الملخص:
قصة قصيرة نفسية رمزية، تتناول الانفصال عن الذات بعد صدمة شخصية، وكيف يمكن للصمت والغياب أن يصبحا وسيلة للتكيف، وصولًا إلى مواجهة الذات القديمة في المرآة.
بيانات المشاركة:
المؤلفة: نرمين حسين علي السطالي
البريد الإلكتروني: [email protected]
رقم الهاتف: +201282581802
مرآة لا تعكس الوجه
قصة قصيرة بقلم: نرمين حسين السطالي
في الصباح الأول بعد الجنازة، دخلت الغرفة كما لو كانت ضيفة في بيتها.
لم تدفع الباب بقوة، بل فتحته بحذر، كأنها تخشى صريرًا يفضح وجودها أو يوقظ شيئًا نائمًا في الداخل.
خطت ببطء، مترددة، كأن الأرض نفسها تنكرها إن مشت بثقة زائدة، وكأن البيت—الذي عاشت فيه سنوات—صار مكانًا لا يعترف بحقها في الانتماء.
الهواء كان ساكنًا على نحو غير مألوف، أثقل من أن يُستنشق بسهولة.
شعرت به يضغط على صدرها، يدخل ولا يخرج كما يجب.
رائحة المكان لم تتغيّر؛ مزيج مألوف من الخشب القديم، وملاءات نظيفة، وبقايا عطر خافت لم تعد تستخدمه منذ زمن.
الأثاث في موضعه، لم يتحرك كرسي واحد، ولم تُفتح درج بلا داعٍ.
الساعة الحائطية ما زالت متوقفة عند التوقيت نفسه منذ أسابيع، عقرباها جامدان عند لحظة لم تهتم يومًا بإصلاحها.
كل شيء يبدو طبيعيًا.
طبيعيًا على نحو مريب.
باستثناء المرآة.
توقفت أمامها دون وعي، كأن قدميها قادتاها إليها رغمًا عنها.
مرآة طويلة، قديمة، بإطار خشبي مشقوق تتخلله شقوق رفيعة كالتجاعيد.
كانت معلّقة في الركن الأيسر منذ سنوات، ولم تفكّر يومًا في استبدالها، رغم أنها لم تحبها قط.
لطالما شعرت—بإحساس غامض لا تملك له تفسيرًا—أنها تنظر أكثر مما تعكس، كأن سطحها لا يكتفي باستقبال الصورة، بل يحاول اختراقها.
رفعت رأسها ببطء.
لم تجد وجهها.
لم تصرخ. لم تتحرك.
احتاج عقلها بضع ثوانٍ إضافية ليستوعب ما تراه عيناها.
المرآة تعكس الجدار المقابل، النافذة، الستارة البيضاء التي تتحرك بخفة مع نسمة الصباح، حافة السرير، المصباح الصغير… كل شيء في مكانه، واضح، محدد.
لكنها لا تعكسها هي.
لا عينين، لا ملامح، لا ظلًّا حتى.
مدّت يدها بحذر، كأنها تخشى أن يتبخر الهواء من حولها إن تحركت فجأة.
ظهرت اليد بوضوح: أصابعها، خاتمها الذي لم تخلعه منذ الجنازة، حتى الارتجافة الخفيفة في المعصم.
لكن الوجه… غائب.
شعرت ببرودة تزحف من عنقها إلى صدرها، وبرغبة غامضة في الجلوس على الأرض، لا بسبب الخوف وحده، بل لأن الوقوف بدا فجأة مهمة أكثر مما تحتمل.
تراجعت خطوة، ثم أخرى، حتى اصطدمت حافة السرير بساقيها.
ضحكت بخفوت، ضحكة قصيرة مبتورة، بلا نبرة حقيقية، محاولة يائسة لطرد الفكرة.
— إرهاق… صدمة… هذا طبيعي.
قالت الجملة بصوت عالٍ، وكأنها تخاطب المرآة، أو الغرفة، أو شخصًا لم يعد موجودًا ليسمعها.
بقي الصوت معلقًا في الهواء لحظة أطول مما يجب، ثم تلاشى.
****
في اليوم التالي، وقفت أمام المرآة مرة أخرى.
وفي الذي يليه، وفي الذي تلاه… ظلّ الغياب قائمًا.
لم تخبر أحدًا.
بعض الأشياء، إن نُطقت، صارت حقيقية أكثر مما ينبغي، وبعض الحقائق لا تُحتمل إلا وهي معلّقة في الصمت، بلا اسم، بلا اعتراف.
كانت تخشى—دون أن تعترف لنفسها—أن تتحول الحكاية إلى تشخيص، إلى نظرة شفقة، إلى نصيحة مبتذلة عن “الوقت” و“الشفاء”.
كانت تقف كل صباح أمام المرآة، تراقب جسدها ينعكس بلا رأس، ككائن ناقص، أو فكرة لم تكتمل، أو قرار تراجعت عنه في اللحظة الأخيرة.
الغريب أن الأمر لم يُرعبها كما توقعت.
على العكس، منحها راحة غير مفهومة.
لم تعد مضطرة لرؤية تلك الملامح التي طالما واجهتها بأسئلة لا ترحم:
لماذا صمتِ؟
لماذا وافقتِ؟
لماذا ابتلعتِ ما لم يكن لك؟
في غياب الوجه، صارت الأيام أخفّ وأسهل.
لم تعد تتوقف طويلًا أمام المرآة قبل الخروج.
لم تعد تعدّل تعابيرها أو تتدرّب على الابتسامة المناسبة.
كانت ترتدي ملابسها، تمشط شعرها، وتغادر، كأن الجسد وحده كافٍ للقيام بالمهام اليومية.
في العمل، كانوا ينادون اسمها، فترد.
تبتسم في الوقت المناسب، تضحك حين يُنتظر منها الضحك، تؤدي مهامها بإتقان يشبه الآلة.
زملاؤها لاحظوا هدوءها الزائد، لكنهم نسبوه إلى الحزن الطبيعي بعد الجنازة.
بعضهم ربت على كتفها، بعضهم تجنّب الأسئلة، وبعضهم قال الجملة نفسها:
“الوقت كفيل بكل شيء.”
كل شيء يعمل… دون الحاجة إلى هوية.
****
في إحدى الليالي، عادت متأخرة.
البيت مظلم، والصمت أثقل من المعتاد، كأنه ينتظرها.
أغلقت الباب خلفها، وأسندت جبهتها إليه لحظة أطول مما تنوي.
شعرت بتعب مفاجئ، ليس جسديًا، بل يشبه الفراغ.
أشعلت المصباح، ولم تتردد هذه المرة.
اتجهت مباشرة إلى المرآة ووقفت. تحدّقت.
للمرة الأولى منذ أسابيع، ظهر شيء مختلف.
لم يكن وجهها.
كان وجه نسخة قديمة منها، شاحبة، بعينين واسعتين تحدقان بثبات جارح.
لم يكن في النظرة اتهام، ولا شفقة، بل معرفة كاملة.
عرفت من هي فورًا، رغم أنها لم ترها منذ سنوات: نفسها، قبل أن تتعلّم الصمت، قبل أن تقول “لا بأس” بدل “أنا أتألم”، قبل أن تبتلع الحقيقة كاملة حتى اختنقت.
رفعت النسخة داخل المرآة يدها، اقتربت كأن الهواء تغيّر، وكأن المسافة بين الداخل والخارج تقلصت.
— أعديني
لم تسمع الصوت بأذنيها، لكنها شعرت به يهتز داخل صدرها كذكرى قديمة لم تُدفن.
تراجعت خطوة، ثم أخرى.
هزّت رأسها بعنف.
لا تريد هذا، لا تريد الوجه، ولا الأسئلة، ولا تلك النسخة التي تعرف جيدًا ماذا ستطلب منها.
أطفأت المصباح.
في الظلام، شعرت بشيء ينكسر بداخلها، كجزء ظل معلقًا طويلًا… سقط أخيرًا، تاركًا فراغًا موجعًا.
****
في الصباح، نظرت إلى المرآة مرة أخرى.
لم تجد شيئًا.
لا وجهها، ولا النسخة القديمة، ولا انعكاس الغرفة.
سطح أسود… أملس… كأنه باب أُغلق إلى الأبد.
فهمت أخيرًا: المرآة لم تخنها.
كانت تعكس فقط ما بقي منها.
وما اختفى منها، اختار الغياب منذ زمن، خطوة خطوة، حتى صار الغياب هو الحالة الطبيعية.
جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى السرير، غطّت وجهها بكفّيها.
صرخت.
صرخة واحدة، خامة، بلا ترتيب، كأول صوت حقيقي منذ سنوات.
وعندما هدأ الصدى، وجرأت على رفع رأسها، كانت المرآة تعكس وجهها كاملًا،
بملامحه كلها، بتجاعيده الدقيقة، بتعبه المكشوف.
لكنها هذه المرة… لم تستطع أن تنظر.
****
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون