مقالات بقلم القراء

إضاءات في الأدب الأسترالي المعاصر* الشاعرة الأسترالية جولي ثورندايك وجماليّات المسرح المائي التانكَوِي

قراءة وترجمة: د.مسلم عباس عيدان الطعان
* مسافة استهلالية تعريفية
تشتغل الشاعرة الأسترالية جولي ثورندايك في قصيدتها التانكوية (المكونة من خمسة أبيات) على فكرٍ مائيّ تترجمه
بفعل دراميّ مسافاتيّ من فوق خشبة مسرح قصيدتها التانكوية منذ نصها التانكَوِيّ الأول الذي كتبته عندما كانت في ورشة إبداعية لكتابة قصيدة التانكا في زمالة محلية للكتّاب الاستراليين، وقد شجعتها الشاعرة الأسترالية بيفرلي جورج بكتابة نصها التانكويّ في يوم السبت الهادئ
وتحديدا في وقت العصر. أن الشاعرة ثورندايك بعد مراس كثيف وخوض تجارب ورشاتية عديدة خاصة بهذا الضرب الشعري المهم حفرت اسمها بجدارة في جدار القصيدة التانكوية الأسترالية والعالمية. حصلت الشاعرة على شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعية Creative Writingمن جامعة سدني، وعملت كمعلمة في المجال التربوي فضلا عن عملها في الميدان المكتبي حيث عملت لسنوات طويلة في إحدى المكتبات العامة، وكذلك عملت ولم تزل كمحر رة لإحدى المجلات الاسترالية المهمة التي تُعنى بالأدب التانكَوِي
وأصدرت الشاعرة في هذا المجال مجموعتين شعريتين لاقتا
اهتماماً نقدياً وقراءاتياً على قدر كبير من الأهمية، ستكون ترجمة إحداهما أو كلاهما جزءا مهما من متطلبات مشروعي
البحثي لمرحلة Postdoctorate في جامعة سدني العالمية بإذنه تعالى.
*المسافة المائية الأولى
لم أكنْ أعلم بأنّ المطرَ
يمكن أن يكونَ موحِشاً جدّاً
في الساعة العاشرة صباحاً
سوف لن تكونَ أنتَ في البيت
لثلاثةِ أيّامٍ أخرى
إن دراما المشهد التانكَوِيّ هنا يوحي بأنّ ثمّةَ مسرح مائيّ تنشد فوق خشبة شعريته التانكَوِيّة الشاعرة جولي ثورندايك
أناشيدها الدرامية المائية. ولو قرأنا النص وفق منظور نظريتنا المسافاتية نلاحظ ما يلي:
كل بيت أو سطر من النص يمثل مشهدا دراميا وكل كلمة
تلعب دورها كمفتاح مسافاتي دلالي لثيمة، فكرة، أو شخصية درامية تتفاعل عبر حوارية دلالية وتأويلية تستفز مكنونات
الطاقة الجمالية للنص. في المشهد الأول تظهر أنا-الشاعرة- الراوية- المؤلفة والمخرجة للنص لتخبر جمهور مسرح قصيدتها من القرّاء بأنها لا تعلم بأن الفعل الدرامي لشخصية
( المطر) يجعل الشاعرة أو المتلّقي المُتَخَيَّل يشعر بالوحدة
الشديدة، وهنا ينشط لدى الجمهور الفعل الجمالي للذاكرة المطرية، كل فرد منا لا بد أن تكون لديه ذاكرة مطرية سواءً
عشق المطر أم لم يعشقه. وللذاكرة المطرية أيضا دلالات زمكانية لأن المطر مرتبط بالزمان والمكان على حد سواء. في المشهد الثالث نقرأ زمن هطول المطر بلحظة فاصلة هي الساعة العاشرة صباحا، والطاقة الدلالية لهذا المشهد يثير أسئلة في ذهن المتلقي: ماذا حصل في الساعة العاشرة؟ هل لحظة هطول المطر بفعله المادي أم إنه مطر من نوع آخر كالدموع مثلا؟ إن وقوع الفعل الدرامي لمثل تلك الأسئلة يهيئ جمهور مسرح القصيدة للمشهد الذي يليه ( سوف لن تكونَ أنت في البيت). ثمّة خطاب درامي موّجه من شخصية
( أنا-الشاعرة) لشخصية (أنت- الحاضر- الغائب)، الشخصية التي تمثل: الحبيب، الزوج، الإبن، الأب ، الشخصية الغائبة عن المكان( البيت)، وعندما نتحدث عن ( البيت) كشخصية جمالية، ذات حضور درامي باشلاري ( نسبة إلى غاستون باشلار المفكر الفرنسي)، وينتهي المشهد الأخير بالصدمة الدرامية لفعل الغياب، لأن الشخص الذي أحالنا للرجوع إلى ذاكراتنا المطرية هو ليس أنا-الشاعرة فحسب ، وإنما هو الفعل الدرامي المائي الموجود كخزين جمالي في كل مفردة في النص التانكَوِيّ. ويبدو في خاتمة النص بأن الزمن هنا له هيمنة جمالية وسطوة درامية تمثلها ثيمة الغياب ( لثلاثة أيام أخرى).
** المسافة المائية الثانية
ثمّةَ نص مائيٌ آخر تكتبه الشاعرة عندما يشتّدُ عودُها التانكَوِيّ أكثر فأكثر وذلك بعد خوضها لتجربة تانكَوِيّة في غاية الأهمية مع مجلة يوكاليبت، فضلاً عن خوضها لتجربة أكثر رصانة وثراءً بدخولها معترك التجريب التانكَوي الجماعي بإنضمامها إلى جماعة التانكا الأسترالية التي تضم بين ظهرانيها أقلام تانكوية مهمة ، وتلك التجربة قد أكسبتها خبرة رصينة في فن الكتابة الشعرية التانكَوِية، حيث نقرأ في مسرح قصيدتها النص التالي:
أَسكبُ أفكاريَ
في هذا القالَبِ التانكَوِيّ –
تلك فطائرٌ طينيّة
صنعناها معاً
في عُلَبِ الكعكة ِ الصَدئة
ويبقى الماء هو المحرّك الطاقَوِيّ أو الصانع الجماليّ لحَركيَّة
الخلق والوجود، والله سبحانه وتعالى يقول: ( وجعلنا من الماء كلّ شيئ حي)، فالفعل pouring الذي يترجم صورة الانهمار أو الإنسكاب هو فعل مائيّ جماليّ بإمتياز ، فالماء الذي تسكبه الشاعرة في وعاءها التانكَوِيّ هو ماء الأفكار Water of Thoughts الخالقة للوجود الجماليّ، والشاعرة هنا وعبر ذخيرتها المسافاتية تصّبُ أو تسكبُ جامَّ غضب أفكارها المائية في قالبٍ أو وعاءٍ تانكَوِيّ. إنّ مشهد (الفطائر
الطينية)هو ، دون أية ريبة ، مشهد درامي يستفز الشعرية
والسردية على حدّ سواء لأنه وعبر آلية المسافة الجمالية
Mechanism of Aesthetic Distance
يجعلنا نتخيَّل بأنّ ثمّة وليمة طينية تعد وتهيئ من أجل خلق الجمال، ولذّة الخلق الجمالي تلك تشبه اللذّة أو المذاق الحسيّ لتناول الفطائر، وخاصة تلك التي ( صنعناها معاً)، في تلك العلب الصدئة التي نضع فيها الكعكة. ثمّة تضاد جماليّ هنا يثير حفيظتنا الدرامية والفكرية معا، حيث أن صنع الفطيرة وتذوقها يوحي بالفعل الجمالي لخلق الأشياء، بيد أن ( العلب الصدئة) توحي بالقبح الظاهري كأول مسافة تأويلية لمحمولاتها المسافاتية، فالعلب رغم ما يعتريها من صدأ ظاهري تستفز ذاكرة جمهور مسرح القصيدة التانكَوِيّة لتذكرنا
بفعلها الدرامي الذي يترجم ماهيتها كمحتوى مائيّ.
***المسافة المائية الثالثة
في النص التالي نواصل رحلتنا المائية بزورق الخيال ونحن لم نزل جالسين في مسرح القصيدة،لنشاهد ونلمس بنية مشهدية جمالية ذات وقع دراميّ مائي آخر:
نهر بُنيّ
يَشقُ طَرَيقَهُ متلوّياً عبرَ
القلب الطينيّ للزمن
…أنا لا أثقُ
بالرغبة الجديدة في داخلي
في النص أعلاه يتأجج الفعل الدرامي المائي منذ البيت الأول
حيث تظهر شخصية ( النهر البنّي) وهي تلبس لبوسها المسرحي كأفعى مائية تعد العدّة لتتسلّل أو لتشق طريقها من خلل ( القلب الطينيّ للزمن) وهنا الشاعرة جولي ثورندايك تضعنا أمام دراما زمكانية جديدة تجسدها شخصيات مفردات المشاهد-الأبيات- السطور الثلاثة الأولى: ( نهر بنّي/ يشق طريقه متلويّاً) كأنه أفعى ليخترقَ (القلب الطينيّ للزمن). وهنا نرى بأن الشاعرة تحوِّل الزمن إلى كائن بشري يمتلك قلبا طينيّا، لأن الذاكرة المائية تأخذنا إلى مسرح الخلق الأول حيث الإنسان الذي خلق من الطين. ثمّة شخصيات درامية أخرى تظهر لنا في المشهد الرابع ( أنا لا أثق) وتلك الشخصية تمثل ( أنا الشاعرة ) التي اهتزت الثقة لديها كأمرأة لاتثق. وهنا يحيلنا الفعل الدرامي لعبارة ( لا أثق) المرتبطة بشخصية ( الرغبة الجديدة) المتأججة في داخل بطلة النص. والرغبة تحيلنا ربما إلى مسافات حسية لا تريد أن تصرّح بها الشاعرة وإنما تكتفي بالتلميح الدلالي لفعل الرغبة الدرامية.
**المسافة المائية الرابعة
في المسافة المائية الأخيرة نقرأ ما يلي:
هُمُ يواصلونَ
إراقَةَ الرَمل، هذي القواقعُ
مصفوفةٌ فوقَ مَكتَبي
…عددٌ كبيرٌ من الكلمات
تتساقَطُ من قَلبي
تبدأ الشاعرة مشهدها المائي بشخصياتٍ دراميةٍ مجهولة بالنسبة للجمهور يمثلها ضمير الجمع ( هُم) والفعل (continue) الذي يدل على مواصلة الفعل الدرامي من أجل استمرارية الوجود أو من أجل مواصلة ديمومة الحياة، فالشاعرة المنتجة والمخرجة الجمالية للنص وحدها تدرك لعبة تحريك شخوصها من فوق خشبة مسرح قصيدتها ومن خلف الكواليس التانكَوِيّة. بعد ذلك، تتضح الصورة الدرامية للجمهور، لأن تلك الشخصيات تقوم بأداء فعل مسافاتي آخر
وهو فعل ( إراقة الرمل)، فكلمة (إراقة) والمشتقة من الفعل (spill)الذي يعني (يريق أو يسكب) يعمل بطاقته المائية ذات الشحنات المسافاتية، فالإراقة تكون للماء والدم، ولكن ثمّة اشتغال مسافاتي دلالي لو تأملنا مفردة ( إراقة)، حيث تكون كل واحدة من محمولاتها مسافة تتفرّع إلى مسافاتٍ ثانوية. عندما تلفظ كلمة ( إراقة) درامياً نتذكر الماء والماء هو مسافة المسافات. كل شيئ في الوجود تنبجس مسافاته من مسافة الماء، وهي المسافة الكبرى أو هي أم المسافات بتعبير أدق. والمحمول الآخر لفعل الإراقة هو إراقة الدم وللدم أيضا مسافاته هو الآخر: ( الحياة، الموت، الشهادة)، بيدَ
أنّ الإراقة هنا تأخذ بعداً مسافاتياً درامياً، تتوهج من خلاله
الشِعرية الصادمة لفعل ( إراقة الرمل)، وتجعلنا نفكر ونتساءل: من يقوم بترجمة مثل هذا المشهد؟!
ربما شخوص (القواقع) التي يلفظها ماء البحر على رمل الشاطئ لا تريد أن تتقيّد بجلبابه فتعزم على كسر قيودها الرملية ب(إراقة الرمل)، أي بإزاحته عنها وكأنها تقتله وتريق
دمه لأنه وقف كعقبة كأداء في طريقها للوصول إلى مكتب الشاعرة من أجل إيصال رسالتها المسافاتية. إنها شعرية الدراما أو دراما الشعرية التي تريد منا الشاعرة نحن القراء- جمهور مسرح قصيدتها التانكَوية- أن نشهد من خلالها ماهيّة التحوّل الدرامي في تلك المشهدية المائية المتخَيّلة، لنشاهد بأن شخصيات (القواقع) تلك بعد اراقتها للرمل تريد أن تتطهر من الدم الرملي العالق بأجسادها، و بدخولها إلى معبد الشعرية تدخل تلك الشخصيات إلى عالم آخر عندما تجد نفسها محتشدة أو مصفوفة فوق مكتب الشاعرة، منتجة-ومخرجة النص الدرامي التانكَوِي، في لحظة الكتابة، أو ربما تكون مصفوفة كمشهد جماليّ يسعى إلى تذكير الشاعرة والمتلقين بمسافات البحر، وهنا تحتدم حشود الكلمات وتتساقط الرؤى المائية تساقطاً مسافاتياً من قلب الشاعرة، فالفعل Fall يذكّرنا أو يحيلنا عبر آلية التأمل المسافاتيّ إلى صورة الشلّال-القلب،وتساقط الماء من قلب الشاعرة يشكل شلالا جماليّاً من الكلمات تساهم في بث الحياة في عروق مسرح قصيدتها التانكَوِيّة.
* مبحث من فصل من كتاب( قيد الإنجاز ) مقدم إلى جامعة
سدني لنيل مرتبة Postdoctorate ما بعد الدكتوراه في الشعر الأسترالي المعاصر
الوسوم

همسه

همسة هى مجلة كل الناس وكل الأعمار . المهنية والصدق شعارنا .ننقل الخبر من مصدره الحقيقى ونسعى دوما للتجديد من أجل القارئ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق