مسابقة القصة القصيرة

قصة : الطرد ..مسابقة القصة القصيرة .بقلم / حسن رجب الفخراني ..مصر

الاسم: حسن رجب محمد ابراهيم
اسم الشهرة: حسن رجب الفخراني
تاريخ الميلاد: 30/5/1974
العنوان : مصر – سوهاج قرية بلصفورة
تليفون وواتس 01155117170
ايميل / [email protected]
الفيس: https://www.facebook.com/profile.php?id=100010858273361

الطــــــــــــرد
أجساد البشر في تلاحمها وتدافعها وكأنها أمواج البحر العتية ,قلما قد تجد بينها موضعاً لقدم, أما الباعة الجائلين و بالرغم من هذا التكدس لا زالوا في درب القطار ما بين ذهابٍ وايابٍ ,أحدهم يحمل علي راسه طاولة خشبية صغيرة وعليها استقرت أرغفة الخبز المحشية ببعض الفلافل الباردة وبعض الحشائش الخضراء وهو لا يكف عن اطلاق هتافه المدوي بصوتٍ مبحوحٍ
: الخبز يا جوعي.
آخر أحاط ذراعه بسبحٍ مختلفة الأشكال والألوان وبيده يحمل علبة بخور رائحتها كريهة ,تكاد تدعوك لإفراغ كل ما في معدتك .
غيرهم الكثير حتي إنك تجزم أن كل السلع التي تحتاجها أو التي لا تريدها متوافرة لديهم.
حين تنظر في عيونهم لا تجد سوي رداً صامتاً ممتزج بصبر
رحلاتهم الكثيرة غرست في أعماقهم الصبر بمعناه وجوهره فهم لا يصيبهم السأم ولا ينال منهم القنوط ,تعلو شفاههم المتقرحة ابتسامات لا مغزي لها.
أصوات عجلات القطار كلما زاد في سرعته كأنها عواء أنثي ذئب مفجوعة ,و محصل التذاكر يحاول في مشقة لا تخفي شق طريقه وسط هذا الخضم من الناس.
: تذاكر يا سادة.
يمد يده ويلتقط تذكرة من أحد الركاب ويطالعها ملياً أسفل الضوء الباهت المنبعث من مصباح عجوز في سماء العربة, ويلتفت إلي آخر حتي لاحظ اضطراب أحدهم فاقترب منه وبهدوء قال
:التذكرة.
تلعثم الراكب وتفصد من جبينه بعض العرق وهو يقول
: الحقيقة , لقد فقدتها.
نظر إليه المحصل في لا مبالاة وهو يستطرد
: الآن وجب عليك دفع ثمنها والغرامة المقررة.
ولا زال في سيره يسأل هذا ويحرر غرامةً لأخر.
ولا زالت عربات القطار كثيرة وعليه أن ينتهي منها قبل أن يقف في محطته القادمة ,
اهتزاز القطار لا يكف وكأنه يوشك أن يفر من فوق قضبانه الحديدية غليظة القلب.
أثناء سير المحصل في دهاليزه لفت نظره جوال من الخيش المنتفخ فوق أحد الرفوف ,دنا منه ثم قال بصوت جهوري
: من منكم صاحب هذا الجوال العفن؟
تحرك من جانب أحدي المقاعد الخشبية المتهالكة كهلاً محني الظهر وبكل قوته تحامل علي ظهر المقعد حتي أستطاع الوقوف قبالته وبصوت واهن غمغم
:أنه لي يا سيدي.
: أين تذكرتك؟
وضع الكهل يده المتغضنة في جيب جلبابه البالي ثم أخرج التذكرة وناوله إياها, طالعها هذا الأخير في تمعن ,ثم قال في غطرسة
: وتذكرة هذا الجوال.
أرتجف الكهل وشعر بأنه يكاد يهوي في بئرٍ عميقٍ و بعيونه التي تكاد تبصر رمق المحصل بنظرات حائرة وهو يهمهم
: أي تذكرة يا سيدي؟
رد المحصل في تجهمٍ قائلاً
: أذن سوف أعتبره طرد ,وغرامته أضعاف ثمن التذكرة.
هوي الكهل أرضا تلك المرة بمجرد ما سمع تلك الكلمات وكأنها أحجار ألقيت بلا شفقة علي أم راسه.
أسرع بعض الشباب وأمسكوا به حتي أستطاع أن يقف علي قدميه التي لا تكفي عن الرعشة ,اما هو فأسرع ليمسك بيد المحصل وينهال عليها تلثيما وهو يقول من خلال دموعه التي بدأت في التدفق
: أرحم شيبتى والتمس العذر بالله عليك لفقري.
: تلك تعليمات لا بد من تنفيذها, وأنا لا أملك إلا أن أنفذها ,هنا ليس دار رعاية اجتماعية ,هل تريدني أن أتغاضى عنك وعن غيرك ,وأكون سبب في ترك المال العام مهدر لدي المدعين والغوغاء.
: الحياة بلا رأفة ,هي الموت لنا ,أقبل قدمك وراسك أن تدعني لوجه الله.
:لا.
نظرات الركاب تطالع ما يحدث أمامها ولا تملك إلا الانحناء في انكسار ,بعضها تحاول أن تبحث عن نقود لا تحتاجها لتدفعها لهذا الكهل وتسد جوع هذا المحصل النهم ولكنها تعود خالية الوفاض ,تستسلم قهراً عنها لطغيان الواقع المرير.
أقترب أحد الشباب من المحصل وترجاه بصوت منخفض ,فما كان من الأخير إلا أن رفع عقيرته قائلا
: من لا يعجبه أنني أحافظ علي المال العام ,ليدفع هو.
لم يشعر الشاب بنفسه الا وهو يهم بالتعدي علي المحصل بيد أن رنين هاتف المحصل شل نيته.
: نعم ,أنا في العمل , أين أنتِ الان؟
أتاه الرد من الجانب الآخر عبر الهاتف
: أنا لدي الطبيب ومعي أبننا , وقد قام بالكشف عليه ويريد محادثتك.
رد المحصل وقد تملكه القلق.
: لما يريد ذلك ؟
ردت الزوجة وقد عصف بها حزن عتي تجلي في كلماتها المبتورة
: لا أعرف ,ها هو معك.
وناولت الهاتف للطبيب الذي تكلم في تجهم
:أبنك بحاجة لعملية في أقرب وقت.
ارتعشت يده وهو يسمع ما يقوله الطبيب ,حاول التجلد ومقاومة الانهيار الذي أوشك ان يجرفه مثل السيل أمامه وهو يستطرد
: ماذا بصغيري سيدي الطبيب ,وأي عملية يحتاجها.
أجابه الطبيب في اقتضاب
: الوقت الآن ليس متاح للشرح ,هو بحاجة ملحة لتلك العملية ,هذا ما لدي.
صمت المحصل هنيهة ثم قال
: إن كان الأمر هكذا ,فلا مفر.
رد الطبيب في تساؤل
: من يوقع علي إقرار إجراءه العملية.
أسرع المحصل في الرد قائلا
:والدته.
أستكمل الطبيب تساؤله
: ومن يدفع أتعابها.
أجابه المحصل ولا زال شلال القلق يعصف به
:ما تريده سيدي الطبيب ,كم تكلفة تلك العملية حتي نحضره لك.
وما إ ن آسر الطبيب في أُذن المحصل بما يريده من أتعاب وكأنما رشق في قلبه رمح نافذ جعله يترنح في وقفته وأوشك أن يسقط أرضاً لولا أن أمسك بظهر أحدي المقاعد في اللحظة الاخيرة ,حاول أن يتكأ علي أحد الركاب الذي ناء بجانبه عنه .
لا زال الركاب يتابعون في صمتٍ حديث المحصل دون أن يحاول أحدهم مد يديه لمساعدته أو حتي سؤاله عما اعتراه جراء تلك المحادثة.
صرير عجلات القطار لا تكف عن نواحها ,وشرفاته المحطمة لا تقف حجرة عثرة أمام تيارات الهواء الباردة التي لا تكف عن جلد الركاب برهة.
استجمع كل قواه وتحامل علي نفسه وهو يهاتف الطبيب مهمهما
: لكن هذا كثير ,وظيفتي لا تؤهل ربع هذا المبلغ لي ,بالله عليك ,أنظر لصغيري بعين الرحمة.
رد الطبيب في جمودٍ
:العمليات الجراحية لا تتم بالرحمة ,ولكن تحتاج لأدوات وعلاج وأتعاب طبيب التخدير وغير ذلك الكثير ,من يتحمل هذا؟
واصل المحصل قوله في استعطاف جلي
: أقبل يدك بل وقدمك ,هذا صغيري ووحيدي ,هكذا سوف أفقده ,أليس لديك أبناء؟
وانسابت من أحداقه بعض الدموع الحزينة.
غير أن الطبيب وكأنه لم يسمع من قوله شيء وهو يستطرد في تجهم
: ألديك النقود لإجراء العملية ؟ أم…….
لم يعد المحصل يسمع ما يقال له بل ولم يعد يشعر بنفسه وهو يهوي في هوة سحيقة وبدأت المرئيات تتلاشي من أمامه تدريجيا وقبل أن يفقد قدرته علي الصمود واقفا حانت منه التفاته ناحية الرجل الكهل الذي جلس يندب حظه وأعلاه فوق أحد الرفوف استقر طرده.

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى