مسابقة القصة

ملخص رواية (كورونا في الحبّ لا تهادن) مسابقة الرواية بقلم / حكيمة جمانة جريبيع .الجزائر

مشاركة في مسابقة همسة الدولية في جنس الرواية
الأستاذة الأديبة / حكيمة جمانة جريبيع من الجزائر
ملخص رواية : كورونا في الحبّ لا تهادن

كورونا في الحبّ لا تهادن

هاهو القدر يضبط ميعاده، يُربِكُ أجندة كنتُ قد سطرتُ خطـوطها من سنة مثمرة ، حقـقـتُ فيها تقدما
علميا بعدما أوفدني المعهد الطبي لاستكمال الخبرة و المعرفة في مجال العلاج بالإبر الصينية.. لم يبق إلاّ
شهر واحد من برنامج تكويني لأعـود إلى أرض الوطن محملة برصيد طبي ،علني أقـدم لأبناء بلدي الحياة
أو ( طاقة تشي ) كما يطلقون عليها..
شهر واحد فقط ، وأعود و أنا أزعم أن الطاقة في إبر معدنية تزيل عنكم ألم الركب من وقوفكم المتكرر كل
جمعة أمام مركز البريد أو ألم رؤوسكم الذي بعثه خوضكم في السياسة اللغـز عندنا ،الذي لن تستطيعوا فـك
شفـرته أمام فـطاحلة الطاقة الأخـرى التي لم تولدْها الإبـر التي درستها بقدر ما ولدتْها خفة الأيادي و نهم
الأرصدة المتنامي في الحسابات البنكية و حتى في المآرب وهم يزنونها في أكياس كبيرة..
كنت أتابع عن بعد كل ما يحدث من تصدعات و ترميمات و أنا أمنّي نفسي بإبري التي سأعود بها و أفعل
بها الكثير .. لكن بوصلة القدر تغيّر الوجهة و تخلط كل أوراقي بل أكثر من ذلك تحظر جسدي في غرفـتي
الصغـيرة المعـلقة في الطابق الرابع عشر أسامر قـطتي الصغـيرة و أنا أتناوب عـلى جهاز الحاسوب وهاتفي
النقال .. يصلني صوت أمّي مرتعشا ( ارجعي فورا لا نريد شهادتك نـريدك سالمة.. المرض قد استفحل حسب
ما تناقلته وسائل الإعلام و أنه فتاك .. و أنا لستُ في غنى عنك..!)
ينقطع الصوت، لم تمهلني لأسألها عنه.. من أسابيع انقطع التواصل بينا عبر الهاتف و كذا كـل قـنوات
التواصل الاجتماعي التي لم تعد ممكنة..
تنتابني الحيرة و تتناسل بأعماقي الأسئلة المسننة كإبري .. ترمقني قطتي الأوراسية بتعجب كبير.. أعرفها
جيدا عندما تعند .. تجحظ كلتا عينيها بغضب ساطع و ترفـعُ ذيلها، كأنّها تقـول لي الكلام ذاته الذي سمعـتُه
من قليل من أمي ..
( لنعود الأمر لا يسلم يكفيني الرعب الذي عشته معك كل هذه الفترة.. شعب عظيم ذكي لكنه لا يرحم القطط )
ابتسمت لها ، تحسستُ فـروها ،أغمضت عينيها و أستسلمتْ لأصابعي .. كما استسلمتُ بدوري للذكريات.
كـنا قد تواعـدنا على أن يكون زفافـنا هـذا العام في الرابع عـشر فيفري سنة عشرين عشرين، و لم يبق
الموعد إلا أسبوعان ..( هل نسي ..كان على الأقل يسأل و يتأكد من بقاء الموعد على حاله أو تم تغييره..
سبحان الله كأنّه يتهرب من مواجهتي .)
في غمرة الهواجس التي رفعتني بين مدها و أنزلتني بين جزرها.. يصل إلى أسماعي طـرق خفيف على
الباب، لا أكترث ، يعـاود الطـرق معـزوفته.. أسحـب قدميّ بتثاقل كبير، تفاجئني العـين السحرية بصديقتيّ؛
وهما جارتاي أيضا بالبناية ذاتها و يدرسان معي في المجال نفسه .. بسمة التونسية و عزّة المصرية ..
كانتا مدججتان بالقفازات و الكمامات الطبية .. وبين يدي بسمة صحن حلوة الكنافة..
تقدمتا إلى غرفة الاستقبال و هما تطلبان مني أن ضع الكمامة الطبية.. ضحكتُ بشكل هستيري :
_ أنتما تتحشانني .. كأنني ناقة جرباء ..
قالت عزة :
_ لا لا بل قولي أنني مُكَورنَةُ
و أنا أداري بعض غضبي رددتُ عليها :
_ أنا و لله الحمد بخير
قالت بسمة :
_الاحتياط في مثل هذا الوضع ضروري ، ألم تسمعي أنه سجلت حالة في البناية و قد نقل صاحبها من ساعة
و الغريب في الأمر أن الكاميرا ضبطته يبصق على أزرار المصعد..
جلبوا كل العقاقير و المنظفات التي انهالوا بها على المصعد..
هـزّني الفزع و أنا أقـول في قرارة نفسي ( الوباء تسلل إلى البناية..لا لا لن أستخدم المصعد.. من اللحظة
أستعين بالسلم فقط )
_ ويْ ويْ أين سرحت ، هيا أحضري لنا الشاي واغسلي يديك جيدا قبل إعداده ( قالت عزة )
و عقبتُ :
_ تريدانه بنكهة عربية أم صينية.. ؟
قالت بسمة :
_ رجاء دعينا من الصيني في هذه الفترة الحرجة ، نريده على طريقتنا.
ليكن لكما ذلك أيتها الشريرتان ..
و دخلتُ المطبخ بعد حملة تنظيف كبيرة أعلنتها على الآواني و كذاعلى يديّ
كلها دقائق معدودات و وضعت بين يديهما صينية عليها إبريق فضي و ثلاثة كؤوس شفافة مزدانة
برسومات صينية مبهرة و أنا أقول بمزاح :
_ كان الله في عون الشاي كيف يصل إلى فميكما و أنتما مكممتان ..
حملتْ كل واحدة كأسها ، رفعـته، مررتْ رشفة بعـدما رفعـتْ قليلا الكمامة الطبية ثم أعادتها و هكذا
كانت معركة الكأس و قطعة الكنافة مع الكمامة المستبدة.. بينما أخذتُ كامل حريتي و هما تشيران إلي
أن أبتعد عنهما بمسافة، وحدها الصداقة التي جمعتنا تقوى على تقديرها..
كـم مـؤلم أن تُضطهـد اللـقمةُ و الرشفةُ و الجـرعة في بلـد الحضارة والحرية .. كـم مـؤسف أن يتبعنا
الاضطهاد إلى غاية هنا.. ألم يكفينا ما عانيناه من صنوف اضطهاد الجسد و الفكرة و الخطوة .. يا لحظنا
السيء.. كلمة اضطهاد أراها أرحم بكثير بل قـولي شبح الموت يراوغنا يتسلى بنا و يملي علينا شروطه
و تعليماته الصارمة.. !
_ أين أبحرتِ ؟ قالت عزة
_ في زمن الكورونا ..هكذا أجبتها
و خضنا ثلاثتنا في نقاش كبير.
قالت بسمة : فيروس مصنوع في مخابر كبيرة لضرب اقتصادهم .
و أردفت عزة :
_ لم يتركوا شيئا إلا و أكلوه حتى الخفافيش لم تسلم من أفواههم ،هي وحدها السبب
استيقظت قطتي ، حركت ذيلها معترضة..
صرختا.. هي هنا ، القطط مشتبه بها أيضا و قد ذعرتا ذعرا شديدا.. و ختمتا كلامهما :
_ سنغادر السبت المقبل ..
تساءلتُ:
_ كيف ذلك وشهادة التكوين لمن نتركها.. ؟
_ شهادة ، أية شهادة.. الموت لا يتساوى بأي شهادة ..نفر بجلدنا أحسن !
قلت لها :
_ و نترك لهم العظم المكتنز بالنخاع..
قالت عزة دائما :
_ لنفلت بأرواحنا ..الروح غالية يا صديقتي ..
ما أحـوجني لهاته الورقة التي تبيح لي ستعمال إبري وعلى طريقتي ، في بلدي وباء آخر أشدّ ضراوة من
هذا المرض، مرض الضمير الغائب والذي أصبح مجرد ثلاثة حروف محـنطة على صفحة قـصة أو رواية ..
كل أملي في هذه الإبر التي أعيد بها إليهم حرارة صدورهم الباردة التي تقتل الطفل و تنزع أعضاءه دون أية
وخزة ، والتي تدس للمستهلك أكلا منتهي الصلاحية دونما وخزة ، و التي ترفع درجات الغبي في المدارس
لأنه يدفع أكثر و ما دام أنه يدفع تُقمع الوخزة .. والتي تختلس أموال الفقراء و لا تشبع، و التي تزج بالأباء
إلى دور العجزة ، و الوخزة أسيرة البرد ؛ في كنفه هي معقمة تماما ؛ أَ عرفتما الآن لماذا أنا بحاجة إلى
هذه الورقة الموٌقعة..
افترقـنا على حـديث موجع كالوباء المتربص من شهـر بالضعفاء وهـو يـزرع في نفوسنا الفزع الملوّن ،
خرجتا و جملة بسمة الأخيرة ( تخلصي من القطة لو وجدوها عنذك سينقلونك إلى المصحة )
ازدادت مخاوفي أكثر كبرت حيرتي .. كيف أتخلص من لُـونـا وهي معي من لحظة ولادتها ..عمرها اليوم
ثلاث سنوات أنا من كنت أواريها في البناية حتى لا يعرفوا مكان وجودها حفاظا على حياتها من أفواههم ،
كيف أرميها .. و بأي قلب ؛ لابد لي أن أغرس فيه إبرة كبيرة قبل أن أقدم على جـريمتي و أطـبق العـلاج
الذي تخصصتُ فيه، على نفسي أولا..
لا شيء غير حزن يؤنس وحدتي ، أخلو إلى مكتبي، أنشغل و بطريقة لا إرادية بهاتفي حتى أجدني على
الفيس أدخل على الخاص أتفحص الرسائل علني أجد رسالة منه، لا شيء مما كان يدور في بالي .
أقع على رسالة طويلة من أختي الصغرى تؤكد لي فيها عن رغبة أمّي الملحة بعودتي في أسرع وقت و أن
ضغطها قد ارتفع من شدة توترها..
وجدت الرسالة مرتعا خصبا لها برأسي المثقلة بالأحداث المتتابعة التي أقبلت دفعة واحدة.. وأنا مثلما ورقة
تتقاذفني رغبة أمي في عودتي و كذا رغبتي الملحة في تقصي أحوال خطيبي الذي اتفقتُ معه على أن يكون
موعد زفافنا في عيد الحب الذي اقترب موعده ..
ما لذي ألم به حتى لا يرد على رسائلي..أخر رسائله على الخاص كانت قبل نشر نبأ وباء كورونا بيومين.
حسابه على الفيس بات مغلقا حتى هاتفه مشغول دوما.. الأمر محير حقا..هل ساوره شك أن كورونا تنتقل
عبر الشبكة الخلوية .. هههه إذا وصل مستوى تخمينه إلى هذا المنعرج حتما هو معرض لسقوط لن يقوم
منه ثانية ، هكذا تعبث بي الهواجس يمنة و يسرة و أنا أسيرة هذا الحيز المكاني الذي لم يعتق جسدي ولم
يسلم منه رأسي و التي أشعر أنها منفصلة عن جسدي لا شيء يجمع بينهما .. جسدي هنا تم حظره ورأسي
من هـلام ، تنزلـق لتبتعد عـنه ، وترسو على شاطىء الحيرة كما بجعة عـطشى في بحـيرة أمتصت شمس
الصيف ماءها .
بسمة و عزة ستعودان إلى بلديهما .. و أنا لم أتخذ بعد قرارا.. ها أنا قد تذكرت إعلان السفارة الجزائرية
بترحيل رعاياها على الساعة الخامسة صباحا يوم الثاني عشر من فبراير، بقي ثلاثة أيام فقط عن موعد
الرحلة.. أود أن أحتكم للصدفة وكم تمنيت لو كانت بيدي زهرة العطاس.. سأجردها من البتلات و كل واحدة
أجعل منها تذكرة عودة أو رخصة إقامة و أنا اردد أعود، هاهي واحدة أعود، و أخرى لا أعود متوهجة..
أكاد أجنّ ؛ سؤال كبير يتدفق من بؤرة الوباء ما لذي يبقيك هنا..أ تريدين الموت..؟
لا،لا ، شهادة تخرجي لم يبق غير توقيع المدير عليها و أستلمها مباشرة.. لكن كل شيء موصد..ربما هناك
بارقة أمل ، ربما يفتح لي بابه وهـو مكمم و يوقع لي غـدا بقفازه المعقم شهادتي و أعـود بكـومة إبري
السحرية ،و سأبدأ إنّني أتية لأقتلع أوجاعكم كما يقتلع الضرس المسوس أو كما يقتلع شـوك الصـبار..
مرّ أسبوع و أنا حبيسة الشقة العلبة المعلقة في الهواء ، خناق يعصرني و هواجس تأكلني و رئتاي قد
جفتا بعدما حجب عني إغلاق النوافذ بإحكام تسلل الأكسجين و ضوء الشمس العليلة .
قررت، غدا سأخرج و أرى النور و أطرق باب كلية العلاج الطبيعي ولن يمنعني زحف الكورونا ، سأمشي
جنبا إلى جنب مع الهواء و الريح و زخات المطر، توقعات المناخ تنبئنا غدا بأمطار غزيرة و رياح قوية..
و يستيقظ ُ فجأة صوتُ الأنا ليجلذني: ( هل أنتِ مجنونة إلى هذا الحدّ، الموت يحصد ألاف الأرواح و أنت
تنتظرين ورقة لا معنى لها.. ماذا تساوي ، لم تبخسين حياتك بطريقة مريبة..؟ )
لم أستسلم لتأويلاته و أعقّب بصوت مسموع :
و لماذا إذن أنا هنا من عام تقريبا ، و أنا بعيدة عن أحبتي و وطني..أليس لأجل هذه الورقة ، توقف لم أعد
أحتمل نظرتك للأمر بهذه الصورة الفاقعة.
المساء ثقيل، و صوتُ الأنا الذي تسلل من ركام الروح الصلد أثقل منه بكثير، أرفع عـينيّ نحـو الساعـة
المعلقة في قاعة الاستقبال الصغيرة ألمح عقاربها و كأنها ثابتة توقفت عن حركتها ، كأنني أستجديها عجلة
و القيام بدورها الذي أراه منقوصا.. لم أعهدها بطيئة بهذه الوتيرة، أغمضتُ عينيّ لأحضن إطلالة غدي ،
أتخيله مبهجا و هو يفتح لي ذراعيه مباركا جهدي.
و يعود صوت الأنا ( من أين لك بكل هذ التفاؤل ..ارحلي و لا تتأخري ، كورونا تزحف ، تكتسح الصين..
ماذا تنتظرين..)
وأنا غير مصدقة أن في عصر العلم، و في بلد العلوم يفعل بنا المرض كل هذه الجرائم يا له من سفاح، لماذا
لم يتم القبض عليه.
ترنيمة الأنا متواصلة وجدت فرصتها و لن تعتقني ،أدفـن رأسي بين ذراعيّ ، علني أفلتُ من قبضتها ،
أخز الذاكرة النائمة أبحتُ فيها عما يلهيني حادثة مفرحة أو صور أقفز بين محطاتها المشرقة، تأتيني صورة
جمعتني بخطيبي و أنا أغني له في عيد ميلاده أغنية جميلة لفيروز، يأخذني لحنها أولا ثم تحط كلماتها على
لساني مثلما يحط حمام المغيب على الشرفات المفتوحة ( يا سهر الليالي .. شو كانت حلوة الليالي .. والهوى
يبقى ناطرنا )
لكن على ما يبدو أن الهوى عند الأستاذ صابر لا يقوى على الانتظار أكثر وفراغ عام بأكمله ربما حمل له
جديدا آخر .. و عادت الهواجس تضرب بقوة على قلبي و أنا بين مطرقة خوفين بل وحشين كاسرين ظلاَ
يتربصان بقلبي المرهف و يتناوبان عليه ؛ خوفي من طعنة غير منتظرة و من وباء كورونا فاتحا فاها بنهم
و خطر لي أن أقارن بينهما ، و أضعهما في كفة الميزان وجها لوجه ..الحبيب زوج المستقبل و كورونا
أيهما أثقل ..؟
خوفي من الكورونا يبدو وديعا أمام خوفي من طعنة مرتقبة و ما يخبئه الباعث عليها و ما وراءها.. من
حركها فجأة ، خوف مقنع منافق يرتدي أوجها عديدة بألوان قاتمة و أخرى قانية .. أما الكورونا واضحة
عارية من كل شيء إلا من كمامة طبية يكمن فيها مبرر وقاية..
كيف لي أن أقي نفسي من حب هارب من حياة مسطرة لم يبق على إدخالها حيز التنفيذ غير ثلاثة أيام و يتم
قراننا في عيد الحبّ كما أتفقنا ، بأيّ وجه ستُقبل أيها اليوم ؛ مكمم كما كورونا التي يفضحها صدقها أم أنّك
مكمم بالزيف و الكذب ؟!
اختيارنا لهذا اليوم كتاريخ لموعد زفافنا لم يكن عن قصد بقدر ما كان للزمن و المعتقد يد فيه، كان يعلم أنّني
سأنهي تكويني وأعود إلى أرض الوطن مع مطلع فبراير بشهادة تمكنني من تكوين مختصين في بلدي ..كان
يحبّ يوم الجمعة و عندما تصفح أيام مفكرة سنة عشرين عشرين، وجد أن فيها يوما من الأسبوع الثاني من
الشهر الثاني يوما واحدا تصادف مع يوم جمعة، كانت تهمه الجمعة لأنه ولد يوم جمعة كما أخبرته أمه وأنّ
خـيـرا كبير هـلّ عليهم يوم مولده لم تكن تعنيه الجمعة إلا من حيث الذكرى و معتقدات أمه التي تزعـم أنها
حملت إليها مباهجا لم تنسها، بينما تحمستُ للموعد بتأثير رومانسيتي الزائدة و رغبة في التغيير و الاختلاف
و أنّه إذا كــتب الله لنا عـمـرا طويلا ، فإنّ اليوم وحـده من يذكرنا بأجـمـل حـدث في حياتنا حتى لو داهمنا
الزهايمر ..
الزائرة المقتحمة بقوة لحياتنا،كورونا أخلطت كل الأوراق، وأصدقكم القول أنه لا ورقة تعنيني غير تلك التي
جئتُ من أجلها، أعرف أنني لن أعود ثانية إلى هنا لأجلها لو لم يقدر لي استلامها في غضون ثلاثة أيام هذه
لن أعود .. و لا أريدها أن ترسل إلي عن طريق النت .. هم يحتفون بالمتفوقين و يقيمون لهم وزنا كبيرا
و ينشرون أسماءهم مرفقة بصورهم في أكـبـر المجلات و وسائل الإعلام ، هـم أنصار النجاح بعكس ما هـو
متفش عندنا ، أعداء النجاح جيش عرمرم يغتال كل متفوق و هكذا نحيي الفاشل بهتانا وزورا ..
أقبل يوم جديد انتظرته مطولا و هاهو قد أطّل بوجهه الشاحب ؛ كان ممطرا و بـاردا أيضا، وضعــت في
حقيبتي الصغيرة قنينة محلول تعقيم و بعض الكمامات و لففت جسدي بمعطف فـرو لا شيء يـظهـر مني
حتى عينيّ أخفيتها بنظارة ، و يداي داخل قفازين بنيين ثمّ أطلقتُ قدميّ للريح ..
ووهان تكاد تكون خالية، الطرقات شبه خالية إلاّ من بعض المارة و سيارات قليلة عابرة بسرعـة فائقـة
مستعجلة الحياة متحدية الكورونا..
مشيتُ مطولا تحت المطر و أنا أتضرع إلى الله أن لا تتوقف عيون السماء معتقدة أن المطـر يجـرف كـل
الفيروسات و يغسل الجوّ من كل دنس..قطعت المسافة مشيا قرابة ساعة .. وصلتُ إلى المعهد ، كان مغلقا
و مع هذا لم أستكن ضغطتُ على جرس البيني الداخلي .. و صلني صوت مرتبك :
_ من ..؟
طالبة عربية ،هل المدير هنا .. ؟
_ لا ، هوغير موجود .
_عودي بعد غد قد تجدينه.. ؟
شكرته و أقفلتُ راجعة من الطريق نفسه ، وأنا أمشي و قعت عيناي على مركز تسوق ، تذكرت أن مؤونتي
قد نفذتْ ، كان المكان قبل اليوم يعج بالمتسوقين ، بضعة أفراد مجتمعون حـول الأسماك ، و أخـرون بالقرب
من طاولة الخضر و الفواكه ، لمحتُ البائع دون قفازات اتجهتُ الى الرواق المقابل له .. الحمد لله كانتا يديه
داخل قفاز ، ابتعتُ منه برتقالا و ليمونا و خسا و بطاطس و انصرفت على عجل.
و أنا شبه مغلفة لا ألتفتُ إلى ما هو بجانبي و لا لما هو خلفي ، لم أكن أعـير للموضوع حجما كبيرا، لكن
الخوف الذي قرأته اليوم في أعين الكثيرين أصابني بالعدوى .. لن أبقى هنا سأعود سأعود.
لزمتُ شقتي طيلة المساء،التي لم يطرق بابها أحد منذ رحيل بسمة وعزة اللتين تركتا فراغا كبيرا من خمسة
أيام .. مساء رمادي موحش يفتقـر لكل معاني الحياة النابضة بالرغبة والحركة.. سأتحـرك و أدخـل المطبخ
وأجعله مساء عربيا بنكهات الطعام بالرقاق المحشو بخلطة الخضر و بشوربة فريك و كعك التمر .. أعرف
أنّ الأمر متعب لكن المساء طويل و الكورونا بدأت تنقر باب الخوف الذي خلته مغلقا بإحكام ..
تصلني من الغرفة المجاورة رنة المسنجر ..أسرع أرفع هاتفي .. كانت أختي الصغرى.
_ أهلا، كيف هي أحوالك ؟
_ الحمد لله
امتد بنا الحديث لدقائق وكانت عيني و يدي من حين لأخر على الفرن المزهو بطاقته لكنني لا أئتمنه ،
فمفاجأته التي يهديها لي كلما ابتعدت بضعة أمتار أو استغرقت في حديث الهاتف ، لا يتأخر و يقوم معي
بالواجب لعدم ملازمتي له و يكون الفحم هديته..
كانت أختي تلح على عودتي كما أنها أخبرتني باغتيال أصغر أعمامي في هجمة إرهابية على الحدود ،
ضحى عمي خالد بحياته من أجل رفقائه و أحبط محاولة سيارة مفخخة كان يود الإرهابي تفجيرها داخل
الثكنة..
و غام المساء و ازداد قتامة و هزتني الفاجعة.. سلالة الإرهاب أشد فتكا من كورونا.. عمي البطل اغتاله
فيروس آخر تنامى في صدور الأجيال ، تغذى بمعتقدات خاطئة ، ارتوى بتحليلات و تفسيرات مريضة ،
أدركت أن الداء في وطني أكبر من كورونا، فتلك الإبر التي لا تتعدى خمسة سنتميرات أراها ضعيفة أمام
العفن المعشش في أعماق هؤلاء السفاحين ، لن تقوى إبر صغيرة على تغيير طاقة الجـرم المتأصلة في
كوامنهم الشاذة .. آه عمي كنت رجلا كريما بعد وفاة أبي لم تتركنا أنا و أخي الأوسط و أختي الصغرى
رغم أنك كنتُ لا تزال فتى يافعا ، رعيتنا و لم تقصر معنا .. كنتَ نعم الأب لنا رحلت فجأة و لم أرك من
عام و هذا ما ألمني أكثر، رحمة الله عليك أيها البطل أيها الشهيد ..أيها الابن البار الذي زفّه الانفجار.
و غيّب نبأ الموت طعم المساء الذي اجتهدتُ في أن يكون مساءا بمذاق خيرات أرضنا ، أطفأت الفرن رغم
أن الأكل لم يستو بعد، بينما استويتُ أنا على فتيل جراحاتي المتجدد..
استبدّت بي الهواجس على طاولة المساء المثخنة بالوجع، وهي ترتب أطباقها على طريقتها لتزيد من عبء
صدري و أنا أقارن بين وباء الكورونا و وباء أمتنا العربية الوحيد الأوحد الإرهاب الأعمى الذي يضرب خبط
عشواء و يجرف الأبرياء.. كـورونا تبدو وديعة أمامهم ( كيف لي أن أحـفـظـها في صندوق ماسي و أطـلقها
عليهم كسرب جراد، لأخلص الناس من شرهم ؟! )
و يستيقظ صوت الأنا ( موت عمك جعلك تهذين ..هم كالخفافيش يظهرون في الظلام فقط )
و استوقفتني كلمة خفافيش و صلتها الحميمة بكورونا إذن كورونا عندنا من زمان بعيد و لا ندري خفافيش
الليل ضيّعت أسرا و شردت أطفالا و أسقطت أوطانا.. اللعنة، كورونا و الإرهاب تجمعهما قـرابة و صلة دم
اسمها الخفافيش..
يومان كاملان و أنا أبكي عمي المغتال وأنا أهذي ، حتى أنني لم ألتفت لقطتي وهي تتضور جوعا ؛ قدمتُ
لها قطعة جبن من النوع الذي تحبه لكنه لم يغـريها ،كأنها مريضة أو حـزينة مثلي تماما.. مـاذا سـأفعـل لو
غادرتُ غدا ، أين أتركها، لبواب البناية .. أ جننتِ .. سيقيم وليمة..؟!
لستُ أدري كيف تناسيتُ أمر القطة في مثل هذه الظروف.. أخذت الهواجس تعبث بي من جديد و محورها
مصير قطتي الوديعة.. و بعد أخذ و ردّ ومضَتْ ذاكرتي بصورة السيدة الفرنسية التي تشبه نجمات السينما
و كلما صادفتها تذكرت بريجيت باردو ؛ أراها دائما تحضن كلبها و هي تمشي للتسوق أو التنزه في الأيام
الخوالي الجميلة، سأودعها القطة أمانة ريثما أستعيدها يوما إذا قدر لي ذلك ، المهم سأكون مطمئمنة وهي
بين يديها، تنفستُ الصعداء، أتجهتُ نحو خزانتي أفرغتها تماما و رتبتُ أغراضي في حقيبتين كبيرتين جدا
فلم يبق أمامي الكثير على موعد الرحلة المبرمجة لأبـناء الجالية الجـزائرية خـمس ساعات فقط هيّأتُ كــل
شيء ربحا للوقت ، اتجهت مسرعة إلى المعهد ، ضغطت على الزر، يطلع الصوت يبدو أنه قد عرفني مـن
المرة السابقة أو أنّه قد دوّن اسمي عنده ( سلاف ) و انفتح الباب الكبير، اتجهتُ إلى مكتب المدير.
كان وراء مكتبه الكبير يضع كمامه طبية على فيه ، خرجت الكلمات منه مبهمة و قد ازادت لغته صعوبة أكثر
مما هي صعبة و انا أشرح له وضعي المستعجل بانجليزية تتخللها بعض الكلمات القليلة من لغته الأم.. بدتْ
على ملامحه علامات الـتأثر بل الشفقة لحالي ،اتجه مسرعا نحو غرفة مفتوحة على مكتبه و عاد بكومة في
يده ، أعدتُ له اسمي و غابت يداه في الملفات إلى أن أخرج شهادة جميلة..ركزتُ على يديه كانت داخل قفاز.
وقّـع ، خـتم على الورقة ثم أستدعى كاتبه و أخـذنا بعض الصور و هـو يسلمني الشهادة التي أخـرتني عـن
الرحيل ، ألقيتُ بقفازي و غسلتُ يديّ بمحلول التعقيم و أخرجت قفازا جديدا، لم تكن العملية صعبة ،الأصعب
لو لم أقمْ بها بعد أن غادرت مكتبه حتما ستتناسل وساوسي أكثر من الفيروس القاتل ..
وعدتُ ببعض الفرح، أخرجتُ حقائبي الثقيلة مستعينة بالمصعد و بمجرد أن وصلت إلى الباب الكبير، غسلت
يديّ بالمحلول و أرتديتٌ قفازا طبيا جديدا .. ممتنة لحقيبة يدي، كانت كبيرة بجيوب متعددة خدمتني حقيقة..
بقيتُ واقفة في الشارع و لم يبق عن موعد إقلاع الطائرة إلا ثلاث ساعات.. سيارات قليلة فقط تسلك الطريق
التي تكاد تكون خالية ، أتوتر أكثر بعد مرور نصف ساعة و أنا واقفة ، أتضرع في سري إلى الله أن يفك
معضلتي ، و أخيرا جاء الفرج تراءات لي سيارة أجرة ، ها هي قد توقفت..
لم أشعر بالوقت و أنا أودع اووهان الجميلة التي اشتهرت بالفيروس رغم أنها مدينة لا تقل عن شنغهاي أو
هون كونغ ، اودعتُ السائق ورقة نقدية من فئة خمسين رنمينبي وأعـاد لي ورقـة من فئة عـشرة و بعـض
النقود المعدنية ، لم يكن يعنيني عدّها بقدر ما كنت أعدّ الوقت..
كان المطار متأهبا على قـدم و ساق ، و كل المسافرين يخضعون لفحص سريع و بعض الإجراءات الطبية
لم يبق عن أقلاع الطائرة إلا ساعة واحدة .
و حلقنا مطولا.. وصلتُ ظـهيرة يـوم عـيد الحبّ ، الرابع عشر من فبراير إلى مـطـار هـواري بومدين و أنا
أترقب بلهفة رنة هاتف الحبيب الذي كان من المفروض أن يكون في انتظاري حسب العهد.. رنّ هاتفي أخير
في الوقت الذي كنت أنتظر فيه وصول الحقائب.. خفق قلبي و أنا اعتقد أنه هـو من يتصل، و خــاب ظني ..
كانت أختي المتصلة تطمئن على وصولي، سألتها بحماس زائد ه هل صابر معك .. تلعثمت قليلا ثم قالت:
( انسيه بمجرد أن سمعتْ أمه بالمرض تغيرت معنا و صارت تفتعل المشاكل وأنت تعرفينه كم هو مطيع
لأمه..)
واصلتْ بعفويتها المعتادة :
_ كلنا في انتظارك.
_ لا تنتظروني، سنبقى تحت المراقبة الطبية طيلة أسبوعين معزولين عن العالم حتى يتأكدوا من سلامتنا..
لم تقتلني كورونا، قتلتني طعنة خيانة الميثاق و العهد الذي أخذناه على أنفسنا ، قتلتني الكذبة التي صدقتُها
سبع سنوات من الوهم و الانتظار تلاشت هباء ، لا حبّ في عيد الحبّ غير حزن و سأم ينهش روحي على
مهل ، يعرف أنه سيستغرق معي مطولا..
شكرا لك كورونا.. أنا مدينة لك بقلبي العائد رغم جرحه ، مدينة لمرآتك التي ما اعتراعها غـبش ، مدينة
لصدقك اللامتناهي و أنتِ تكشفين معدن من اعتبرته ذات زمن نصفي الآخر.

للرواية بقية

الوسوم

همسه

همسة هى مجلة كل الناس وكل الأعمار . المهنية والصدق شعارنا .ننقل الخبر من مصدره الحقيقى ونسعى دوما للتجديد من أجل القارئ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق