يُمثل البحث العلمي الركيزة الأساسية للتقدم المعرفي الإنساني، وهو ليس مجرد تجميع عشوائي للمعلومات، بل هو عملية منظمة تتطلب رؤية فلسفية ومنهجية واضحة، إذ إن جودة أي نتاج علمي وقدرته على الصمود أمام النقد المعرفي تتوقف على ركنين أساسيين، أولهما بناء إطار نظري رصين يُشكل الهيكل العظمي الذي يستند إليه الجسد البحثي كاملاً، وثانيهما الاختيار الدقيق والمبرر لنوع البحث ومنهجيته بما يتلاءم مع طبيعة المشكلة المعالجة.
يشكل الإطار النظري الخلفية العلمية الرصينة لموضوع البحث، وهو الجزء الذي يشرح بعمق المفاهيم والنظريات والدراسات السابقة المرتبطة بمتغيرات الدراسة، بهدف تمكين الباحث من فهم الأساس العلمي والمنهجي الذي بُني عليه البحث ككل، وتتلخص الغايات المعرفية للإطار النظري في خمسة أبعاد جوهرية وهي، توضيح مفاهيم الدراسة ومتغيراتها بدقة تعريفية وإجرائية، وعرض النظريات المفسرة للموضوع وإبراز منطلقاتها الفلسفية، وربط الدراسة الحالية بالدراسات السابقة لضمان التراكمية المعرفية، وإظهار الفجوة البحثية التي يبرر البحث الحالي وجوده لسدها، وبناء فرضيات أو أسئلة البحث على أسس علمية متينة لا على الحدس والتخمين.
ويتطلب بناء الإطار النظري الالتزام بست خطوات متسلسلة تضمن التماسك والتدفق المنطقي وهي، الخطوة الأولى تحديد محاور البحث، من خلال رصد المتغيرات الرئيسة في الدراسة ويقسم الإطار النظري إلى محاور يتم البناء عليها بشكل منظم، أما الخطوة الثانية فهي تعريف المفهوم أو المتغير، بمعنى البدء بوضع تعريفات علمية شاملة ومختلفة للمفهوم من مراجع علمية متعددة لبيان التطور الاصطلاحي، والخطوة الثالثة هي توضيح الأبعاد أو المكونات، بمعنى شرح الأبعاد أو المكونات الرئيسة التي تشكل المفهوم أو المتغير بشكل مفصل ودقيق، أما الخطوة الرابعة فهي عرض النظريات المرتبطة، بمعنى ذكر وتفكيك النظريات التي تفسر المتغير أو العلاقة بين المتغيرات لإعطاء عمق تفسيري للظاهرة، والخطوة الخامسة هي الربط بالدراسات السابقة، بمعنى عرض الأدبيات والدراسات السابقة ذات الصلة بموضوع البحث وتحليلها نقدياً، والخطوة السادسة هي التعليق والتحليل والفجوة البحثية، بمعنى التعقيب على ما تم عرضه، وتحديد الإضافة العلمية للدراسة الحالية، ثم تبيان الفجوة البحثية التي يسعى الباحث لمعالجتها.
تتنوع البحوث العلمية وفقاً لغاياتها، وطبيعة المشكلات المعالجة، والمنهج المستخدم، وهو ما يُمكن الباحث من الوصول إلى نتائج دقيقة ذات قيمة علمية مضافة، بناءً على المعطيات المنهجية، ويُمكن تصنيف الأنواع البحثية إلى ثمانية أنماط رئيسة كما وهي، البحث الوصفي ويتجلى هدفه الأسمى في وصف الظاهرة كما هي كائنة في الواقع، وتحديد خصائصها، ودرجة وجودها، والإجابة عن الأسئلة الاستكشافية الاستفهامية مثل: (من؟ ماذا؟ متى؟ أين؟ كم؟)، ويتميز هذا النوع بعدم تدخل الباحث في مجريات الظاهرة بل يقتصر على وصف الوضع الحالي، مستعيناً بأدوات جمع بيانات تشمل الاستبانة، والمقابلة، والملاحظة، وتحليل الوثائق.
البحث الاستكشافي ويُستدعى هذا النمط عندما تكون المشكلة البحثية جديدة أو غامضة، والمعلومات المتوفرة حولها شحيحة، ويهدف البحث الاستكشافي إلى فهم الأبعاد الأولية للمشكلة والتمهيد لبحوث أخرى أكثر عمقاً، مستخدماً أدوات مرنة مثل المقابلات المفتوحة، والملاحظة، ومراجعة الأدبيات، ومجموعات النقاش، أما البحث الاستدلالي (الاستنتاجي)، فيركز هذا النوع على اختبار الفرضيات وتفسير الظواهر العلمية، واستخلاص النتائج وتعميمها من العينة إلى المجتمع الكلي، ويعتمد بشكل كلي على الفرضيات العلمية المسبقة ويستخدم التحليل الإحصائي الدقيق لاختبارها، وتُجمع بياناته عبر الاستبانات، والاختبارات، والمقابلات المنظمة، والملاحظة المقننة، أما البحث التجريبي فيهدف إلى معرفة أثر متغير مستقل على متغير تابع من خلال التجريب والضبط الصارم المتعمق، ويتميز بوجود مجموعتين: تجريبية تخضع للمتغير المستقل، وأخرى ضابطة للمقارنة، مع الاعتماد غالباً على القياس القبلي والبعدي، وتُستخدم الاختبارات، والمقاييس، والملاحظة، والاستبانة كأدوات أساسية.
أما البحث الارتباطي فيقتصر هدفه على تحديد طبيعة وقوة العلاقة بين متغيرين أو أكثر دون تدخل الباحث في تلك المتغيرات أو محاولة تعديلها، كما أنه لا يحدد مسببات العلاقة (السبب والنتيجة) بل يكتفي برصد الاقتران، ويعتمد على معاملات الارتباط الإحصائية، مستخدماً الاستبانات، والمقاييس، والاختبارات، أما البحث السبيبي المقارن، ف…
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون