مسابقة القصة القصيرة

قصة : رائحة الخبز . مسابقة القصة القصيرة بقلم / فايز صابر المعداوي .مصر

فايز صابر المعداوي
جمهورية مصر العربية
بلد الإقامة المنوفية
رقم الواتس اب 01145815495
رابط الفيس بوك
https://www.facebook.com/profile.php?id=100001515238611
مسابقة القصة القصيرة

“رائحةالخبز”

انفرطتْ عائلتها كالمسبحة، ولمْ يتبقَّ سوى خرزة واحدة ابنها الوحيد،
شابٌ يقفُ على رأسِ انقباضِ وردةِ العشرينياتِ
يعيشُ داخلَ غرفتِه التي ارتدتْ وقارَ الصومعةِ شقةَ في “بدرومِ”، تُغطيها الأرضُ
ضلتِ الكهرباءُ طريقَ الوصولِ إليها، الشموعُ هي نفحةُ نورِ الله للشقةِ، كان مولعًا بالرسمِ،
ظلَّ يَرسمُ شمسًا على الحائطِ، تَظهرُها الشموعُ خيالاً لمحاقٍ،
أدمن النقصَ، الاكتمالُ لفظةٌ يقرأها فقط، لم تزَرْه يوما نشوةُ الشبعِ،
كان غريبًا على الشارعِ، زبونًا غير محببٍ للمقاهي، اسمًا دائمًا في كشفِ الخوارجِ،
الابنَ البار للكسلِ، جَيبُه مطارٌ للنقودِ
أبطأُ من عقاربِ الساعةِ، عندَ انتظارِ قطارٍ لن يصلَ، غامضٌ كالحربِ، يهربُ من بينِ يديِه المستقبلُ كالغزالةِ.
حجرته عالم لا يكلفه شيئًا، هو ربُ هذه الغرفة، يهيئ الأمنُ للعنكبوتِ والحشراتِ والأتربةِ، مخلوقاتِ الغرفةِ الشرفاءِ، لمْ تستطعْ مساعدتَه بشيءٍ، سوى الصمتِ والشفقةِ،
جهزت الغداء في وقتِه المعتادِ،
وجبةً مفضلة” أو صارت مفضلةً” يتصدرها العيشُ الأخضر.
وقفتْ على بابِ الغرفةِ ونادتْ
_ يابني قوم الأوضة دي هتموتك ،تعالَ يلا عشان نتغدا
،كان البابُ الموارب دائمًا لعيبِ تِقني
موصداً على غيرِ عادتِه،
اقتحمت الباب، ظنًا أن يكون نائمًا
كررت النداءَ
لمْ تسمعْ إجابةً ولمْ تر أحدًا!!
بحثتْ في الغرفةِ جيداً، لم تَجدْ سوى ملابسِه و متعلقاتِه الشخصيةِ، وكرتونةِ الكتبِ التي بَدَّلَ الغبارُ ملامحَها، وتهتكتْ من الوقتِ
كانتِ المرة الأولى التي تفتحُ كرتونةَ كتبِه ودفاترِه الخاصةِ،
نفضتِ الغبارَ، ظَهرتْ الملامحُ المختئبةُ
ألفت الأتربةُ شقوقَ يدِها، كماءِ يعرفُ مجراه،
فتحتْ الكرتونةَ، على الرأسِ دفترٌ قديمٌ، غلافُه معتقٌ من الذكرياتِ
نظرتْ إلى الجملةِ الموجودةِ على الدفترِ بخطِ يدِه
” شعرٌ، هنا ارقدْ ”
هنا تذكرتْ جملةَ أبيها لزوجِها المتوفى
” إنت الشعر ده يا هيموتك يا يجننك اللهم بلغت وخلاص”
تذكرتْ حادثةَ وفاتِه، الذي ماتَ في حادثةِ مروريةِ، حُكيَ لهم ممن رأوا الحادث أنه
لم ينتبْه للسياراتِ، بسببِ حزنِه على عصفورِ ماتَ متأثرًا بجراحِ ولمْ يستطعْ إنقاذَه،
أشاعوا أنه جُنَّ، وهذا سببُ الحادثةِ
فتحت الدفترَ، لعلّه هنا، ماتَ في إحدى قصائدِه،
وتحققتْ نبوءةُ الجدِّ
وجدتْ كلامًا معقدًا لمْ تفهمه، محاولاتِ بائسة لحكي شيءٍ ما، وبعض السطورِ ساحتْ ملامحها، بسببِ بعض قطراتِ المياه
على ظهرِ الدفترِ جملةٌ بقلمٍ مهزوزٍ
“الانتحارُ الخيارُ الآمنُ للشعراءِ، والحضرة وطنُ التائهين’
اهتزَ قلبُها، ظهرتْ ندبةٌ على عظامِها من سرعةِ الدقاتِ، خرجتْ مسرعةً إلى المقابرِ حيثُ ترقدُ حبيبتُه التي ماتتْ
هندمتْ مظهرَها الخارجِي الذي لمْ يَحمِها من الحربِ الدائرةِ بداخِلِها، التهم الطريق قدمَها، وصلتْ ولمْ تلقِ السلامَ على غيرِ عادتِها، ونَسيتْ الفاتحةَ، وصلتْ لقبرِ حبيبتِه،
طرقتْ بابَهُ بعفويةِ مفرطةِ
_هو الواد جالك، لو تعرفي فين ابعتيلي أي رد؟!
رفعتْ بصرَها لأعلى تنتظرُ الإشارةَ أو الردَّ، يأسَتْ وملتْ، همتِ لتقومِ، فَضربتْ بِيدِها على الأرضِ،
شعرتْ بطينِ لينِ، فاحَتْ رائحةُ الدمعِ، خبرةُ الخذلانِ، دواءً جيداً لهذه المواقف
رحلتْ وعلاماتُ اليأسِ تُغربلُ تجاعيدَ وجِهِها،
ضربتْ على قلبِها ثلاثًا، يا دليل الأمِ، أَدلِ بدلوكَ
خطرَ على ذهنِها النصفُ الآخرُ من جملةِ ظَهرِ الكتاب، أخذتْ تلابيبَ جلبابِها وأسرعتْ، إلى
مقامِ أحب الأولياءِ لقلبِ ابنها،
يَعودُ نَسَبُه للشاذلِي، يَشتهرُ بكراماتِه بين أهلِ القريةِ،
مأوى للفقراءِ والمساكينِ، رحلةُ سفرِ غيرِ مكلفةِ لمن تَمنعُهم الحاجةُ والمادةُ،
كلما أتى عائداً من هناك، وسألته عن تأخرِه؟!
رددَ كنتُ أختلسُ وطني من غربةِ العالمِ، كانتْ لا تفهمُ أغلبَ ما يقولُ، فترمقُه بِنظرةِ تشوبُها الحسرةُ والشفقةُ.
وصلتْ إلى المسجدِ رائحةُ البخورِ تحملُ روحَ الولدِ،
القناديلُ شموسٌ تُغلفُ المكانَ بالدفءِ
لو أُطفئ نورُ المسجدِ لسطعَ نورُ الذاكرين،
بحثتْ عنه داخلَ المسجدِ لم تجدْه، سألتْ عليه الجالسينَ والعمالَ، لمْ يستدلَّ عليه أحدٌ،
ذهبتْ لغرفةِ المقامِ، فتشتْ في جَيبِها عن قربانِ الفقراءِ، فلم تجدْ شمعًا
_تعرفش يامولانا الواد فين؟!
أول مرة يغيب الغيبة دي، مش لاقياه خالص، حتى روحت عند حبيبته اللي ماتت، زي مانت عارف، أكيد قايلك يعني، ما تقولي وحياة سيدنا النبي الواد فين، وأنا لو لقيته والله هجبلك دستة شمع.
دخلتْ في ذمةِ نعاسِ، هُنا الكل يسافرُ إلى وطنِه الذي يحب، والتذاكرُ ربانيةٌ.
أفاقتْ بعدما جاءتْها الإشارةُ من معدتِها، نسيتْ أنها لمْ تتناولِ الغداءَ، فأطلقَ الجوعُ صَرخَتَه
لا صوت فوقَ نداءِ البطونِ،
ذَهبتْ إلى البيتِ تَجرُّ أذيالَ قَلبِها المتعطلِ، وأمُومَتِها المؤجَلة،
جلستْ تَتَناولُ الطعامَ، رأتْ ملامحَ وجِهِه
على الرغيفِ الأخضرِ، قرأت الفاتحةَ
أزالت الخضارَ
وبدأت الأكل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق