الرئيسية » مسابقة القصة القصيرة » إستمر تائها .مسابقة القصة القصيرة بقلم / جواد الهروس من المغرب

إستمر تائها .مسابقة القصة القصيرة بقلم / جواد الهروس من المغرب

الإسم : جواد الهروس
العنوان : شارع محمد السادس رقم 603 تازة ــ المغرب
الهاتف المحمول : 0667084619
البريد الإلكتروني : jawharr75@hotmail.com
الفيسبوك : jaouad elharrouss
نوع المشاركة : الأدب ــ القصة القصيرة
عنوان المشاركة : اسْتَمِرَّ تَائِهًا

يعتريك ذلك الجنون الطافح .. تشعر برغبة ملحة في الصياح .. يختلط في داخلك إحساس بالفرح والحزن والألم مرة واحدة .. لا تدري ماذا تريد.. وتنتظر أن ترحل تلك الغيوم التي تحجب عنك الرؤيا ..
تمر لحظات ويكون ذلك الرحيل دون أن تدري مرادك ..
نفسك العاقة الأمارة بالسوء توسوس لك بأن تفعل وتفعل ما لا تحمد عقباه.. حاولت أن تهذبها .. أن تنظفها من رواسب الماضي وأوساخ إكراهات الحاضر .. دون جدوى ..
تقرر الخروج إلى الشارع فتخطو في اتجاه الباب .. تسرع الخطى .. تريد فتح الباب .. تتردد قليلا ..
– ولم الخروج ؟
– أ لأن اليوم عطلة ؟
– وماذا ستفعل بالخارج ؟
سئمت الجلوس في المقاهي .. حمقى وثرثارون من يجلسون بها..
أليس الجلوس بالمنزل أولى وأحسن ؟
على الأقل ستضمن لنفسك استنشاق هواء أقل تلوثا وعفونة من ذاك الذي اعتدته بالمقاهي .. وستتفادى القيل والقال فيما لا فائدة فيه ..
مللت التجول في أزقة المدينة القديمة .. سئمت ارتياد الحديقة اليتيمة..
لا شيء بالمدينة يعجبك ..
تعود أدراجك ..
كرسي خشبي في طريقك تنوي الجلوس عليه.. لا يعجبك منظره .. تركله جانبا .. تؤذي رجلك .. تـكـاد تصرخ من الألـم ..
تقسم ألا تجلس طوال ذلك اليوم عقابا لنفسك التي أشارت عليك بالجلوس.
تحرث البهــو ذهابا ومجيئا .. تنتبه لخطواتك المجنونة فجأة ..
حتما لقد أزعجت الجيران من تحتك أيها الثور الهائج ..
تتخذ وضعا آخر بعد أن تتجه إلى شرفة شقتك ..
تقف بها متكئا على شباكها الحديدي .. وتـنظر إلى الشارع المجنون ..
فوضى وضجيج منبعثان من كل جهة ..
أشخاص آتون في اتجاه العمارة .. وآخرون ذاهبون اتجاه اليمين أو اليسار .. والبعض أضرب عن المشي فوقف في مكانه لغاية ما لا يعلمها إلا الله .. وبعض آخر شذ عن هذه الحالات، فاختار أن يتشاجر أو أن يسب ويشتم بقبيح الكلمات وأرذلها .. أو أن يسرق أحدهم فيفر في شتى الاتجاهات بعد أن يطارد وتتعالى الصيحات، تتقدمها صيحة الضحية الذي خارت قواه وهو يلهث وعيناه تكادان أن تفارقا مكانهما من وقع المصيبة التي ألمت به:
” شد الشفار .. شد ولد الحرام .. دَّا رزق اليتامى .. الله يعطيه فضيحة .. الله يعطيه مصيبة تصيبه ” ..
يشعر الضحية بالألم والحسرة فيجهش في البكاء .. يقترب منه بعضهم ويحاول تهدئته .. ينطق آخر:
” لاش كتبكي .. اللي كان كان .. البكا على المـيـت خسارة “..
تشاهد .. تسمع .. و تتلذذ ..
عالم مجنون .. وغابة مليئة بالذئاب ..
وأنت أحدهم.. لأنك تشاهد إحدى جاراتك تنشر الغسيل .. فتختلس النظر..
ولأن شيئا ما بداخلك يشير عليك بأن تغض بصرك ويلعنك أيها الحقير، تمسك عن ذلك .. وتغادر الشرفة دون أن تدري أين ستستقر بك رجلاك ..
تـلتـقط جريدة البارحة التي لم تتمكن من قراءتها.. تتصفحها ..
حوادث وجرائم يستحيي المرء من ذكرها .. فساد .. نهب للمال العام ، والمجرمون فروا إلى الخارج دون حسيب أو رقيب..
هذه البلاد بقرة حلوب.. ” اللي جا كيحلبها..”
فظاعات بالصفحات الموالية .. وإعلانات وطلبات عروض..
تلقي بالجريدة على الأرض.. وتدوسها بقدميك..
تنتبه إلى جهاز التلفاز فتشغله ..
تبحث عن شيء ما بقناة ما ..
أخبار .. وأخبار .. وأخبار.. بكل القنوات..
كلها تعلن عن خزيك ..
كلها تلحق بك العار أيها الوضيع ، بعد أن صرت بدون كرامة وأنــفـك في التراب، و بعد أن أصيب ضميرك بالشلل ..
توقف تشغيل الجهاز ..
عليك اللعنة ! لماذا أقدمت على ذلك ؟
أ لأنه يفضحك ؟ وينبه إلى حقيقتك ؟
لا تريد الجواب .. و تقرر الاستمرار تائها إلى حيث لا تدري..

تعليقات

تعليقات

عن همسه

فتحى الحصرى صحفى فنى ومصور فوتوغرافى محترف ..الصورة عندى هى موضوع متفرد قائم بذاته والكلمة هى شرف الكاتب هكذا تعلمت من اساتذتى فشكرا لكل من تعلمت منهم

شاهد أيضاً

سخرية القدر . مسابقة القصة القصيرة بقلم / أمينة بريوق من الجزائر

سخرية القدر:   هي و هو . أمينة بريوق..الجزائر      هي ، كانت بحيرة راكدة لم …

2 تعليقان

  1. وهيبة سليماني

    مسابقة القصة القصيرة
    عنوان القصة: شهادة وفاء
    الكاتبة: وهيبة سليماني
    العنوان: 1شارع تركي بن يوسف قصر البخاري المدية، الجمهورية الجزائرية الشعبية
    البريد الالكتروني:wahibaslimani55@yahoo.com
    رقم الهاتف:213771373168

    شهادة وفاء

    الفجر الشاحب يعيد إلى الذاكرة نزفها.. ها هو الإحساس الغريب يتفجّر في كل موضع من جسدها.
    – أيها الفجر ماذا يحل بعدك غير النهار..غير النور؟ قالتها شبه ضاحكة وهي تقترب.. سيارتها تنهب الأرض نهبا والجبل يفتح لها ذراعيه.
    هنا وعلى ربوة تناثرت فيها الحجارة، وصمدت أمام الزمن بقايا جدران بيت مدمر.. ركنت سيارتها ونزلت.. راحت تناجي المكان بهمس وخشوع، كانت تداعبها خيوط الشمس وهي تزيح السواد بنورها.. اندمجت مع عذوبة نسمات الشروق وأرق همساته.
    فتحت صدرها للأفق تستنشق هواء الاستقلال والحرية.. وعطر دماء الشهداء الزكية.. تمتّع نظرها ببريق يعلوه بريق، وترهف سمعها بتغريد عصافير معلنة نهارا جديدا.. تسمع من بعيد وسط هذا السكون صياح الديك ونداء الأذان القادم من مناطق سكنية نائية مترامية عبر السهول.
    لكن الذكرى تؤرقها، تؤلمها، تذبحها مرات ومرات بسكين الحزن.. ركام منزل كل ما تبقى في هذا المكان من أثر لحياة كانت.. الجميع يمرّون من هنا دون أن يعني لهم هذا المكان شيئا.. إنها لا تزال تختزل في ذاكرتها مشهد الانفجار، فتغمض عينيها، وتعتصرهما بقوة، لعل الدموع المتبقية تُذهب عنها صورة أشلاء الجثث والصراخ المفزع والحطام والدخان..
    سرج الغول.. هذا الجبل الشامخ المهيب المطل على الأماكن الواسعة.. الأشجار الكثيفة أكسته مسحة رائعة الجمال ورونقا بديعا يضم في حناياه وعلى منحدراته وسفوحه وقممه، وحتى في أوديته ذكريات الكفاح المجيد..عبق البطولات العظيمة.. وأحداثا مفرحة وأخرى محزنة لا تزال راسخة في ذاكرة الحاجة مسعودة أو “مسعودة السطايفية” كما كانت تُسمى خلال الثورة.
    انه فجر العاشر من أكتوبر.. يأتيها هذا اليوم فيشق طريقه إلى قلبها.. كل شيء حولها يذكّرها بهول التفجير.. ترتعش.. لا تزال تتذكر تهاوي البشر والحجر والشجر تحت تأثير الغارات الفرنسية المتكررة على المنزل والقرى المجاورة.
    – كم هي غريبة هذه الحياة!.. همست وهي تستنشق الهواء ملء رئتيها ولا تزال تنظر إلى الأفق وتغمغم “شيء غريب: أنا شهيدة أم مجاهدة؟!”.. مشت متثاقلة تتوكأ على عصاها.
    – كيف نجوتُ من هذا الهجوم؟!
    الجبل الزاهر يضرب بخضرته عبر زنار عريض يندرج حتى الأودية.. فوق هذه الربوة أغمضت عينيها تستحضر دويّ التفجير وتشم رائحة الشهادة.. وفتحتهما على أطلال مهجورة موحشة.. تجمع العليق والأشواك في أرضها الترابية.. ثم جلست شاردة الذهن، تغطي وجهها بكفيها مُطرقة رأسها إلى الأرض.
    – مؤلم.. قالتها قبل أن يمتصّ الصمت وجهها.. غرقت في التفكير.. راحت تتمتم وتعيد بعض التفاصيل تحت سطوة مناظر سرج الغول.
    – اغتالتني فرنسا في مثل هذا اليوم في هذا المنزل المدمَّر.. أو كما كانت تعتقد، ووثقت ذلك في سجل الوفيات.. تمكنت من زرع الألغام ونزعها، وقطع أسلاك خطَّيْ شارل وموريس المكهربة الشائكة، لكن اليوم لم أتمكن من شطب شهادة الوفاة.. نعم شهادة الوفاة التي بقيت تلازمني بعد كل هذا العمر!.
    – إلى متى يستمر احتجاجي عن وجودي في الحياة.. إلى متى؟!..هل كل هذه التضحيات التي قدمتها تذهب أدراج الرياح؟!.. الكلمات خرجت من فمها تباعا قوية كسّرت حاجز الصمت.
    زفرت زفرة طويلة وافترت شفتاها عن ابتسامة هادئة:
    – عندما يلعب الشيطان برؤوسنا.. هنا يسقط حب الوطن.. فِداك يا جزائر.
    نهضت واقفة في صمت تضرب الزجاجات الفارغة.. هي لسُكارى ورعاة أفرغوها في أحشائهم.. فهم قلّما يمرون من هنا.
    عادت تدور بين بقايا الجدران والألم يعصر قلبها وأمام كل مكان تكتم شهقة.. ثم شهقت حين اصطدمت قدمُها ببقايا أوان حديدية صدِئة استحضرت صورة آخر ليلة جمعتها مع الفدائيين المتفتّتة أجسادهم في هذا المكان..
    – إيه.. العشاء يومها كان “شخشوخة”.
    كانت مسعودة فدائية تشع على من يجالسها الاتزان والتفكير.. تحب الوطن والحق.. تمسك لجام نفسها، فلا تراها إلا مبتسمة.. قالت ليلتها وهي ترحّب بالخطة المقترحة لتنفيذ هجوم على ثكنة للجنود الفرنسيين:
    – ما أهمية أن نعيش وكرامة الوطن تخر صريعة تحت النعال؟!…
    عيناها البراقتان تنبع منهما الحدّة والعزيمة وصدرها يحتضن قلبا كبيرا مفعما بالصبر والقناعة.. جادّة التفكير عندما يتعلق الأمر بالجزائر، راجحة العقل متزنة المواقف جمة التواضع وهي تشارك في اللقاءات السرية.
    الإخلاص للجزائر عقدٌ كتمته في قلبها.. رغبة نابعة من عاطفة قوية صادقة.
    الذكريات وخزت حنجرتها.. وصدرت منها شبه صرخة مكتومة.. أجهشت بالبكاء.
    – هناك كثيرون لم يعوا حجم التضحية من اجل استرجاع سيادة البلد.
    شطّت الذكريات في ذهنها وعاد تثبّت نظرها على كوّة مثل عين فاغرة بلا أهداب تحدق فيها.. كانت الكوة في أسفل الحائط المتبقي من المنزل المدمر الواقع على حافة منحدر الربوة.. اقتربت منها، توغلت إحدى قدميها في حفرة بين الأحجار والحشائش.. ارتفعت الدهشة في عينيها وصاحت:
    -إنها أثرُ فتحة المخبأ.. كنا نُحشر هنا حشرا فتمتزج أرواحُنا وتتلاقى أحاسيسُنا ومشاعرنا على حب الوطن والكراهية الشديدة للاستعمار.
    تراجعت إلى الوراء وراحت تتحسس ألما خفيفا في مفصل الكاحل لالتواء قدمها في الحفرة.. قبعت على صخرة وسط ركام الحجر.. لمعت ابتسامة في عينيها:
    – كنا نعلم أنها صعبة وطويلة.. لقد حفرنا طريقنا بأظافرنا.. حملنا الأسلحة على أكتافنا وقطعنا مسافات.. كنا مؤمنين.. نعم مؤمنين بفكرة أن حدود الجزائر لا تُرسم إلا بدمائنا.
    لا تزال تلك النظرة الملتهبة تميز عينيّ المجاهدة مسعودة حتى وهي في السابعة والسبعين من عمرها.. كانت من اللواتي عندما يصطدمن بصخرة الهزائم لا يرفعن الراياتِ البيضاء لإعلان استسلامهن وضعفهن.
    نجت من الموت بأعجوبة كبيرة.. تسللت وقتها عبر النفق الممتد من ساحة المنزل إلى منحدر الربوة.. كانت الغارات تُحدث دويا رهيبا.. الأشلاء والشظايا وصرخة ضجيج عالية ارتجف لها الجبل.. التزم بعدها الصمتَ المبهم.
    فرّت حاملة في ناظريها قبساً من حدة وخيط نشاطٍ وحزم.. توقدت في
    عينيها عزيمة المرأة المكافحة ورسمت على وجهها سمات الإقدام فسجلت بصماتها التاريخية في مسيرة ثورة التحرير الوطني.
    – للذاكرة عطر.. إنه عطر الوفاء والتضحية والعطاء لأجل الوطن.. قالتها وقد تجهّم وجهها فجأة، راحت تتحدث مع نفسها:
    – يهددونني بحرماني من منحة المجاهدين إذ لم أحسم قضية الشهادة.. آه.. بل يؤكدون استشهادي في السجل الرقمي؟!.. كيف اعترف جيش التحرير ببطولاتي وببسالة كفاحي المستميت في منطقتي “عين الكرمة” و”سرج الغول” بعد حادثة تفجير هذا المنزل؟.. كيف وثّقوا عقد زواجي بعد الاستقلال وأنا أُعتبر ميتةً؟..هل يتزوج الأموات؟!.. قادة جبهة التحرير يعرفون جيدا من تكون “مسعودة السطايفية”.. يعرفون أنني دوخت فرنسا وكنت مثل القطة بسبعة أرواح!..
    في غمرة صراعها مع نفسها سمعت همهمات غير مفهومة فدققت السمع.
    قفزت نظرة خوف غريبة إلى وجهها وانقبضت أساريرها، أحست بالكآبة تغزوها من كل الجوانب.. مِفصل كاحلها لا يزال يؤلمها.. وقفت مذعورة واتجهت بخطوات متثاقلة وحذرة صوب الكوّة حيث مصدر الهمهمات.. نظرت منها إلى المنحدر الذي تطل عليه.
    فجأة تخشب جسدُها واهتزت بعنف.. عقدت ما بين حاجبيها ببريق نظرة قاسية:
    – يا إلهي!.. ماذا يفعلون؟! قالتها بصوت خافت.. استرقت النظر من الكوة فقد توجست شرا.
    -إنها أسلحة! .. آه يا ربي.. بنادق.. متفجرات.. صناديق ورُزم.. من هؤلاء؟!
    شعرت بإعياء نفسي وحيرة واختلط عليها الأمر.. كان هدوء الصبح في ساعاته الأولى مخيماً على المكان.
    خرجت من بين أطلال المنزل واختبأت خلف شجرة يحيطها العليق والأعشاب الشوكية، تطل تماما على منحدر الربوة.. اختلست النظر عن قرب، سمعت أحدهم يقول:
    – ماذا جنينا من هذه البلاد؟ هل نلبس ونأكل الشعارات ونموت من الجوع في مجتمع أصبحت المادة فيه كل شيء؟.
    العديد من المشاعر والانفعالات كانت تصطرع في قلب مسعودة وبنبرة هامسة مرتجفة رددت:
    – ماذا تعرف عن بلادك أيها الغبي؟ لاشيء على الإطلاق.
    – هيا أسرعوا.. ارفعوا أكياس “الخيش” من على ظهرَيْ الحمارين.. هذا المخبأ مناسبٌ جدا لإخفاء هذه القناطير من المخدرات.
    – مخدرات!..أسلحة!.. وماذا أيضا؟.. لم تعد تحتمل.. كانت تلعنهم من أعماقها في صمت.
    كتمت صرخة كانت في كل مرة تحاول الإفلات منها.. سمعت أحدهم يتحدث بنبرة غاضبة:
    – في الواقع، إنني فوجئت بما سمعته منك.. لقد كنت أعتقد أنها أسلحة فقط.. لم أكن اعلم بأمر المخدرات.
    نظر إليه أحدهم شزرا وهو يهمّ برفع كيس “خيش” من على ظهر الحمار.
    إنهم ثلاثة شبان ورابعهم كهل يدنو من الخمسين عاما.
    المخبأ يقع تحت صخرة كبيرة على منحدر الربوة، نمَت بجانبها شجرة صنوبر وبعض الحشائش والأعشاب الشوكية..
    -انتبهوا.. ستبقى هذه الذخيرة هنا.. لا نتصرف فيها إلا بإذن من سي بوعلام.. قال أحدهم، فرد آخر:
    – حسنا.. إنني لم اقتنع بشيء بعد.. أزعم أن أحدا اكتشف أمر المخبأ.. ماذا سنربح من كل هذا التعب؟
    كانت المجاهدة مسعودة شبه منهارة وأطرافها ترتجف، وجهها شاحب.
    – ترى من يكون سي بوعلام؟.. تدور الأسئلة وتتلوّى على نفسها دون أن تجد لها أجوبة.. تبتلع المرارة وحدها حتى الثمالة.
    – هذا الجبل كنا يوما نخطط بين ثناياه لتحيا الجزائر.. يأتي مثل هؤلاء الكلاب ليجعلوا منه مأوى لجرائمهم.
    سارت على مهل، في طريقها إلى حيث سيارتها متكئة على عصاها.. راحت تبحث عن هاتفها المحمول وأصابع يدها ترتجف وترتجف شفتاها أيضا.. عثرت عليه في جيب المعطف.. مسكته في يدها.. اختلطت عليها المسألة واحتارت بمن تتصل:
    – بمن اتصل؟.. بمن بمن؟.. آه.. الرقم الأخضر.
    وقفز الرقم بين عينيها بسرعة خاطفة:
    – ألو.. ألو.. الأمر عاجل.. شبكة خطيرة تحاول إغراق البلاد بأسلحة ومخدرات.. الحقوا بهم..
    كان صوتها مختنقاً متقطعاً كأنه يريد أن يبكي المفارقة التي يشهد لها هذا المكان.. وواصلت:
    – إنهم في مخبأ بجبل سرج الغول.. ربوة الشهداء.. إنهم.. إنهم.. آه يا ربي انقطعت المكالمة.
    وبينما هي مضطربة تفكر في الأمر إذ بأصواتهم تتعالى.. ارتعدت فرائصُها واستدارت بعينيها في كل الاتجاهات نظرة شمولية متفحصة سريعة.. وبلا وعي منها نزلت من سيارتها حاملة معطفها في ذراعها متجهة مرة ثانية نحو الشجرة تراقب حركاتهم.
    كانوا يقومون بسدّ فتحة المخبأ بالحجارة وأغصان السدر.. هتف أحده فجأة مذعورا:
    -إنهم قادمون!.. انظروا..انظروا.. سياراتهم تقترب في اتجاهنا.
    ارتجفت مسعودة وخارت قواها عندما سمعت أحدهم يأمر بالصعود إلى أعلى الربوة.. ارتبكت قليلا واختلطت عليها الأشياء.
    وفي طريقها إلى السيارة وقع معطفُها من يدها المرتجفة.. التقطته لكنها لم تنتبه إلى ورقة مطوية بيضاء انزلقت من جيبه.
    اقترب صوتهم.. صعدوا نحو المنزل المدمَّر.. اختفت الحاجة مسعودة في منحدر الجانب الآخر للربوة تاركة سيارتها في مكانها بعد أن وضع معطفها داخلها ونزلت.. ارتباكها أنساها هاتفها المحمول في جيب المعطف..
    – استمع إليّ صديقي، لا تزجّ بنا في السجن.. إذا امتنعت عن تفجير هذه القنبلة سنقع في قبضتهم.
    – كيف؟.. كيف؟.. لا يمكن!.. ضميري لا يسمح بقتل أحد.. جثم على الأرض والقنبلة بين يديه.
    صرخ رفيقه في وجهه: أيها الأحمق.. وانتزعها من يده بسرعة البرق راكضا رفقة البقية باتجاه تواجد سيارة الحاجة مسعودة.. لم يكن لديهم وقت لينتبهوا إليها ويتناقشون حول أمرها.
    جلسوا القرفصاء خلفها.. امسك كبيرهم القنبلة بحزم بيده اليمنى وسحب حلقة مسمار الآمان وفكره مضطرب.. وقبل أن يرميها انفجرت و انفجرت معها القنابل المحمولة في جيبوهم.
    تطايرت أشلاء الجثث والشظايا.. صعد الدخان وارتفعت ألسنة اللهب فانتشرت رائحة المطاط.
    دوي الانفجار كان رهيبا هزّ مسعودة المجاهد هزا عنيفا.. تدحرجت على المنحدر واصطدام رأسها بصخرة حيث أغمى عليها.
    حاصرت قواتُ الجيش المدعمة بفرقة الشرطة المكان.. ألقي القبض على الشاب الذي بقي جاثما بين الأطلال وقد أخفى رأسه بين ركبتيه يرتجف مذعورا.. لم يصمد أمام الأسئلة المتتالية التي قذفها عليه ضابط الشرطة فاعترف بكل شيء.. واسقط قناع الزيف عن سي بوعلام زعيمهم المتنكر تحت عباءة الفضيلة وأعمال الخير، صاحب المشاريع!.
    هيكل متفحّم هو ما تبق من سيارة المجاهدة مسعودة.. أشلاء الجثث تطايرت وتناثرت.. أنكر الشاب علمه بمصير شركائه، كان يعتقد أنهم فروا واختبئوا في مكان ما.
    عثر الضابط على الورقة البيضاء المطوية.. فتحها فارتسمت على محياها الدهشة والاستغراب:
    – آه.. أه.. إنها شهادة وفاة للحاجة مسعودة المجاهدة.. صادرة منذ أسبوع فقط من السجلّ الرقمي.. سمعت بقضيتها.. وسائل الإعلام تحدثت عنها كثيرا.
    هتف زميله: إنها شهادة وفائها للوطن.. لقد قتلوها المجرمون.. رموها بالقنابل وهي في سيارتها.. اتّصلت بالرقم الأخضر.. لم تعلم أننا على دراية بتحركاتهم.
    – التحقيق مستمرّ في انتظار تقرير المعمل الجنائي.. قالها الضابط وهو يمط شفتيه.
    في صبيحة اليوم التالي عنونت جريدة يومية بخط أحمر غليظ أعلى الغلاف: قنبلة يدوية شديدة المفعول أودت بحياة المجاهد مسعودة السطايفية.. وقبله عنوان معلق: كشفت مخبأ للمخدرات والذخيرة الحية بجبل سرج الغول.
    كانت تمسك بالجريدة وقد توهّجت حروف الكلمات في عينيها.. عدّلت وسادة سرير المستشفى لتجعلها خلفها.. تأكدت من تفاصيل المقال أنها المقصودة:
    – هاه هاه هاه.. شهادة وفاة أخرى تنتظرني! قالتها شبه مازحة والتهاب عينيها لم ينطفئ رغم ألم الخدوش والكدمات.
    – الحمد لله على سلامتك.. لقد عثرتُ عليك بالصدفة.. ابتسم شقيقها مربّتا على كتفها.
    صدرت عنها تنهيدة ملؤها الألم طردت بها شيئا جثم على صدرها فكتمت أنفاسها:
    – لست قلقة على ما حدث لي.. مهما كانت الظلمة قاتمة حولنا فإننا نملك مصباح الوطنية، وعلى نورها نعيش حتى ولو سُجِّلنا في عداد الموتى.. يكفي أن قلبي ينبض بحب الجزائر.

    الكاتبة: وهيبة سليماني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *