ما كان. سألها: “ما الذي جعلكِ تمرين من هذا الطريق؟ فلا أحد يمر من هنا منذ زمن بعيد”.
قالت: “كنت ذاهبة إلى حفلة وتأخرت، فأخذت طريقاً مختصراً فحدث ما حدث.. أنت أنقذت حياتي وسأمنحك الشيء الوحيد الذي أملكه”. سكت ونظر إلى الأرض في خجل وتواضع: “أنا لا أريد شيئاً”، وتركها وخرج يجلس على الصخرة القابعة أمام الصومعة، والتي لا تحركها الرياح ولا العواصف.
نظر إلى السماء وقد تلعثمت بين شفتيه التمتمات، نظر إلى السماء كعادته فإذا بالنجوم قد غطتها السحب السوداء. وبينما هو كذلك، إذ بأصابعها تتخلل شعره! اقشعر جسده وارتفعت ضربات قلبه، ثم صرخ: “ابتعدي عني.. لا أريدك أن تلمسيني!”.
ضحكت بصوت عالٍ: “هل تعجبك هذه الحياة الموحشة التي تشبه حياة الخفافيش؟” وأخذت تقترب منه. ابتلع ريقه ثم دفعها بقوة وهو يرتعد وخرج مسرعاً. نظرت إليه مبتسمة: “أنت تهرب مني.. لكني أسكن بداخلك!”.
ثم استيقظ على صوت الأذان القادم من المدينة البعيدة.
بقلم / عادل منصور
[: رقم الهاتف 01011576656
جمهوريه مصر العربيه
رابط الصفحه https://www.facebook.com/share/1D7RfJzmxR/
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون